تحقيقات وتقارير سياسية

خمسة أعوام على اعتقال المحامي خليل معتوق

في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، يكون قد مضت خمس سنوات على اعتقال أستاذي وصديقي المحامي خليل معتوق، رئيس هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سورية، ويأتي اعتقاله بعد اعتقال موكله المعارض السياسي البارز الدكتور عبد العزيز الخيّر بأحدَ عشر يومًا؛ إذ سبق لخليل معتوق أن دافع عنه أمام محكمة أمن الدولة العليا. خمس سنوات، وما يزال النظام السوري يرفض الاستجابة لطلبات أسرته بالسماح لها بزيارته أو حتى الكشف عن مصيره، ويصرُّ على تجاهل كافة المناشدات الدولية المطالبة بإطلاق سراحه، ضاربًا عرض الحائط بأبسط الحقوق التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، وما زال النظام مصرًا على موقفه الرافض نهائيًا في إعطاء أي معلومة عن أسباب اعتقاله أو الإفصاح عن مكان احتجازه، في الوقت الذي لم يجد فيه النظام أي حرج في إطلاق حسن الصوفي مؤخرًا؛ ليتولى قيادة حركة “أحرار الشام”.

المحامي خليل معتوق حاله كحال الكثير من المعتقلين، لم يكن يحمل معه سوى القلم والفكر والقانون، وهو يؤدي رسالته الإنسانية في الدفاع عن حقوق الإنسان، خلال مسيرته الطويلة وحتى لحظة اعتقاله صباح 2/10/2012، ولم يكن “خليل معتوق” المعتقل الوحيد الذي يرفض النظام إطلاق سراحه ويتكتم على مكان اعتقاله، فإضافةً إلى رفيقه محمد ظاظا الذي اعتقل معه، ما زال يوجد في أقبية وزنازين المخابرات عشرات آلاف المعتقلين لا يُعرف مصيرهم حتى الآن، كالدكتور عبد العزيز الخير، ورفيقه ماهر الطحان، وإياس عياش، وفائق المير أبو علي القيادي في حزب الشعب الديمقراطي، والطبيب محمد بشير عرب، والفنانين ذكي ومهيار كورديللو، والمحامي سامر إدريس، والصحفي جهاد محمد، والمهندس بهيج سلوم.. وغيرهم، وذنب هؤلاء المعتقلين وغيرهم الكثير، ممن يقبعون الآن في جحيم الزنازين، أنهم طالبوا بالحرّية والسلام للشعب السوري، وذنبهم أيضًا أنهم ليسوا من الإسلاميين، ولا من المتشددين إلا لكرامة وحرية السوريين، وإلا؛ لما تردد النظام البتة في إطلاق سراحهم، مثلما فعل طوال السنوات السابقة، عندما سارع في 31 أيار/ مايو 2011  إلى إطلاق سراح آلاف الإسلاميين من سجونه، لا سيما المتشددين منهم، في خطة مبيّتة منه للقضاء على ثورة الشعب السوري، وكان من بين الذين أطلق سراحهم : الشيخ محمد أيمن، موفق أبو التوت، أبو العباس الشامي الأب الروحي لحركة (أحرار الشام)، وحسان عبود مؤسس الحركة، وزهران علوش مؤسس (جيش الإسلام)، وأحمد الشيخ أبو عيسى مؤسس (صقور الشام)، وغيرهم الكثير ممن أخرجهم من سجونه، ولم يكتف بإطلاق سراح هؤلاء فحسب؛ بل سهّل لهم الطريق ليصبحوا قادة في تنظيمي (داعش) و(القاعدة) وتنظيمات إسلامية أخرى، لمساعدته في حرف ثورة السوريين عن أهدافها النبيلة، بعد تديينها وعسكرتها؛ تمهيدًا للقضاء عليها من جهة، ولاستخدام تلك الفصائل والتنظيمات المسلحة من جهة أخرى، لتبرير جرائمه بحق الشعب السوري بذريعة أنه يكافح الإرهاب.

لقد كان خليل معتوق مؤمنًا ومخلصًا لرسالته في الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية، فلم يتوان لحظة واحدة في التطوع للدفاع عن أي معتقل سياسي أو ناشط حقوقي، يسمع أنه تعرض للاعتقال، منذ أواخر الثمانينيات وحتى تاريخ اعتقاله، وأدّى دورًا بارزًا في الدفاع عن العشرات من معتقلي (ربيع دمشق) وفي مقدمهم: الأستاذ رياض الترك، والأستاذ حبيب عيسى، والدكتور عارف دليلة، وغيرهم، أمام محكمة أمن الدولة العليا، وفعل الشيء نفسه، عندما اعتقلت السلطات السورية العديد من الكتاب والصحفيين والمحامين والمثقفين والناشطين الذين وقعوا على إعلان دمشق بيروت – بيروت دمشق، من بينهم المحامي الأستاذ أنور البني، والشهيد مشعل تمو، هذا الإعلان الذي دعا إلى إعادة تصحيح العلاقات بين سورية ولبنان، وكذلك في الدفاع عن مجموعة من قيادة التجمع الوطني لإعلان دمشق في عام 2007، كان من بينهم الكاتب أكرم البني، والصحفي فايز سارة، والكاتب علي العبدالله، والنائب السابق رياض سيف، والمعارض مروان العش وغيرهم، حيث بذل المحامي خليل معتوق جهودًا كبيرة في  تنظيم عملية الدفاع عنهم، مع عدد من المحامين الذين تطوعوا للدفاع عنهم من بينهم كاتب هذه السطور، والمحامون أنور البني، وحسين عيسى، وجيهان أمين، وكذلك المحامية رزان زيتونة، والمحامي ناظم حمادي، قبل اختطافهما من قبل قوى الأمر الواقع في دوما، منذ نحو أربع سنوات.

مع بداية الثورة السورية في آذار/ مارس 2011؛ اشتدت الحملات الأمنية وتوسعت في ملاحقة الناشطين خصوصًا، واكتظت المعتقلات بالسوريين والسوريات، كما ضاقت نظارات التوقيف في قصور العدل وقاعات المحاكم بالمعتقلين الذين تتم إحالتهم يوميًا من الفروع الأمنية المتعددة؛ وهذا ما شكل عبئًا كبيرًا على فريق الدفاع عن المعتقلين، وعلى رأسه المحامي خليل معتوق الذي لم يمنعه المرض من المتابعة اليومية مع زملائه، واستمر الأمر على هذه الحال من النشاط والمثابرة، حتى لحظة اعتقاله مع صديقه محمد ظاظا، بتاريخ 2/10/2012 بعد خروجه من منزله في صحنايا متجهًا إلى مكتبه الكائن بدمشق؛ ليتحول من مدافع عن معتقلي الرأي والضمير إلى معتقل يحتاج إلى من يدافع عنه.

خليل معتوق، بإيمانه المطلق بقيمة الإنسان وحريته، وبجهوده الكبيرة التي بذلها في سبيل إعلاء راية حقوق الإنسان في سورية حتى لحظة اعتقاله، إنما يمثل ضمير كل سوري وسوريّة، وكل من يتطلع نحو الكرامة والحرية، هذا الإنسان الرائع الذي أمضى أكثر من عشرين عامًا من عمره، وهو يدافع عن المضطهدين، بصرف النظر عن آرائهم وانتماءاتهم وألوانهم وأجناسهم، هو الآن وعشرات الآلاف من المعتقلين يحتاجون إلى دعمنا جميعًا، وهم الذين يدفعون اليوم، في كل لحظة، من حريتهم وحياتهم ثمنًا باهظًا، لكي نحيا نحن.. أفلا يستحقون أن نهتم بقضيتهم، ونملأ الدنيا صراخًا، ما دام هناك معتقل واحد يئن ويصرخ في جحيم الزنازين والمعتقلات؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق