هموم ثقافية

عن الجنون والسوريين الذين لا يُجَنُّون

بحسب إحدى شخصيات شكسبير، محاولةُ تعريفِ الجنون هي الجنون بعينه. فما بالك بمحاولة توصيف حالة السوريين، ومدى مقاربتها أيًّا من درجات الجنون، أو نفي هذه المقاربة، على الرغم من الظروف التي تدفعهم إلى حوافّ، ليس الجنون سوى أهونها. وإن كان أحدهم قد استغرب، أواخر سنة 2011، كيف أن السوريين لا يُجَنُّون؛ فلا ندري ماذا يمكن أن يكون موقفه، وقد حصل لهم، ما لم يكن له أن يخطر في بال أشد المتشائمين سوداوية. ولكن، ربما هنالك تعريفات أخرى للجنون، لم يَخُض أحدٌ فيها بعد، أو ربما إن السوريين، وبكل بساطة، لا يُجَنُّون، مع العلم أنه يحق لهم ذلك.

كان ذلك حين لم تكن النار قد خيَّمت بعد سوى فوق أهالي مدينة حمص، محرقةً منازلهم وأجساد أطفالهم، ولم تكن قد انتقلت إلى كل التراب السوري، كما الآن. يومها وصف رجل دين مسيحي أوروبي، كان يقيم في حمص، وصف ما يحدث بأنه يفوق التَّصوّر، وبعد أن أفاض في سرده، ختم كلامه بجملة كلها استغراب هي أنه “ومع ذلك، فإن السوريين لا يُجَنُّون”. من المؤكد أنه لم يكن يعرف أن السوريين تحصَّنوا، على مدى عقودٍ من الزمن، في وجه المآسي التي تعوَّدوا أن تصيبهم والتي لم يكن أقلها، قبل الحرب، إفقارهم ومصادرة آرائهم والتربُّص بمن يجرؤ منهم على الكلام أو الانتقاد. لقد تعودوا أن يحافظوا على مداركهم العقلية، من أجل التعامل مع المصائب التي لا يلبثون أن يألفوا إحداها حتى تأتيهم الأخرى.

أما هذه الأيام فلم يحصل بعد، أن تجوَّل مراقبٌ محايدٌ في شوارع البلاد، أو الشوارع الصالحة للتجول، كشوارع المناطق الآمنة، على سبيل المثال، ليلاحظ الحال التي أصبح عليها السوريون. وإن فعل أحدٌ، فيا ترى ماذا سيجد فينا؟ وهل سيخترع توصيفًا جديدًا لحالنا؟ من دون شك، إنه سيفعل ذلك، حيث قد تكون الدمامل التي تركَتْها شظايا الحرب هي أهون ما أصابهم. وحيث إن محاولات التأقلم مع الصعوبات والأزمات المزمنة أو المتواترة ومعجزات تحقيق ذلك، ومع التغيرات والتبدلات التي طرأت على شخصيات المجتمع المحيط، وحالات الذهول والتشظي النفسي التي ألمَّت بالسوريين، تجعل اللوذ بالجنون هو الدواء الذي يتمنَّى الجميع تجرّعه.

غير أن الجنون الأكثر وضوحًا، هو محاولات الجميع دفع تهمة الجنون عنهم، وهم العارفون أنهم فيه غارقون، وهم الضعفاء، يفتقدون جرأة الاعتراف بمصابهم المزمن هذا، أو إن المشاعر لديهم تبلَّدت حقًا، فلم يعد أحد يقوى على التسليم لنعمة الجنون. هذا الدفع الذي مردّه، في أغلب الأحيان، نزعة تمييز الذات من الآخر، في بحر التعارضات الثنائية الذي نعيش فيه، وفرحِ الشعور بالهويات الزائفة، حين يصبح خطاب “نحن وهم”، سلاحنا الذي به نركن إلى وهمنا. وهذا الركون الذي لسنا حتى على يقين بسلامته؛ إذ إننا نجهل إن كانت هذه المزدوجة، “نحن وهم”، موجودة ويستخدمها، أو يركن إليها، من ننتعهم بالـ “هم”.

وعليه؛ لا نتكلم هنا عن الجنون، بوصفه مرضًا عقليًا وجبَ الحجْرُ على المصابين به وتطبيبهم، بل ربما هو حقٌّ علينا التسليم بإرادة اللجوء إليه. والمرض العقلي، كما قال عنه روي بورتر في كتابه “موجز تاريخ الجنون” (مشروع كلمة، 2012): “وما الجنون إلا تفكير مغلوط صادرٌ عن علةٍ ما في ماكينة الجسد”، أو بحسب الباحثَيْن مارتن روشا وجيرم كرول، في كتابيهما “حقيقة المرض العقلي“، هو هوية سيكولوجية ذات أساس عضوي، بينما نتحدث عن هويةٍ سيكولوجية ذات منشأ مجتمعي، إن صح التعبير، وتشمل الجميع، ويرغب فيها الجميع من دون الجرأة على الإفصاحٍ عن هذه الرغبة، للوصول إلى فرح العقل المنفلت من مكبِّلاته، ومحاولات قولبته في هموم البقاء في صف العقلاء، ويا لها من قوالب وصفوف مخيفة! حقُّ أن ينظر أحدنا إلى الجموع، ويتفطَّر قلبه حزنًا وهو يشير إلى من حوله، ويقول: انظروا إلى هؤلاء العقلاء! كم هم مساكين ويثيرون الشفقة! إنهم الغاوون، الراضون بكل ما نزل بهم، لماذا لا يُجَنُّون احتجاجًا؟

وبين كونه حقًّا وكونه حقيقةً، ثمة حدٌّ فاصل، يكبرُ تارةً ليصبح بحجم جبلٍ، ويستدقُّ تارةً أخرى ليصبح بحجم شعرةٍ. تلك ميديا، ابنة الأساطير الإغريقية القديمة التي قتلت أولادها من جيسون، زوجها الأول، وقد تَبَدَّت في امرأةٍ سوريةٍ دفعت بكل أولادها إلى الحرب التي ربما التهمتهم. وذلك الوالد الذي قرَّر الانضمام إلى الجيش، بعدما ساقوا جميع أبنائه للخدمة الإلزامية، والاحتياطية، فحزم أمتعته ولحقَ بهم. هل مرضت ميديا وتلك السيدة السورية لتفعلا ما فعلتا؟ أليس من حقّ هذا الرجل أن يلوذَ بالجنون ويهيم خلف أولاده، بعدما انتزعوهم من بين يديه؟

ومن هنا، ربما، ومما يشبه هذه الحالات؛ جاء دفاع الكاتب والشاعر السوري، ممدوح عدوان، عن حق الناس بالجنون، وعن الحاجة إليه: “نحن في حاجة إلى الجنون لكشف زيف التعقل والجبن واللامبالاة، فالجميع راضخون”. وهو لا يرى في العقل السَّوي الذي يضطرب علّةً، بل قد يكون ضربًا من الحرية، لم يُقَيَّض لنا أن ننال الفوز بالوصول إليها. وقال في كتابه المعنون: “دفاعًا عن الجنون – مقدمات” (دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، 2012): “بغتةً يُجنّ شخصٌ، يخرج عن هذا المألوف الخانق، فيفضح حجم إذعاننا وقبولنا وتثلُّم أحاسيسنا”، وكان يتكلم، ويدافع عما قيل، جنون الفنان السوري، لؤي كيالي الذي فقد القدرة على “التواؤم مع عالمنا اللامعقول فجُنَّ، وأربكنا”.

ربما كان لؤي كيالي هو الأكثر حرية من بين من رأوا لامعقولية الواقع الذي كانوا يعيشونه، والذي لم يتحمل العجز أمامه، فاحتج بإعلان جنونه؛ إلا أن فعله ذلك يُعد أحد أشكال مقاومة ذلك الواقع. لكن التعقل، هذه الأيام -ليس إزاء لا معقولية هذا الواقع فحسب، بل إزاء خروجه عن أكثر مقاييس الغرابة في السلوك الإنساني حتى الآن- هو بحد ذاته مرضٌ. علاوة على أن العجز عن إعلان الجنون، هو كبتٌ لمرضٍ، ربما يكون الجنون أهون ما يصيب الإنسان، إن قُورن به.

مقالات ذات صلة

إغلاق