تحقيقات وتقارير سياسية

“تحقيق السلام أم العدالة الانتقالية في بلدان الربيع العربي”، ندوة لمعهد (بروكينغز) الدوحة

من بين أكثر المشكلات المتواترة والمثيرة للجدل التي تواجه بلدان الشرق الأوسط، بعد الربيع العربي، مشكلة تحديد الأولوية في هذه المرحلة، فما الذي ينبغي أن يحظى بالأولوية: السلام أم العدل؟ في العالم المثالي، لا ينبغي على أحد المسارين أن يكون ضد الآخر، وإنما يعزز كل منهما الآخر.

الصراعات في الربيع العربي تشير إلى أن هذا الانقسام قد يصبح عائقًا أمام تحديد أولوية أي منهما. شهدت الثورات الإطاحة بالقيادة الاستبدادية من تونس إلى اليمن، أو محاولة الإطاحة بها؛ ما أدى إلى حدوث مرحلة لم يسبق لها مثيل، من التدهور السياسي والاجتماعي والاقتصادي. على أي حال، إن الطرق التي تظهر بها العدالة الانتقالية، تكشف عن أوجه القصور في هذا المفهوم، وكذلك التعقيد في محاولة إقامة العدالة الانتقالية، في حين أن المنطقة ما تزال تعاني من صراعات عنيفة.

في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، عقد معهد (بروكينغز) الدوحة، بالتزامن مع إطلاق كتاب نهى أبو الدهب (العدالة الانتقالية ومقاضاة القادة السياسيين في المنطقة العربية)، ندوة نقاش حول العدالة الانتقالية، حيث قامت مذيعة قناة الجزيرة (فولي باه تيو) بإدارة الجلسة التي تحدّث فيها كل من: نهى أبو الدهب، الكاتبة وزميلة زائرة في معهد (بروكينغز) الدوحة؛ فرج فنيش، رئيس سابق لفرع آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان؛ ماريكا ويردا، مستشارة للعدالة الانتقالية في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؛ عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحث.

ركز المشاركون أساسًا على عملية العدالة الانتقالية، في تونس ومصر وليبيا واليمن، وطرحوا العديد من الأسئلة المثيرة للاهتمام. أولًا، هل يمكن الحديث عن العدالة الانتقالية في فترة ما بعد الربيع العربي؟ ثانيًا، هل يمكن أن تكون هناك عدالة انتقالية، إذا لم تكن مصحوبة بعملية ديمقراطية؟ كتأكيد سريع؛ الجواب المدوي واضح: لا. لكنّ الأسبابَ التي جعلت عمليةَ تحقيق العدالة الانتقالية صعبةً للغاية أنّ هناك مجموعة واسعة من الذرائع والمواقف، وإن كانت موجزة إلى حدٍ ما.

أشار بعض المتحدثين إلى أن العدالة الانتقالية هي “أضغاث أحلام”، طالما أن الصراعات ما تزال تندلع في المنطقة. إن أهمية مؤسسات الدولة في إنجاز عمليات العدالة الانتقالية في اليمن مثلًا تعني أن “الحديث عن العدالة الانتقالية ليس سوى ترف”. في الواقع، يبدو أن العدالة الانتقالية، مع الميليشيات والجماعات القبلية التي تحكم البلاد، بعيدة المنال.

أثارت (ماريكا ويردا) قضايا التدويل للعدالة الانتقالية، وقالت إنها -من خلال التعريف- ينبغي أن تكون عملية وطنية حقيقية للمصالحة، يمكن أن يساعد فيها المجتمع الدولي، ولكن إشراك الأطراف الدولية الفاعلة، كثيرًا ما يعقد المسائل، ولا سيما في ما يتعلق بليبيا.

ذكر بعض المتحدثين أن مجلس الأمن فشل في إحالة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات، في اليمن وسورية إلى المحكمة الجنائية الدولية. المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المؤسسات الدولية تستطيع أن تلاحق عددًا قليلًا من المسؤولين رفيعي المستوى، الذين يكونون قد أعطوا أوامر، ولكنهم لم ينفذوا فعليًا أعمال التعذيب أو القتل أو غيرها من الانتهاكات الخطيرة لحريات الإنسان. ويعود الحكم إلى المحاكم الوطنية وعمليات المصالحة للتعامل مع هؤلاء المسؤولين ذوي المستوى المتوسط.

تسلط مصر الضوء على السبل التي يمكن من خلالها للسلطات الانتقالية أن تستخدم العدالة الانتقالية، لترسيخ نفسها في الدول التي شهدت صراعًا أو خرجت من ثورة. الملاحقات القضائية، والمحاكمات العلنية، لا تعني تحقيق العدالة الانتقالية. وهي لا تؤدي إلا إلى إضفاء الشرعية على السلطات الانتقالية، فقد ألقي بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تحت عجلات الحافلة (لحظيًا)، من أجل إنقاذ وجه المجلس العسكري المتبدل في مصر.

وفي تونس، مع أن الملاحقة القضائية كانت ناجحة، إلا أن العدالة الانتقالية الشاملة لم تتحقق بوصفها حلًا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن قضايا الهيكلية في النظام السياسي التونسي التي حظيت بالأولوية لتحقيق العدالة الانتقالية.

جميع الأسئلة المطروحة حول سورية تمت الإجابة عليها، بإشارة واضحة إلى ضرورة تشكيل “آلية دولية مستقلة محايدة لسورية/ IIIM“، من دون توضيح ما سيفعله هذا النموذج لتعزيز العدالة الانتقالية. فبينما الصراع في سورية هو من أكثر الصراعات توثيقًا في كل العصور، لم يكن لدى فريق المتحدثين سوى القليل من الاقتراحات حول كيفية أن تؤدي هذه الوثائق إلى تنفيذ العدالة الانتقالية في المستقبل.

كانت المناقشات التي تبدو مثيرة للاهتمام للشخص العادي المهتم في قضايا حل النزاعات الإقليمية والعدالة الانتقالية، كانت وصفيةً أكثر، ومن دون نقد من قبل المتحدثين، فقد كان موقف كل متحدث إلى حد كبير حول موضوعات معروفة. يوضح المثال الكولومبي كيف يمكن أن تكون المشاعر الشعبية مستقطبة بدرجة كبيرة من الانقسام بين السلام والعدالة. مع ذلك، فإن استخدام تعريف واسع للعدالة في كولومبيا أمرٌ مهمّ، لأنه يعطي الأولوية للمصالحة بشأن العدالة الاستبدالية/ التعويضية. مع ذلك، لم يتم الإجابة على الأسئلة حقًا.

خلصت الندوة إلى أن الناس -في معظم الحالات- لا ينظرون إلى العدالة الانتقالية إلا كعقاب وملاحقة قضائية؛ ومن ثم يمكن استنتاج أن السلطات الوطنية والإقليمية والدولية يجب أن تستكشف طرقًا أخرى للعدل، مثل تذكر الضحايا وتعويضهم، وبناء رواية للمصالحة الوطنية، ومنع عمليات العدالة الانتقالية من الاستيلاء عليها، لتحقيق مكاسب سياسية.

 

العنوان الأصلي Peace or Justice in the Arab World? An evening with Brookings Institute
الكاتب International Visiting Researchers Program at the Harmoon Centre for Contemporary Studies
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة
المترجم جيرون

مقالات ذات صلة

إغلاق