أدب وفنون

قضية دويري بين ذاكرة الحرب الأهلية وحدود التطبيع الثقافي

2012، أرسل المخرج اللبناني زياد دويري رسالةً إلى السلطات اللبنانية، يعلمهم فيها بنيّته الدخول إلى “إسرائيل”، لتصوير فيلم سينمائي يحمل اسم (الصدمة)، دفاعًا عن القضية الفلسطينية، وفقًا لتوصيفه. بدورها السلطات اللبنانية لا ترد على رسالة دويري، وهي بذلك -كما اعتادت في الكثير من المواقف المشابهة- تمنع بألا تسمح.

عند صدور الفيلم الذي يُفترض أن يُعرض في لبنان ودول عربية أخرى؛ امتنع لبنان عن ترشيحه لجوائز الأوسكار، وسُحبت رخصة العرض منه في لبنان والعالم العربي، وحذفه المهرجان القطري للأفلام من جدوله، علمًا أن مؤسسة الدوحة للأفلام شاركت في تمويله، وقررت لجنة المقاطعة في الجامعة العربية منعَ الفيلم.

ينتظر دويري 5 سنوات، قبل أن يتم إيقافه في مطار رفيق الحريري، في أيلول/ سبتمبر 2017، عائدًا من مهرجان (فينيسيا) للأفلام، وحاصدًا جائزة أفضل ممثل عن فيلمه الجديد (القضية رقم 23). تهمة الإيقاف تعود إلى فيلم (الصدمة) وتصويره داخل أراض إسرائيلية، دون إذن رسمي من السلطات اللبنانية. بعد إيقاف وتحقيق قصيران، يسترجع دويري جوازات سفره المصادرة، ويخرج على الإعلام معبّرًا عن دهشته مما حصل؛ بينما تنقسم آراء النقّاد والجمهور بين من رأى في إيقاف دويري انتهاكًا لحرية التعبير، ومن أطلق دعوات المقاطعة وصولًا إلى حدّ التخوين. وفي موقفٍ، رآه البعض رسميًا، يغرّد وزير الثقافة اللبناني قائلًا: زياد دويري مخرج لبناني كبير ومكرم في العالم، احترامه وتكريمه واجب.

أما جريدة (الأخبار) اللبنانية، فقد شنّت هجومًا حادًا على دويري، متهمة إياه بارتكاب “جريمة أخلاقية وسياسية ووطنية، بلا حساب من قبل الدولة والقانون” وتعتبر الجريدة أن السماح لدويري بعرض فيلمه الجديد، من دون اعتذار أو محاسبة، هو “اعتراف لبناني رسمي بشرعية التعامل مع (إسرائيل)”. وبأنه “لا يمكن لنا أن نقبل بمحو آثار الجريمة، وتبييض سجل زياد دويري، كي يعود بطلًا إلى بلاده، كأن شيئا لم يكن!”.

ينص قانون العقوبات اللبناني، ضمن باب الصلات غير المشروعة بالعدو، وفي المادة رقم 285 على التالي: “يُعاقب بذات العقوبة كل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية، يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة، ودون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة، بلاد العدو، حتى وإن لم يكن المقصود من دخوله أحد الأعمال المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة”.

تم إخلاء سبيل دويري دون توجيه أي تهمة؛ وبذلك تُطوى القضية قضائيًا، ولكنها تتفاعل وتتطور سياسيًا وثقافيًا، حيث أعيد طرح سؤال التطبيع الثقافي وحدوده، فضلًا عن عودة الحديث عن نسبية تطبيق القانون وحساباته السياسية، وطريقة عمل الأجهزة الأمنية في لبنان، وصولًا إلى نقاش محتوى أفلام دويري نفسها؛ حيث رأى البعض فيها انتصارًا حقيقيًا للشعب الفلسطيني، بينما رأى البعض أنّ فيها أنسنة للإسرائيلي وتطبيعًا ناعمًا في (فيلم الصدمة). وربط آخرون بين محتوى الفيلم الجديد (القضية 23) وبين تحريك قضية فيلم (الصدمة)، في محاولة لفهم التوقيت.

وفقًا للصحفي شفيق طبّارة، في مادته المنشورة في جريدة (المدن)، بتاريخ 18 أيلول/ سبتمبر 2017، تدخل قضية الفيلم “إلى ذاكرة كل لبناني وفلسطيني، محاولة تحديد من المذنب ومن الضحية. ففي قاعة المحكمة، تُنبش الحكاية لتصل إلى أعماق المجتمع اللبناني، وتعيد إحياء ذاكرة الحرب الممنوع الاقتراب منها. يضعنا دويري أمام مجتمعنا الهش الذي ينتظر (انفجارًا) كبيرًا، بسبب مزراب للمياه”. ويضيف في موقع آخر: “معالجة فصول الحرب اللبنانية ليست جديدة على دويري؛ فقد تعرفنا إليه في فيلم (بيروت الغربية) الذي ركز على إظهار الحرب، وكأنها مغامرة شخصية، لتتحول إلى مأساة وطنية. لكن في (القضية 23) لم يرجعنا المخرج إلى أيام الحرب، بل بحث في أمور عديدة، تكشف غياب المصالحة مع الذات، لتؤكد أن لا شيء تغير وأنّ الأسباب ما زالت موجودة، وأن مجرد إشكال صغير أو حادث تافه باستطاعته أن يرجعنا سنوات إلى الوراء. فالمعاناة الشخصية والمآسي الجماعية ما زالت محفورة في الذاكرة، وتشكل مرحلة حساسة للطرفين”.

 

أما الصحفي هلال شومان فكتب مقالًا في موقع (مدى مصر) بتاريخ 14 أيلول/ سبتمبر 2017 يتناول فيه مسألة التطبيع ببعدها العربي العام، ويقول عن قضية دويري: “أما فيلم دويري الجديد، والذي زُجَّ به بعد أشهر من الأخبار عن صناعته في هذا الصراع المستعاد، فيبدو أنَّه جزء من صراع سياسي داخلي، سواء عبر موضوعه أو عبر تمويله المصرفي (القواتي). رغم كل ذلك، يبقى مكان الفيلم هو الصالات، ويبقى مكان النقد (لا الإخبارات الأمنية) هو الصحف. ويمكن بعد المشاهدة تحديد إن كان الفيلم الجديد هو خطوة ثانية في مسار “سياسي”، بدأه صاحب ويست بيروت مع فيلم (الصدمة) قبل سنوات، أم أنَّ ما شهدناه في الأيام الماضية كان محض “نكايات” على الطريقة اللبنانية المعتادة”.

يُذكر أن فيلم (القضية 23) يتم حاليًا عرضه -تجاريًا- في بيروت، بعد حصوله على موافقة هيئة المصنفات في الأمن العام اللبناني.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق