سورية الآن

اليوم التالي بعد الاستفتاء

بعد مسار متوتر ومشحون بتهديدات وتحذيرات من دول الجوار، ومن المجتمع الدولي أيضاً، تم الاستفتاء بسلام وفي موعده المحدد. ولم تكن نتائجه خارج التوقعات: بلغت نسبة المشاركة، حسب التقديرات الأولية، 72٪ ممن يحق لهم الإدلاء بأصواتهم، ونسبة الذين صوتوا بنعم لاستقلال إقليم كردستان 93٪. الآن يبدأ مسار جديد، يتضح من نتائج الاستفتاء أن غالبية ساحقة من سكان الإقليم يريدون له أن ينتهي بقيام دولة كردستان المستقلة، بصرف النظر عن المسافة الزمنية التي تفصلهم عن ذلك.
كانت هناك مخاوف عدة من عدم انقضاء يوم الخامس والعشرين من أيلول على خير، منها تفجير الساحة بعمليات إرهابية، لم يكن مستبعداً أن تلجأ إليها جهات تعتبر نفسها متضررة؛ ومنها احتمال استمرار الشقاق الكردي الداخلي بين المتمسكين بالاستفتاء في موعده وأولئك المعترضين على التوقيت؛ ومنها أخيراً أن ترضخ قيادة الإقليم أمام التهديدات والتحذيرات والمعارضة الداخلية، فتؤجل موعد الاستفتاء.
كل ذلك أصبح الآن وراءنا، وحقق الاستفتاء، بمجرد إجرائه، كثيراً من أهدافه. فقد طرح حق تقرير المصير لكرد العراق للنقاش العام، لأول المرة بهذه المشاركة الواسعة من الرأي العام، سواء في العراق والدول المجاورة التي تعتبر نفسها معنية، أو في المجتمع الدولي. وإذا كان خصوم حق تقرير المصير، أو المعترضين على بعض جوانبه كالتوقيت وترسيم الحدود والنموذج السياسي الذي يمكن لكردستان مستقلة أن تقدمه وغيرها من الاعتبارات، ما زالوا يشكلون نسبة كبيرة من الرأي العام، فلا يفوت المراقب، بالمقابل، اتساع رقعة المرحبين بامتلاك الكرد لمصيرهم بعد قرن من النكران والآلام، بنسبة فاقت التوقعات.
أما في الرأي العام العراقي نفسه، في قسمه العربي، فقد لعب التوتر السني ـ الشيعي دوره في مواقف العراقيين من الاستفتاء ومن حق تقرير المصير للكرد. ففي المناطق المتنازع عليها صوت كثير من العرب (السنة) بنعم للاستفتاء، من منطلق خصومتهم مع الحكومة المركزية التابعة لإيران. فحتى من كان منهم يحمل أفكار القومية العربية، وجد نفسه أمام خيارين غير عروبيين، بين بغداد إيرانية الهوى وأربيل الصريحة في كرديتها. مع تفضيل للثانية عند المقارنة بين الأوضاع هنا وهناك.
في حين كان هاجس الكيان الفيدرالي الذي فرضه حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا كأمر واقع، حاضراً في مواقف السوريين العرب من استفتاء إقليم كردستان، وبخاصة أن «الإدارة الذاتية» القائمة في تلك المناطق المحاذية للحدود التركية، قد بدأت انتخاباتها المحلية في توقيت متقارب مع استفتاء إقليم كردستان، وما تشكله ممارسات الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في مناطق سيطرته، وفي حربه على داعش تحت مظلة التحالف الدولي، من عامل سلبي في الوعي العام. ومع ذلك لوحظ، في الرأي العام العربي في سوريا، ترحيب فاق بحجمه التوقعات، باستفتاء كردستان وبقيام دولة كردية مستقلة هناك. ومن المحتمل أن الخطاب العقلاني الهادئ لقيادة الإقليم، وعدم انجراره وراء الاستفزازات، قد لعب دوراً إيجابياً في الاتساع النسبي للتعاطف مع مشروع الإقليم الاستقلالي. نقطتان شديدتا الأهمية ركز عليهما هذا الخطاب: أن موضوع استقلال الإقليم هو موضوع لا يتجاوز بطموحه حدود الإقليم إلى المناطق الكردية في الدول المجاورة، وتأكيده على احترام التنوع القومي والثقافي داخل حدود الإقليم. وقد أصدرت اللجنة العليا للاستفتاء وثيقة تتعلق بحقوق المكونات غير الكردية داخل الإقليم، تصل حد الكيانية الفيدرالية، بمن في ذلك يزيديو شنغال الذين يعتبرون أنفسهم هوية فرعية مستقلة عن باقي الكرد، قائمة على أساس الاختلاف الديني. من نافل القول طبعاً أن هذه الوثيقة تبقى مجرد وثيقة ما لم تتم ترجمتها إلى التزامات واضحة بشأن تضمين الحقوق المذكورة في دستور الدولة القادمة. وهذا ما يمكن أن تقدمه قيادة الإقليم للأطراف التي ستدخل معها مفاوضات قد تكون طويلة وشاقة قبل الوصول إلى الاستقلال المأمول، سواء الحكومة العراقية المركزية أو دول الجوار، أو المجتمع الدولي عموماً الذي لا يمكن للكيان المفترض قيامه أن يستغني عن مباركته والاعتراف به. الواقع أن الاستفتاء، بنتائجه التي لم تخيب التوقعات، سيضع جميع الأطراف المعترضة، بدرجات متفاوتة، على استقلال الإقليم، في موقف حرج فحواه معارضة إرادة شعب الإقليم التي تم التعبير عنها بالوسائل السلمية الديمقراطية. وهذا مما تحقق من أهداف الاستفتاء.
مع ذلك أمام الإقليم وقيادته السياسية تحديات كبيرة في المرحلة القادمة. لندع جانباً تهديدات دول الجوار، العراق وإيران وتركيا، فهي في تقديري لن تتجاوز مستوى الخطاب إلى إجراءات ملموسة تم التهديد بها، من المفترض أن تخنق الإقليم المحروم من إطلالة بحرية تفتحه على العالم. فتلك الدول لا يمكنها أن تشكل تحالفاً متماسكاً ضد الإقليم، فضلاً عن مصالح اقتصادية وسياسية تربطها بالاقليم لا يمكنها أن تشطب عليها بسهولة.
فالتحدي الحقيقي أمام الإقليم هو القدرة على بناء مؤسسات دولة قابلة للحياة، وتكون نموذجاً جذاباً يبرر استقلالها عن العراق، وتقنع المجتمع الدولي بالاعتراف بها. كذلك فإن الاعتماد الحصري على دعم وحماية الولايات المتحدة الذي لم ينقطع منذ 1991، سيؤدي إلى تبعية تفقد الاستقلال إيجابياته، فضلاً عن تشكيله عبئاً سياسياً واقتصادياً على الحليف الأمريكي نفسه. وربما هذا هو سبب الموقف المتحفظ للإدارة الأمريكية من الاستفتاء.
ولعل من أهم التحديات والمخاطر على التجربة الوليدة هو اليد الإسرائيلية الممدودة بسخاء غير نظيف. فالعلاقة مع دولة قائمة على الاحتلال والعنصرية لا تشرف قضية تحررية مشروعة كقضية حرية الشعب الكردي واستقلاله التي دفع في سبيلها، طوال قرن، الكثير من الدم. وليس من مصلحة الدول العربية المعنية إطباق الخناق على كردستان بما قد يجبرها على التقارب مع المحتل الإسرائيلي. ولهذا الإجبار باب لا يخفى على أحد: إذا رفضت دول الجوار التفاوض على استقلال الإقليم، وتلا ذلك إعلان هذا الاستقلال من طرف واحد، فردت هذه الدول بالحرب، فلا يستبعد أن تعرض إسرائيل على الإقليم المساعدة العسكرية. هذه سيناريوهات مستبعدة جداً في ظل الظروف القائمة. فلا العراق ولا إيران ولا تركيا في وضع مرتاح يسمح لها بالقيام بمغامرات عسكرية خارج حدودها. وليس أمام الإقليم إلا استخدام كل إمكاناته الدبلوماسية الناعمة، وبنفس طويل، والابتعاد عن أي استفزاز، وتقديم حوافز اقتصادية، في الطريق الوعر الطويل باتجاه الاستقلال.

(*) كاتب سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق