كلمة جيرون

“المتعوس” على “خائب الرجاء”

إذًا، قرّر أكراد “شمال العراق”، أو ما يُطلق عليه تسمية “كردستان العراق”، أو ما يُطلق عليه تسمية “كردستان الشرقية”، أو أي تسمية تُشبع أحلام هذا الطرف أو ذاك، قرروا أن ينفصلوا، نزولًا عند رغبة زعيمهم الأزلي ابن زعيمهم الأزلي؛ وتأثر أكراد سورية حتى الثمالة بهذه الخطوة، واضعين نصب أعينهم ذلك اليوم الذي يفعلون فيه في سورية ما فعله إخوتهم في العراق.

ثارت حفيظة عرب المنطقة، عراقيين وسوريين، وحمي حماهم، يريدون أن يبقى هؤلاء في دولة واحدة، في أرض واحدة، تحت حكم طاغية واحد، لا حكم طاغيتين، وأن يواجهوا مصيرًا واحدًا، أو بالأدق، شقاءً واحدًا، وأرادوا أن يبقى الكردي أسيرَ ظلمه، وتوعّد بعضهم الأكرادَ بدرس لن ينسوه، يوم تزول الغمامة وينجلي الغبار، وسيذوقون على أيديهم ظلمًا أتعس من ظلم الديكتاتوريات التي عاشوا أنصاف مواطنين، تحت رايتها عقودًا وعقود.

ثارت حفيظة الأكراد على ثورة حفيظة العرب، ولم تبقَ عصبية أو “شوفينية” مقابلة إلا وقيلت، وللأسف، حتى من نُخب النُخب، سياسيين ومثقفين وكتّاب وإعلاميين وأساتذة جامعيين، وصار بعضهم يهتف لـ (إسرائيل)، ويتوعد العربَ بيوم الحساب، يوم تقوى دعائم “كردستانهم”، وتمنى بعضهم لو أنّ لديه قنبلة نووية؛ ليقصف بها العرب، كل العرب، لأنهم -برأيه- سببُ بلواهم وفقرهم وشقائهم وتشتتهم وقلة المياه في بيوتهم، وتلوث هواء منطقتهم، من يوم الخلق إلى يوم الدين.

كلٌ يُغني على ليلاه، ويريد أن يُنفّذ أجندة قومه، قوميته، قناعاته السطحية، ويعتقد أنه، بصراخه وشعبويته ووعيده و”مرجلته” و”شوفينيته”، سينتصر على الطرف الآخر، وسيسحقه، هو وكل من يمتّ له بصلة، حتى الجد السابع عشر، وسيمحو تاريخه وجذوره وقصصه، ويطمس وجوده، ويدمّر أرضه أكثر مما هي مُدمّرة.

يعتقد الجميع أن دولتهم الحلم قادمة، قاب قوسين أو أدنى، وأن ما لديهم الآن هو نواة دولة سينعمون فيها بحريتهم وإنسانيتهم وكرامة عيشهم، ويتناسون أنها كلها أشباه دول، لا تمتلك، ولن تمتلك مقومات الدولة، طالما أن هناك طغاةً، وحُكمًا شموليًا وأمنيًا، وحروبًا، وعداء مع الجوار، وفسادًا لا متناه، وسيّدًا يملك مصاير البشر، ومصالح دولية وأطماعًا تقتل كل حلم.

التمّ “المتعوس” على “خائب الرجاء”، ونسي جميعهم أنهم لا يملكون شيئًا ذا قيمة، فالدول تعتمد على ما يحتاج إليه الإنسان ويريده، لا على ما تريده غرائزه، ويبدأ بناء الدول بضمان الحرية والكرامة والإنسانية للجميع، بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، بتطبيق القوانين وضمان الشفافية والمساءلة، وبقوة اقتصادية قادرة، وعلاقاتِ جوار مستقرة، وبرلماناتٍ لا تُعطَّل بجرّة قلم، وأجهزةٍ أمنية تهتم بحماية المواطن لا بقمعه وسحله وسجنه، وتيارات سياسية تمتلك فرصًا متساوية، وانفتاح على الآخر، ودستور لا قومي ولا طائفي، لا وراثي ولا قداسي، وحكم رشيد لا يعتمد على القائد الواحد، والأسرة الواحدة، والقبيلة الواحدة، وقضاء يُحاسب الزعيم وابن الزعيم.

ومع هذا، كلٌ سيبقى يُغني على ليلاه، وكلٌّ سيسعى لتنفيذ أجندة قومه، قوميته، طائفته وعشيرته؛ وسيزيد الشرخ، وتزيد الأحقاد، ويزيد الانحدار إلى أسفل السافلين، وتنفتح الاحتمالات على مصاريعها، ووحدهم العقلاء قادرون على لجم اندفاعة الثور، وعليهم وحدهم يُعلّق الأمل بإعادة العقل والروح إلى النفوس المريضة.

مقالات ذات صلة

إغلاق