تحقيقات وتقارير سياسية

عامان من الاحتلال الروسي.. أي نتائج على الأرض

عامان من العدوان الروسي على الشعب السوري، وكانت الحصيلة 92 ألف غارة، منذ الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2015، إضافة إلى 30 ألف طلعة جوية نفذتها المقاتلات الروسية، على امتداد رقعة انتشارها، أرقام كانت -حسب وزارة الدفاع الروسية، وحسب منظمات المجتمع المدني- السببَ في مقتل عشرات آلاف المدنيين، وتدمير آلاف المنشآت والحواضر والبنى التحتية، في القرى والمدن التي دكّتها قذائف موسكو.

لا يختلف اثنان على أن العدوان الروسي ترك بصمته الواضحة على الأرض، وما زالت معطياته ونتائجه قيد التفاعل سياسيًا وعسكريًا، بما يُثبّت الحقائق الكبرى التي عايشناها والشعب السوري في عامي العدوان. عندما نتوقف أمام حدث بضخامة الغارات والقنابل الثقيلة التي رمتها موسكو على بنيان الشعب السوري؛ فلا بد لنا من التأكيد على تلك الحقائق وما أحدثته من تغيير عميق في المنطقة.

شكّل العدوان الروسي، بمؤازرة نظام الأسد، نقطةَ تحوّل كبير لموسكو في المنطقة والعالم، ومن ثم للنظام، عبر إحداث اختلال كبير في ميزان القوة والسيطرة، بعد أن كانت الكفة تميل إلى المعارضة السورية والشعب السوري، حيث فقد النظام في ذلك الحين السيطرةَ على معظم الجغرافيا السورية، وكانت دمشق هي الوحيدة من بين المدن التي يُحاصر النظام فيها نفسه، لصعوبة الوصول إلى المحافظات الساحلية.

“نجدة” موسكو للأسد وإنقاذه من هزيمة محققة، حسب كل الوقائع، بما فيها اعتراف وزير خارجيتها سيرغي لافروف بفضل بلاده الأول في إنقاذ الأسد من السقوط، سمحت لها بالاستفراد بالقوة والسيطرة، وإخضاع كل عملية التفاوض وسقوط الأسد لمنطق فرض الابتزاز وفرض المواقف الدولية واستخدام الفيتو على تعقيد الوضع السوري برمته، حيث أدّت وقفة موسكو بجانب الأسد إلى محاصرة الوضع السياسي، بما يتناسب وسيطرتها على القرار العسكري والسياسي في دمشق، وبات لخطاب موسكو منطق “المحتل المنتصر” في ساحة المعركة، لفرض الشروط وممارسة الضغوط، ونتيجة ذلك؛ انحرف مسار جنيف وأستانا عن هدفه الحقيقي.

هدف موسكو المعلن “محاربة داعش”، مثل هدف كل التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، إذ أفصحت موسكو، منذ الضربة الأولى على مواقع المعارضة السورية، بأن الهدف الحقيقي لكل المتدخلين هو الاعتداء على الشعب السوري لا إنقاذه، وأن آخر همهم محاربة الإرهاب ومنع الأسد من السقوط، ومنع النظام القائم في وظائفه المتشعبة من الانهيار؛ ولهذا تغاضى المجتمع الدولي عن عدوان موسكو وسعيها لتكريس الأمر الواقع بالاحتلال المباشر، وإبرام اتفاقات إذعان مع نظام متهالك، على أمل استعادة الثقة به مجددًا، عبر البحث في كيفية استثمار هذا العدوان.

على العموم، شكّل التدخل الروسي ما يمكن تسميته “إنقاذًا” للمواقف الدولية تجاه الشعب السوري، من حيث اتخاذ الستار الواقي لشعار محاربة الإرهاب، والإسهام في تشكيل التحالف الدولي، وشكّل أيضًا ضربة موجعة للثورة السورية، عملت موسكو بموازاة الغزو على احتواء الانتقادات الموجهة لها ظاهريًا، في حين تجري عمليات التنسيق مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة باقتسام مناطق السيطرة والنفوذ.

بعد عامين من تجربة الغزو الروسي لسورية، واستخدام قوة نارية هائلة، تبقى النتائج “المأمولة” لصالح إحياء دور الأسد، كي يكون عنصرًا مهمًا في ترتيبات ما بعد السيطرة، تبقى أوهامًا وحسابات لا تتطابق مع المنطق ولا التاريخ والمستقبل، فإذا كانت إمبراطورية موسكو السوفيتية، وتجربة السيطرة والاحتلال لمعظم الدول المنضوية تحت أيديولوجيتها، انهارت بعد سبعة عقود؛ فإن الحال لن يكون أفضل في تجربة تثبيت سفاح دمشق، وتجربة التعلق بحبال الهواء التي تختبرها موسكو مع الأسد الذي كان أبوه يسيطر على كل سورية، وأكمل الابن المهمة حتى آذار/ مارس 2011، ولن تفلح مسميات الحسم والتفاوض والانتصار في أن تنزع الصورة الأبدية من صدور ملايين السوريين لفاشي بلادهم، حتى لو أجمع العالم كله على خذلانهم، فهي النتيجة الباقية من البداية، والخلاصة لكل ما جرى ويجري.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق