تحقيقات وتقارير سياسية

موقع الثورة السورية من استراتيجيات السياسة الخارجية للقوى العظمى (روسيا)

إذا كانت القوى العظمى قد حددت استراتيجيات سياساتها الخارجية، بناء على جغرافيتها ومصالحها والبيئة الدولية؛ فإن روسيا بنت تلك الاستراتيجية على أساس طبيعة الدول، وطبيعة الدولة الروسية ذاتها، وتحاول هذه المادة رصد تلك الاستراتيجية، وإسقاطها على الحالة السورية.

لطالما كان لروسيا أيديولوجيا خاصة بتعريفها لنفسها، أكثر عمقًا وكمونًا من الأيديولوجيات المتبناة، منذ بطرس الأكبر على الأقل، وهي شعورها بالتفرد والاستثنائية، وبأنها مغايرة وتحمل نظرتها الخاصة إلى نفسها والعالم، وباقي اللبوس الأيديولوجي الإمبريالي أو الشيوعي أو الدولة الوطنية المتعثرة حاليًا هو سطحية لتلك النواة، وانطلاقًا من هذا الشعور بالاستثنائية والرغبة في طابع تبشيري قيمي يمنح العالم معنى مغايرًا؛ حددت روسيا علاقاتها مع القوى العظمى الأخرى وباقي الدول، على أساس طبيعتهم المختلفة و”الفاشلة” عن روسيا، وناقشت أوساطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية مطولًا التطورَ الصناعي والسياسي للدول الغربية، على أنه ميزة واحدة لا تؤهلهم لقيادة العالم كالروس، ونظرت إلى سياستها الخارجية من خلال الاستقرار الداخلي للروس أكثر من أي شيء آخر. وكان صراع الروس، طوال القرن التاسع عشر وحتى العشرين، يركز على محاربة أفكار ونفوذ فرنسا، صاحبة الثورة التي أرّقت القيصرية الروسية أكثر من أي دولة أخرى، وجعلتها هاجسًا حتى للبلاشفة الذين جعلوا الثورةَ الفرنسية نموذجًا، يتم التعامل مع إخفاقاته ونجاحاته بشكل مطرد في حنايا الثورة الروسية، وأيضًا التنافس المرير مع بريطانيا التي توسعت مستعمراتها عالميًا، ودخلت روسيا مع بطرس الأكبر النظامَ الدولي، كلاعب أساس، متسلّلة عبر الحرب الشمالية التي عُدّت حدثًا هامشيًا، على حساب الحرب الإسبانية 1703 التي واجهت طموحات ملك فرنسا لويس الرابع عشر، وعلى الرغم من أن بطرس الأكبر رغب في هذا التوغل، من أجل تنشيط التجارة مع أوروبا، ولم يصل إلى مبتغاه، إلا أنه ثبّت روسيا لاعبًا دوليًا مهمّا في نظام دولي شكلته أوروبا، وفي عهد الإمبراطورة كاترين الأولى، كانت روسيا تتوغل في فترة توسعية، كسبت فيها أراضي شاسعة غير مركزة على نمط العلاقات السياسية والاجتماعية والهوية الثقافية لتلك الإمبراطورية، وبعد الحروب البونابرتية، وتعريف روسيا كصانع للنظام الدولي في عهد ألكسندر الأول؛ نصبت روسيا نفسها معادية لليبرالية، وكانت حتى نهاية القرن التاسع عشر ملكية مطلقة، بعد أن تحولت كلُّ أوروبا تقريبًا إلى الملكية الدستورية، وحاربت روسيا التوجهات الليبرالية، دولًا وحركات بناء على طبيعة تلك الدول والحركات المنافية لطبيعتها “الديكتاتورية”، وقد عبّر كارل روبرت النسلرودي وزير خارجية نيكولا الأول عن ذلك: “إن مساعدة فريدريك وليام الرابع ملك بروسيا في مقاومة الإغراءات الديمقراطية، أو مساعدة الإمبراطور فرانز جوزيف في سحق جمهورية (كوسوث)، لم يكن ببساطة مسألة أمن متبادل، لكنه كان مسألة سكينة داخلية لروسيا”.

جاءت الثورة البلشفية مدعمة لفكرة روسيا عن استثنائيتها المحملة بالوهم، فبعد انتصار لينين ورفاقه؛ ترسخت لديهم فكرة معاداة الغرب على أساس القيمية الأخلاقية للثورة الروسية في مواجهة الغرب الرأسمالي المادي، واعتبروا أن الشعوب تنتظر من يحررها، وأن أوروبا تحتاج إلى ثورتهم فتيلًا لانطلاق ثورتها، وصدمهم رفض البولنديين ومقاومتهم للجيش الأحمر، عند اجتياحه البلاد 1920، ورآهم لينين يتصرفون كإمبرياليين وطنيين وليس اشتراكيين ثوريين، ورغم ثبوت بطلان تلك الفكرة، استمروا في تبنيها، وحكمت علاقاتهم بالكامل مع القوى الغربية.

وقعت روسيا في مشكلة أخرى حول رؤيتها للإمبراطورية، فقد كانت روسيا إمبراطورية بحد ذاتها ولم تكن أمة  لديها إمبراطورية، كما فرنسا أو بريطانيا، وعند مراحل الضعف والأزمات بينت حالة السعار التوسعي لروسيا أنها لا تجدي نفعًا مقابل بناء الدولة/ الأمة التي ظلت غير مكتملة البناء، حتى يومنا هذا في روسيا، وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي “الإمبراطورية الستالينية”، إن صح القول، حاول أن يدمج الشعوب في ذلك المفهوم من خلال فرض اللغة الروسية وروسنة الاتحاد، من خلال فكرة ستالين عن دول “قومية الشكل اشتراكية المحتوى”، إلا أن الحقيقة كانت اشتراكية المظهر قومية المحتوى.

حققت المركزية الشديدة للاتحاد السوفيتي وعمليات التصنيع والتجميع القهرية التي قام بها ستالين، في ثلاثينيات القرن الماضي، تطورًا هائلًا، مستفيدًا من انقسام المجتمع الدولي وطموحات اليابان المادية وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، في تغيير ذلك النظام، بتخفيف الوطأة على السوفييت، وعلى الرغم من هذا التطور الصناعي، فإن تلك المركزية والتفرد في القرار أدّيا أيضًا إلى ضمور الإبداع، وبناء جهاز بيروقراطي ضخم مستفيد أدى إلى إعاقة التطور الصناعي، لأنه قائم بكليته على الولاء وليس الخبرة.

تفككت المركزية المطلقة في مرحلة خلفاء ستالين، وبات المستوى الثاني من السلطة في الحزب يشارك في صناعة القرار، ولكن حسب رؤية الجماعة الضيقة في المستوى الأول، ورغبتها في سماع صوت غير صوتها، وبالتالي لم يكن لديه تلك الفاعلية، يصح ذلك في أزمة برلين 1958 حتى الحرب الأفغانية 1979، وجاءت عملية (البيرسترويكا) في النطاق نفسه، عملية تغيير جذرية دون تخطيط جذري، بل بناء على تصورات فردية لغرباتشوف ورفاقه، وكان كل تغيير في الأيديولوجية والسلوك يقود إلى تغيير آخر، حتى السقوط.

بعد ديكتاتورية بوريس يلتسين الفارغة التي مثلت سقوط الهيمنة الروسية، على مختلف الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية؛ ورثت روسيا الاتحادية من الاتحاد السوفيتي أولى موروثات الاستبداد: تفكك السياسة الناتج عن عدم وجود أحزاب سياسية قادرة على إصدار أفكار جديدة. وفي غياب تلك الأحزاب؛ سعت مؤسسات القمع للتفرد بالسلطة، وهذه المرة بعيدًا عن قرارات اللجنة المركزية، بل عن الحزب الشيوعي تمامًا، وجاء ضابط الاستخبارات فلاديمير بوتين نتيجة هذا الاضطراب، وكان على روسيا أن تُظهر نفسها دولة عدائية حاقدة، أو أن تندرج في سياق البلدان الديمقراطية، أو أن تمضي نحو الانهيار.

وصول بوتين كان علامة على روسيا منعزلة مستعدة للقتال، وقد ترسخت لديها فكرة العداء للولايات المتحدة والغرب، حيث حافظت على اسثنائية روسيا، واستهدافها نتيجة تلك الاستثنائية، وكانت من قبلُ ذات طابع أيديولوجي حسب الروس، أما اليوم فالمصالح هي التي تدفع إلى العداء للسيطرة على النفط والغاز.. وبعيدًا عن نظرة الدول إلى الروس، بنت روسيا علاقاتها الخارجية بناء على الإحساس بالاستعداء، وتمكن بوتين من تحسين الاقتصاد الروسي الذي يحصل على موارد هائلة في الطاقة والزراعة والصناعة (وعلى رأسها التسليح) والسياحة، لكن لشعورٍ متورم بالقوة والوطنية المغرورة؛ لم يرد حكام روسيا التصديق بنهاية الاتحاد السوفيتي، رغم أنهم ركضوا بعيدًا عنه بالسرعة التي ركض بها رفاق لينين عن الدولة القيصرية؛ فباتت موسكو باقتصاد السوق الجديد عاصمة المليونيرات ويملك 110 من الأغنياء 35 في المئة من الأصول المالية للعائلات الروسية، رغم ذلك بقيت الاستثنائية الروسية والحكم الفردي سمة، تمسكت بها “الروسيَات” الثلاث: الإمبريالية والسوفيتية والاتحادية، وحرصت روسيا بوتين على ترسيخ العلاقة مع الجيران ومع باقي دول العالم، ضمن نموذج الاتحاد السوفيتي، ولأن تاريخ روسيا لم يعلّم حكوماتها قوة السياسة، وإنما سياسة القوة؛ عاد الجيش الروسي “الأحمر” محددًا لرغبات السياسة الخارجية بدءًا من القرم وليس انتهاء بسورية، منهِكًا الاقتصاد الروسي ومعرّفًا روسيا مرة أخرى حامية للحكم المطلق، انطلاقًا من سكينتها الداخلية، كما قال وزير خارجيتها، منذ ما يزيد عن 150 عامًا.

ما هو حقيقي أن روسيا المتورمة لم تعد أحد صناع القرار في النظام الدولي، كما في مرحلة السوفييت، بل لاعبًا أساسيًا يسعى الكثير لكسبه وتجنب المتاعب معه، وتستطيع بذلك استخدام قدرتها، ولكن ضمن المتاح لها، ولا تستطيع رفع رأسها أكثر، ولا أن تسبب الإزعاج لصناع القرار الحقيقيين، وفي سورية لا تأخذ روسيا أوامرها من أحد، ولكنها تلعب بما تسمح لها الفرجة الدولية في هذه المنطقة، وتتفق معظم النخب السياسية الروسية على أن سورية هي البلد الأخير المتبقي للروس في الشرق الأوسط، “ضمن رؤية سوفيتية”، وعليهم الحفاظ عليها، وتدخل روسيا حربًا في سورية ليس من أجل النظام في سورية فحسب، ولكن لحسابات داخلية تظهر بوتين حاميًا للسطوة السوفيتية، ومعاديًا لرغبات الولايات المتحدة، ويظهر قدرة على فعل ما يحلو له في سورية، وما يحلو للأميركيين في الوقت نفسه، فقد تركت له الولايات المتحدة ذلك الملعب ضمن أطر، تحددها ولا يمكنه تجاوزها، كما يحدث في الشمال الشرقي أو الجنوب في سورية، وذلك لتكسبه لاعبًا مهمًا على تخوم الصين الصاعدة وأوروبا المتحدة وتركيا النامية والمتصاعدة أيديولوجيًا. تستطيع روسيا فعل ما تشاء في سورية، ليس لكونها قوة عظمى، ولكن لأن قوًى عظمى سمحت لها بأن تفعل ذلك، قوى عظمى مثل الصين والولايات المتحدة اللتين تتصارعان على التحالف الروسي.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق