قضايا المجتمع

حرب الأسد تدفع السوريين إلى حوافّ العوز

مع استمرار الحرب التي يشنها الأسد، وتفاقم الأزمة الإنسانية؛ يواجه برنامج الأغذية العالمي، هذا العام، عجزًا على مستوى عملياته، في الأردن ومصر ولبنان والعراق وتركيا، يُقدر بنحو 1.1 مليار دولار أميركي، فيما يقدر على مستوى الداخل السوري، بنحو 870 مليون دولار.

منذ أسابع قليلة، هربت (فاطمة) مع والديها وجدّتها من الرقة، إحدى أكثر المدن السورية تأثرًا بالحرب. في طريقهم للهروب، اختبأت فاطمة وعائلتها داخل شاحنة نقل صغيرة متجهة نحو حدود المدينة. قالت فاطمة لـ (جيرون): “في كل مرة، نصل إلى نقطة تفتيش؛ يخفق قلبي بشدة من الخوف”. في هذه اللحظة، بدأت فاطمة بالبكاء بعد أن تذكرت والدها، وقالت: “اعتقدت أننا سنُعتقل”. غادروا مدينة الرقة بأعجوبة وأكملوا نحو الشرق مشيًا على الأقدام، استغرقت الرحلة ساعات قبل أن يصلوا أخيرًا إلى مخيم مبروكة، حيث تقيم فاطمة وعائلتها والعديد مثلها هناك.

فاطمة التي اكتشفت ضعفها، وضعف عائلتها، في مواجهة هذا التحدي الجديد، هي واحدة من خمسة ملايين سوري، ينتشرون في 14 محافظة سورية، هم اليوم بحاجة ماسة إلى دعم العالم، من خلال المساعدات الإنسانية التي تقدم على شكل حصص غذائية شهرية، تتألف عادة من الأرز والبرغل والمعكرونة والبقوليات ومواد أخرى، حيث توفر ما يفترض أنه نحو 1.700 سعرة حرارية يوميًا.

في تموز/ يوليو الماضي، قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات إلى 4.2 مليون سوري، داخل البلاد، وتم إيصال 22 بالمئة منها، من خلال عمليات عابرة للحدود، عن طريق الأردن وتركيا، وعبر قوافل المساعدات المشتركة العابرة لخطوط التماس، وبعضها تم إيصاله جوًا إلى دير الزور. وإلى جانب هؤلاء، يتلقى نحو 1.8 مليون سوري في دول الجوار (الأردن، لبنان، العراق، تركيا) مساعدات غذائية منتظمة، لكنها -مقارنة بمعايير الحياة السائدة- أقل بكثير مما يحتاجون إليه شهريًا.

لا يُخفي عبدالرحمن، م -وهو لاجئ سوري يتلقى مساعدات منذ ثلاث سنوات في الأردن- قلقه من الحاجة في ظرف متأزم كهذا، يقول: التفاوت في قيم المساعدات الغذائية بين دولة وأخرى، يظهر بشكل واضح، فهنا (في الأردن) تراوح قيمة المساعدة بين 15 و 20 دولارًا للشخص الواحد شهريًا، وفي تركيا، تراوح قيمة المساعدة التي يتلقاها كل فرد من أقربائي، بين 30 و 40 دولارًا في الشهر. في الحالتين، هذه المبالغ لا تكفي. يضيف لـ (جيرون): أحيانًا لا نستطيع في الأردن شراء أكثر من واحد كيلو غرام لكل نوع من الفواكه طوال الشهر، لارتفاع أسعارها. ويمر شهر أو أكثر ولا تدخل بيوتنا مادة اللحمة البلدية، لأن ثمن الكيلو غرام مرتفع جدًا. بينما يختلف الأمر في تركيا، كما ينقل لي أقاربي، فأسعار المواد الغذائية فيها أقل، والحياة فيها أرحم.

يُعدّ الأردن الذي يستضيف نحو 1.6 مليون سوري بحسب إحصاءات حكومية، من الدول الأكثر غلاء بالنسبة إلى المعيشة على المستوى العالمي. وتصدرت العاصمة عمان، في السنوات الأخيرة، قائمة أغلى مدن منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وفق تقارير وحدة الاستخبارات الاقتصادية EIU التابعة لمجلة (إيكونومست) البريطانية، حول تكاليف المعيشة في المدن. كما جاء ترتيبها ضمن لائحة المدن الـ 50 الأكثر غلاء على المستوى العالمي.

يعيش في العاصمة عمان نحو 435 ألف لاجئ سوري، لا تتوفر معلومات دقيقة عن أوضاعهم المعيشية وأماكن إقامتهم، بحسب نتائج ورشة “تقييم وضع اللاجئين” التي انعقدت في آذار/ مارس الماضي. يشكلون أكثر من أربعة أخماس عدد اللاجئين خارج المخيمات، البالغ عددهم، وفق المتحدث الرسمي باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن، 514 ألف لاجئ. بينما يتوزع الباقون على مدن المفرق وإربد والرمثا والزرقاء.

تؤكد بيانات برنامج الغذاء العالمي، الذي يعمل بالتعاون مع 47 شريكًا مُنَفذًا، أن عدد السوريين الذين هم بحاجة إلى مساعدة إنسانية، في الداخل، يبلغ نحو 13.5 مليون شخص، من بينهم 5.8 مليون طفل.

فيما يحتاج نحو 4.6 مليون سوري آخرين في دول الجوار إلى الدعم والمساعدة أيضًا. وهناك 4 ملايين شخص، يتلقون حصصًا غذائية من البرنامج شهريًا، بوساطة 1850 مركز توزيع في مختلف أنحاء سورية. كما حصل وفق المصدر ذاته نحو 350 ألف امرأة وطفل، على مساعدات خاصة بالعلاج والوقاية من سوء التغذية.

يُمثل  وضع “فاطمة” -كنموذج يمكن تعميمه على نطاق واسع- مأساة أناس عاشوا مرارة العيش تحت مظلة خطرين: الأول الحرب التي يشنها الأسد على شعبه، والثاني خطر تنظيم (داعش) الإرهابي الذي وجد في الحرب منفذًا، كي يبسط عناصره نفوذهم على أهم موارد الاقتصاد السوري، في مناطق واسعة شمال شرق البلاد.

في ظل الفوضى السائدة في عموم البلاد، حتى في المدن التي يحكم النظام قبضته عليها؛ لا تجد حكومة الأسد ما تهتم به، غير دعم ومساندة قواتها في ساحات القتال. حيث توظف ما تبقى من قدرات البلاد الاقتصادية، في إبقاء فتيل الحرب مشتعلًا، على الرغم من ارتفاع فاتورة الخسائر. بينما يعيش شعبها من جراء ذلك أبشع كارثة إنسانية في التاريخ الحديث.

من الصعب، في ظل تواصل الهجمات الحكومية، واستمرار موجات اللجوء التي تتدفق هربًا من القصف العشوائي لآلة الموت التي يحركها الأسد، ترجمةُ المأساة إلى أرقام، كما قال الخبير الاقتصادي مصطفى ياغي في تصريح لـ (جيرون)، فالأوضاع جد مروعة، وأبسطها فقدان سبل العيش؛ ما جعل “نحو 7 ملايين سوري –وفق إحصاءات أممية- غير قادرين على تأمين الطعام، و 2 مليون آخرين عرضة لانعدام الأمن الغذائي، يحصلون على الغذاء من خلال فرص غير ثابتة”. يضيف: أدى تدهور الإنتاج وضعف قدرات النظام المالية إلى سداد قيمة واردات الغذاء؛ بسبب اتساع رقعة المعارك، وعدم توفر شبكات أمان لضمان حماية من أفقرَتهم أو تضرروا منها، إلى مصاعب حياتية تتأزم باضطراد. ففي غياب شبه كلي لحكومة الأسد عن الحياة العامة، يعتمد معظم السوريين، في سعيهم لتأمين طعامهم، أو تحسين نوعية حياتهم، على المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية. فالأسد لم يعد يهمه تدهور المستوى المعيشي، بقدر ما ينصب اهتمامه على الإمساك بالسلطة، بصرف النظر عن التكلفة.

تراجعت سورية في سنوات الحرب على مؤشر التنمية، واحتلت المرتبة 149 من أصل 188 بلدًا، وهي مرتبة تتقدم بشكل سلبي كل عام، لكن إذا ما أضيف هذا المستوى المتدني إلى تدهور مستويات القطاع الخدمي، وصعوبة وصول الناس إلى الخدمات الأساسية، كالرعاية الصحية والمياه الآمنة والتعليم؛ فسنكتشف صورة الأوضاع على حقيقتها، وطبيعة الحياة السائدة على الصُعد كافة، ومدى حاجة السوريين إلى مساندة المجتمع الدولي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق