أدب وفنون

أوصال سورية المقطعة داخل السرد الروائي

تستيقظ المدن السورية المنكوبة بعجالة على دروب الروايات، تعبرها بخفةٍ غير مقصودة، تفعل ذلك وكأنها تَفْتَكّ من ابتلاءات الواقع الإلغائي لها، ثم تستيقظ بهويةٍ جديدة غالبًا ما تكون مغايرةً لهويتها قبل العام 2011، صارت الآن مدنًا معطوبة بفعل آلة الحرب وبطشها، وهي بذلك لا تحتفظ سوى بأسمائها القديمة، وما طرأ عليها من ركامٍ كثير وخردة يَجُسّان صبرها وعروقها النافرة. تلك مدنٌ فقدت بشرها، انسلوا منها بغتةً، لابوا على وجوههم قبل أن تتلقفهم أصقاعٌ بعيدة. ثم استقدمت إليها بشرًا جُدد، طينٌ جديد لوّث وجهها، ليصير عبور الطرقات بين المدن السورية وسيلةً لإعادة تدوين سيرتها الجديدة، ولعل محمود حسن الجاسم في روايته (نزوح مريم) الصادرة عن (دار التنوير عام 2015) ينعطف كثيرًا صوب المساحة المسلوخة عن جسد الأمكنة، يُنقّبُ هواء العدمِ الجديد ليعيد ترميم الهوية، مُتقفيًا خطوات بطلته “سارة”، حين تركت الرقة لتعود إلى بلدتها “محردة”، وفي الصفحة 139 نقرأ: (قبل المنصورة، سيارة معطوبة على طرف الطريق، تغوص في الوحل. لا نفكر بمد يد المساعدة. الخوف يقتل المشاعر. حين اقتربنا من المنصورة أكثر؛ بدأت تتشكل غيومٌ سوداء جهة الغرب، وعند المنصورة خيمٌ متفرقة بين البيوت. عددٌ كبير من الأولاد البائسين أمام الخيم المنصوبة. السيارة تعبر ببطء. يركض الأولاد حفاةً في الوحل)، وهنا تتكلُ سحناتُ المدن الجديدة على مرونة الوصف لإعادة تشكيلها، حيث تصل البطلة في الصفحة 144 إلى مفرق مدينة “الطبقة”: (بعد مفرق الطبقة، تتناثر بيوتٌ حديثة البناء على طرفي الطريق، وثمة سياراتٌ بعيدة محترقة صدئة محطمة، تبدو مثل جثث متفحمة بصفائح معدنية على شكل سيارات! وكأن أرواح الضحايا فيها لم تغادر. تتشبث وتلعن).

طرقات السفر تكشف عورة الأمكنة المثقبة بالرصاص والقذائف المدفعية، أمكنةٌ باتت تملك عيونًا دامعة، يصفها أيضًا خالد خليفة في روايته (الموت عمل شاق) الصادرة عن (دار نوفل عام 2016) في أثناء سرده لرحلة نبيل “بلبل” وشقيقه حسين وشقيقتهما فاطمة من دمشق إلى حلب لدفن والدهما، نتوقف أولًا في الصفحة 19: (تحاشى بلبل النظر إلى يمين الطريق، اعتاد صوت تحليق الطائرات والمدفعية وراجمات الصواريخ التي لم تهدأ منذ ثلاث سنوات، القصف على القابون وجوبر لم يتوقف، يستطيعون رؤية آثاره على الأبنية المرئية من الأوتوستراد)، ثم في الصفحة 81: (في الطريق بقايا المعارك واضحة للعيان، دبابات محطمة، سيارات محترقة، بقع دم متيبسة، البيوت القريبة من الطريق مدمّرة، مهجورة، وفي البعيد تبدو بيوتٌ أخرى محترقة، وشوارع قرى صغيرة يتحرك فيها عددٌ قليلٌ من البشر أو الحيوانات، شبه مهجورة لا توحي حركتها الصباحية سوى بالموت والنزوح).

ليس هذيان الدمار المتلاحق وحده من قوّض سحنات المدن والأمكنة، وإنما تقوضت بفعل جحافل البشر التي جاءت من خارج سورية، وتربعت فوق جثة المكان. جنسياتٌ عديدة دخلت البلاد، لتحارب تحت راياتٍ مختلفة، احتلالٌ زحفَ من كل جهاتِ الممكن، واستوطن مِزَقَ المدن، وما تبقى من جسدها الناحل. تلك الملامح المستجدة على الأماكن نعود لنقرأها في سرديات أبطال الروايات، خلال ترحالهم بين تخوم مدنٍ كانوا يعرفون، ففي رواية (نزوح مريم)، نبصر ملامح هؤلاء عن كثب، قبل أن تصل “سارة” وأسرة أبو سلطان بلدة “إسِرْية” حين أوقفهم حاجز عسكري ضخم، احتل مكان استراحة كانت للمسافرين فيما مضى، يروي الكاتب بلسان بطلته في الصفحة 163: (عسكري يدخن، ويدلك لحيته الكثة. أدخلَ رأسه في نافذة السيارة، ففاحت رائحة عفنة مقيتة. يبرطم بلغة جديدة علي، ويشير بيده إلى داخل السيارة، وكأنه يشير إلينا، ويلتفت إلى المترجم! أبو سلطان لم يُنزل يديه عن المقود، ولم يُطفئ المحرك. ينتظر). ثم تتعاقب وجوه المحتلين، من الإيراني إلى التكفيري، في الصفحة 171، حين اقتربوا من بلدة “الشيخ هلال”، حيث فاجأتهم مجموعة سياراتٍ جاءت من جهة الغرب: (ملثمون ثلاثة، نزلوا من سيارة. والبقية طوقونا! الخوف يجعلني أخفي رجفتي! الهويات، كالمعتاد، كانت جاهزة. صرت قريبة من حماة، أخشى أن يعرفونني. ماذا لو كان بينهم زميل سابق في الجامعة؟ الكل قد يمارس الجريمة هذه الأيام! ممكن، كل شيء ممكن).

وكذلك في رواية (الموت عمل شاق) ينتظم السرد على تداعي ذكريات “بلبل” حينًا، وعلى تزاحم خراب المكان مع وجوهِ الذين احتلوه حينًا آخر، في الصفحة 98 نقرأ: (العناصر الواقفون على الحواجز أيديهم على الزناد، وألبستهم وعصبات رؤوسهم تشي بانتماءٍ طائفي، أعلام “حزب الله” تختلط مع أعلامٍ أخرى خضراء لفصائل شيعية عراقية، كانت على الأرض تعمل مع مجموعات كثيرة أسسها النظام للقتال، لا شيء يضبط سلوكها، ببساطة يحاكمون أي شخص على أي خطأ، يعدمونه برصاصة، ويرمونه في قبرٍ جماعي، أو يتركونه لأهله لحمله والهرب بعيدًا)، وحين دخل الأبناء الثلاثة مع جثة أبيهم المناطق المحررة، أوقفهم أول حاجزٍ هناك، ليظهر لهم بشرًا آخرين براياتِ قتالٍ مختلفة، نقرأ في الصفحة 111: (اقتربوا من ضوء شحيح، ورجلٌ يشبه الرجال الذين عبروا بسيارات سريعة منذ دقائق، أشار لهم بالتوقف بإشارة من ضوء محمول يلوح به، توقفوا وفتح حسين النافذة، أشار إليه الرجل المسلح بالتمهل والسير نحو الحاجز. كانت لكنته غريبة، لم يكن سوريًّا، قال حسين إنه شيشاني).

بهذا تصير سورية صدعًا حقيقيا قابلًا للرثاء الروائي لحظةَ يرصد تعاقب الخراب، والاحتلال الخارجي، حتى إن جاء تحت أسماءٍ مستعارة في مشهديةٍ قاسية تدور رحاها ولا تتوقف، لكنها تفضح المكان وتُخرِجهُ عن زيفِ الروايةِ الرسمية ومهانتها للواقع الذي صنعته، وإن عدنا إلى رواية (الموت عمل شاق)؛ فإننا نستطيع أن نقرأ عن الخراب المركب من مكوناتٍ عدة، كما يراه بطل الرواية في الصفحتين 138-139: (قطعوا القرى وأذهلهم منظر الأعلام السوداء المرفوعة على المباني البعيدة والقريبة، هياكلُ دبابات، سياراتٌ عسكرية محترقة، بقايا معاركٍ تدل آثارها على شراستها، وكثيرٌ من الموتى، كانت هذه السهول آخر ما رأوه. لم يكن مزاج بلبل رائقًا للتفكير بالموتى، وصلوا إلى الحاجز ما قبل الأخير، كتلٌ إسمنتية ضخمة، موزعة بطريقة تجبر السيارات على السير ببطء شديد، مسلحون بعيدون وقريبون يوجهون بنادق قناصة، وجوههم مقنعة، وملابسهم سوداء).

تمر سرديات السوريين إذًا على خرائبِ مدنٍ مفككة، تعاينها غالبًا من الخارج، من دروبِ سفرٍ تمتد بمحاذاتها. تلك رواياتُ أبطالٍ يسافرون داخل حدود المكان الشائك، يشاهدون آثار الدمار المتعجل من بعيد، وكأنهم يعاينون جثةً منسية، أو صقيعًا صباحيًا يقرص الروح، وكأنهم -أيضًا- يأجلون طرح الأسئلة، أو التداوي بها، يكتفون بالمراقبة والوصف، يتألمون بعيونٍ مفتوحةٍ على ملئها.

مقالات ذات صلة

إغلاق