ترجمات

مركز كارنيغي/ موسكو: مقاربة حكيمة لاتخاذ موقفٍ صلب تجاه إيران

الصورة: فيتالي بيلو أوسوف/ وكالة ريا

كوننا ممثلي [الكاتبان] الولايات المتحدة الأميركية اللذين قامَا بإجراء مفاوضاتٍ سرية، في عام 2015، أفضت إلى التوصل إلى توقيع اتفاق سداسي، بشأن برنامج إيران النووي؛ فإننا نعرف أفضل من غيرنا أطراف هذا الاتفاق الأقوياء، ونحن مطلعون أكثر من الآخرين على النواقص التي تشوبه، والخطر الفعلي الذي تمثله إيران.

في عالم مثالي، كان بإمكاننا أن نجرّد إيران من كل المعارف المتعلقة بدورة الوقود النووي، وتدمير مخزونها الصاروخي، وحرمان عملائها من العمل في المنطقة؛ وبالتالي تحويلها إلى دولةٍ إقليمية أقل عدوانية.

غير أننا نعيش في عالمٍ واقعيٍ، تتطلب الدبلوماسية فيه أن نُقدِم على حلولٍ وسط غير مريحة. ويمثل الاتفاق النووي مع إيران أفضل الخيارات الممكنة؛ حيث إنه يحرم إيران من الوسائل التي تمكنها من صنع القنبلة، ويحجّم برنامجها النووي فترة طويلة، ويفرض رقابةً صارمةً غير مسبوقة من قبل المجتمع الدولي على نشاطها في هذا المجال. وقد سمحت الدبلوماسية بالحيلولة دون اندلاع حربٍ أخرى في الشرق الأوسط، تواجهنا الآن من جرّاء تصرفات كوريا الشمالية.

اليوم، بعد مرور عامين من التأكد من التزام إيران بشروط الاتفاق التي أعلنتها أجهزتنا الاستخباراتية ووكالة الطاقة النووية الدولية، تقف الولايات المتحدة الأميركية، أمام الخيار الأكثر عقلانية، وهو محاولة الحفاظ على وحدة الدول العالمية وإلقاء عبء إثبات الالتزام على إيران. يتطلب هذا الخيار عملًا دؤوبًا مع شركائنا، بهدف ضمان الالتزام بشروط الاتفاق النووي، وتشديد العقوبات ضد إيران، لتصرّفها غير القبول في مجالاتٍ أخرى، من ضمنها البرنامج الصاروخي ورعاية الإرهاب؛ التعاون مع الدول العربية بهدف منع تدخل إيران في شؤونها الداخلية؛ صياغة دقيقة لمخاوفنا بخصوص انتهاك حقوق الإنسان في إيران.

لتحقيق ذلك، يلزمنا استخدام تلك القناة الدبلوماسية التي فتحناها من جديد مع إيران، بعد 35 عامًا على الغياب التام لأي نوعٍ من التواصل، للحيلولة دون وقوع تصعيد غير محسوب. وعلينا أن نجعل من الواضح أيضًا، أنه بعد نفاد وقت عددٍ من القيود الواردة في الاتفاق؛ فإن الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول لن تسمح لإيران بتنفيذ برنامجها النووي؛ إذا بقيت تهدد أمن أحدٍ ما.

أعلن الرئيس ترامب عدم موافقته على هذا الاتفاق. في 20 أيلول/ سبتمبر، صرح ترامب أنه اتخذ قرارًا بشأن مستقبل هذا الاتفاق، ولكن من دون التطرق إلى تفاصيل. غير أنه، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 أيلول، وصف الاتفاقَ بـ “اتفاق العار”، وبأنه “واحدٌ من أسوأ الصفقات غير المتوازنة التي سبق أن أبرمتها الولايات المتحدة الأميركية”. هذا الموقف يحول واشنطن- وليس طهران- إلى منشق، وتنزع الرغبة لدى شركائنا من اتخاذ موقفٍ متشدد من إيران مستقبلًا.

التكاليف باديةٌ للعيان منذ الآن. إذا كانت الإدارة تفصح عن خططها باستخدام شكوكها بفاعلية الرقابة ذريعة للخروج من الاتفاق؛ فإنه ليس من المستغرب أن تعارض وكالة الطاقة النووية وشركاؤنا في المباحثات دعواتِ الأميركيين لتفعيل الإجراءات الواردة في الاتفاق، للحصول على إمكانية الدخول إلى المواقع العسكرية الإيرانية المشكوك في أنشطتها.

إذا كان السيد ترامب يتحدث عن التخلي عن هذا الاتفاق “السيئ”، حيث إن الاتفاق “الجيد” الوحيد الممكن يجب أن يشمل -بطريقةٍ سحريةٍ ما- جميعَ أنشطة إيران في المنطقة؛ فإن إقناع المجتمع الدولي، بإبقاء الضغط على الحرس الثوري الإيراني وعملائه في المنطقة، كـ (حزب الله)، سيصبح أكثر صعوبةٍ. وبذلك؛ فإن رفض الإدارة الأميركية العمل بحسن نية، لا يقوي موقفنا، بل يضعفه.

والآن، تبحث إدارة ترامب هذه الاستراتيجية التي يمكنها أن تؤدي، في نهاية المطاف، إلى انهيار هذا الاتفاق. لا يتلخص جوهر هذه الاستراتيجية في إلغاء الاتفاق بطريقةٍ غير مباشرة، بل باللجوء إلى حيَلٍ خبيثة، تضعه على طريقٍ، يؤدي حتمًا إلى انهياره. في إطار هذه المقاربة، تستطيع إدارة البيت الأبيض رفضَ تأكيد حقيقة التزام إيران بشروط الاتفاق -انطلاقًا من مبادئها، وليس بناءً على معطياتٍ حقيقية- والطلب من الكونغرس إعادة فرض تلك العقوبات التي أُلغيت، بعد التوقيع على الاتفاق. في حين، يمكن استعدادنا لتلبية مطالب إدارة البيت الأبيض، من إلزام إيران وغيرها من شركائنا القبول بإدخال شروطٍ جديدة على الاتفاق.

بمجرد أن يرى شركاؤنا الدوليون سلوكَ الولايات المتحدة الأميركية هذا؛ سيتوصلون إلى الاستنتاج المناسب: لا تريد أميركا تنفيذ التزاماتها. وإذا ما انهار الاتفاق؛ فسنكون في عزلةٍ شبيهة بتلك التي وجدنا أنفسنا فيها، بعد الحرب على العراق عام 2003. وفي ظلٍ غياب اعتراض المجتمع الدولي الموحد، تستطيع إيران تجديد تنفيذ برنامجها؛ وسيصبح الشرخ ضمن حلف الأطلسي أكبر، وهذا ما سيكون أفضل هديةٍ لفلاديمير بوتين. ونحن سنخسر كل هيبتنا في عملية البحث عن حل دبلوماسي، لأزمة كوريا الشمالية النووية.

إذا كان السيد ترامب يريد حقًا الخروج من الاتفاق؛ فعليه قول ذلك مباشرةً. عندها سيكون عليه أنْ يشرح للشعب الأميركي، كيف سيتصرف لمنع ايران من صنع القنبلة النووية، وكيف سيمنع إيران من زعزعة الوضع في المنطقة، وكيف سيمنع حدوث بقية النتائج الكارثية التي ستخلفها هذه السياسة أحادية الجانب. أما السيناريوهات الخيالية التي نحقق فيها كل شيءٍ وعلى الفور، وتتخلى فيها إيران عن كل شيء؛ فإنها لن تمر.

لقد سبق أن واجهنا أزمةً نوويةً مع كوريا الشمالية، ولسنا بحاجةٍ بعد إلى أزمةٍ جديدة مماثلة. على إدارة الولايات المتحدة الأميركية التخلي عن مقاربتها الخطرة، والمباشرة بتطبيق شروط الاتفاق النووي مع إيران، وضمان تنفيذه على أكمل وجه، والعمل مع شركائنا لبناء استراتيجية طويلة الأجل لحل المشكلة الإيرانية.

 

اسم المقالة الأصلية Разумный способ занять жесткую позицию в отношении Ирана
كاتب المقالة ويليام بيرنز- جيك ساليفان
مكان وتاريخ النشر مركز كارنيغي/ موسكو. 29 أيلول 2017
رابط المقالة http://carnegie.ru/2017/09/29/ru-pub-73262
مكان وتاريخ النشر الأول inosmi.ru). 29 أيلول/ New York Times, ИноСМИ(
رابط المقالة http://inosmi.ru/politic/20170929/240401795.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق