مقالات الرأي

“الاحتلال الروسي” مصطلحٌ سائد.. فما العمل؟

بدأ يُتداوَل مصطلح “الاحتلال الروسي” بشكلٍ موسعٍ في الفترة الأخيرة، بعد أن كان مصطلح “التدخل الروسي” هو السائد، حيث إن معنى الأخير لا يتعدى إحداث تغييرٍ شكليٍّ في مشكلةٍ ما. أمّا مصطلح الاحتلال فهو يتضمن إقرارًا بأنّ الدولة المحتلة، روسيا، انتهجت استراتيجيةً من أجل السيطرة على سورية وليس النظام فقط. طبعًا لا يمكن لهذا الاحتلال أن يترسخ دون قمع الثورة.

تمَّ هذا الأمر بمجرد التوقيع على اتفاقات بين الرئيس السوري والروسي في 2015؛ فأجهزت القوة العسكرية الروسية على فصائل الجيش الحر، في ريف اللاذقية وفي حلب بشكل خاص، وقصفت أماكن الفصائل في كل المدن والبلدات السورية، هذا كان في عامي 2015 و2016؛ وحالما حُوصر الثوار وقمعوا، وأصبحوا “عراةً”؛ انخرطوا ضمن اتفاقات مناطق خفض التوتر، حينها بدأت روسيا بمحاربة النصرة “جبهة تحرير الشام” و(داعش). يمكن الاستنتاج السريع هنا أن الاتفاقات نَظمت عملية الاحتلال من قبل النظام، وبعد تهميش الفصائل، بدأت عملية إخضاعها وإشراكها كقوى تابعة كما النظام، لمصلحة الاحتلال الروسي.

يَسخرُ مثقفون كثرٌ من مصطلح الاحتلال، فهو أحد أشكال الإمبريالية، والأدق هو شكل سيطرة الرأسمالية منذ أن وجدت على العالم المتأخر؛ فيتوهمون أن الرأسمالية في مرحلة العولمة تجاوزت “ثرثرة” الإمبريالية، وأصبحت تُجانس العالم وتوحده رأسماليًّا، وبما يُطور الأطراف وليس المراكز فقط، وهناك من يزيد عن ذلك بالقول إنّ العولمة هي نقل دائرة الإنتاج إلى الأطراف؛ على كل حال، الدراسات عن أوضاع كلٍّ من أفغانستان والعراق وليبيا والصومال ودول كثيرة، تقول إنَّ الرأسمالية -في مرحلتها الجديدة- لا تنبني على نقيض خصائصها السابقة، وبالتالي ما زال الاحتلال أحد أشكال الرأسمالية العولمية. روسيا الخارجة من طور الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، ومن تدهورها في مرحلة يلتسين، تُريد من بوتين إعادة اقتسام العالم، ومن هنا تقاتل لإعادة فرض سيطرتها في محيطها ولا سيما في القرم، وقد استغلت استدعاء النظامين السوري والإيراني لها في سورية، بعد فشلهما في قمع الثورة الشعبية لفرض احتلالها الكامل، وهو يتخذ أشكالًا عدة، وليس عسكريًا فقط. نقول احتلال، لأنّ السيطرة أصبحت اقتصادية كذلك، وتتدخل في كل شؤون السلطة والجيش والدبلوماسية، بل تقرّر عن النظام ما يجب التحاور فيه مع المعارضة، وهو ما ظهر في مسارات أستانا وجنيف وعمان والقاهرة، حيث إن هذه المسارات روسيّة بامتياز.

هنا أُسقِط نهائيًا، آراء النظام وحلفائه، والذين يؤكدون على أن روسيا صديقة و”اشتراكية”، وتحارب في سورية أميركا، لأن الأولى ضد الإرهاب ومع مشروع المقاومة والوطن، فهذه أيضًا ثرثرات محضة؛ الجدير ملاحظته أن النظام والمعارضة لم يهتما بتقييم الدور الروسي في سورية، واعتبراه خشبة الخلاص من أميركا، ومن الفوضى وانهيار الدولة وصعود الاسلام السياسي والجهادية. نقول إن الوجود الروسي والأميركي يمثل أشكالًا من الاحتلالات، ويستهدف إعادة تشكيل النظام السياسي في سورية بما يستجيب لها، وبما لا يناقض المصلحة الإسرائيلية باعتبار الأخيرة دولة استعمارية، ومن هنا وقوفها ضد الثورة السورية وقيامها بعمليات نوعية ضد قوات النظام السوري أو ايران أو (حزب الله)، أي العمليات التي قد تشكل خطرًا عليها، أما عداؤها الحقيقي فهو ضد الثورة السورية، والثورات العربية ككل. غباء بعض المعارضين السوريين بالطلب من (إسرائيل) التدخل يأتي بسياق الانتقام من النظام والعجز وبسبب تعميمات سياسية قديمة للمعارضة بأن عهد عداء (إسرائيل) انتهى، وأن العلاقة ستكون طبيعية معها مستقبلًا، كنوع من الطمأنة للمجتمع الدولي كي يهم بالمساعدة، وأن مشكلتنا الفعلية فقط مع النظام، ويجب الاستفادة من كل القوى القادرة على دحره؛ إذًا التخفيف من الفهم العميق لمصالح الدول هو ما أدخل المعارضة في تبعيتها، وشوش على الصورة ودفعها إلى خيارات كارثية، ومنها التوهم بأن أميركا وأوروبا “حلفاء الشعب السوري”.

ما نريد قوله هو أن سورية محتلة بشكل حقيقي، وما تفعله كل من روسيا وأميركا وبقية الدول الأوربية هو اقتسام الغنائم، وأن هذا هو السبب الحقيقي للمعارك الدائرة في دير الزور والرقة؛ وهذا يعني أن من أكبر الأخطاء تقليل المعارضة وفصائل كثيرة من دور الاحتلال الروسي واعتبار روسيا دولة ضامنة لاتفاقات خفض التوتر، وأنها ستساهم في تشكيل نظام سياسي يعكس مصالح السوريين معارضة ونظام. روسيا بشكل خاص، تريد فرض احتلال كامل على سورية ولعقود متتالية، وهو ما أرست مداميكه عبر القواعد العسكرية وعقود لإعادة ترميم وإنشاء شبكات الكهرباء ومسائل كثيرة أخرى. إذًا، الآن سورية محتلة، ولن تغادرها القوات الروسية، وطبعًا الأميركية، في المرحلة التي تلي إيقاف الحرب والبدء بحل سياسي ما، وسيتم تشكيل نظام سياسي شبيه بنظام بغداد أو لبنان، يُحكّم فئات طائفية أو مناطقية في مناطقها، وربما لاحقًا تتمثل في الدولة؛ فتصبح الدولة بذلك غنيمةً لدول الفئات المشار إليها هذه.

إذًا، على جثة الثورة وبواسطة النظام والفصائل، يتم تخضيع الشعب مجدّدًا. هنا يطرح الوطنيون، ومن كل التيارات السياسية ومن غير هذه التيارات، على أنفسهم قضية الاحتلال وكيفية مواجهته، أي ما العمل الآن؟ هناك قضية معروفة من خبرات الشعوب ومن واقعنا، ففي حالة الاحتلال لا بد من حركة وطنية لمواجهته، لا سيّما أن ما يفعل من تدمير للمدن وتهجير للشعوب، وتغيير في بنيته الديموغرافية يقول إن سورية ليست متجهة إلى ما يشبه كوريا الجنوبية مثلًا، وطبعًا ليس من مشروع مارشال ليخرجها من مأساتها، بل كما قلنا هي متجهة للخضوع للاحتلال. فكيف يمكننا البدء بتشكيل حركة تحررٍ وطنيٍّ، والسوريون موزعون بين مناطق نظام لا يتوقف عن القمع والتحكم الأمني، وفصائل تفرض نفسها على مناطقها كقوى قهر وتسلط وتمثيل للدول “الضامنة لخفض التوتر”، وكذلك أمام الدول الإقليمية والعالمية، وملايين المهجرين والمبعدين خارج البلاد وداخلها؟ إنّ حركات التحرر الوطني قادتها حركات وطنية وقومية ويسارية، مع وجود الميل البرجوزاي المحلي للتصالح مع الاستعمار، مع محاولة البرجوازية المُعانَدة والرفض وبما يُعزّز مكانتها، ويقدم لها التبرير لقيادة الحكم وتقوية استثماراتها ومصالحها؛ الأخيرة فشلت في الدول الطرفية، وهذا كان سببًا لبروز ما ذكرنا بشكل عسكري، وكانت ظاهرة العسكرياتية كارثيّة في كلٍّ من العراق وسورية وليبيا ومصر وسواها؛ فهي أنظمة أمنية بامتياز، ومشاريعها الاقتصادية تستجيب جزئيًا للكتل المهمشة في المجتمع، ولكنها سرعان ما تتخلى عن ذلك لمصالحها الفئوية، وتنهب كل موارد الدولة والمجتمع، وتسمح للفئات البرجوازية القديمة والجديدة بالمشاركة في الاقتصاد، وليس في السياسة وشؤون الدولة عامة. المهم الآن، سورية أو العراق أو كثير من الدول هي بحالة احتلال، وبعودتنا إلى سورية، فإنها تواجه احتلالًا جديدًا في العالم وهو روسيا، وهي دولة تمارس استعمارها بشكل همجي، وبما يعيد صورة الاستعمار القديم العسكري على أرض الواقع.

سورية الآن لا يمكنها تجاهل هذا الاحتلال، وأنّ المعركة لم تعد مع “النظام القائم” والميليشيات الطائفية التابعة لإيران وبدءًا بـ (حزب الله)، بل هي تواجه احتلالًا يُعيد إنتاج بقايا النظام، ويُؤهل الفصائل العسكرية في مناطق الثورة للتحكّم في مناطقها ولفرضها كأمراء حربٍ عليها، وبما يُسهل عملية احتلال ويمنع حركات المقاومة ضده، ونهب كامل ثروات سورية ورهنها لمصلحة إيفاء ديون الحرب التي دمرت سورية، أي لمصلحة روسيا وإيران وأميركا ربما في مرحلة لاحقة. السوريون معنيون بتشكيل حركة تحرر وطنية تتجاوز أخطاء المعارضة طيلة سبعة سنوات، وبما يُقارب بين السوريين؛ هذا غير ممكن دون مسائل أساسية، وفي مقدمتها رفض تسييس الدين والفصائل العسكرية، وتشكيل قيادة سياسية وعسكرية موحدة، وتخوين كل تعامل فئوي أو فصائلي مع جهات خارجية بما فيها الفصائل الكردية، ورسم رؤية دقيقة لكيفية مواجهة “الاحتلالات”، وتحديد شكل نظام الحكم القادم والاقتصادي، وكيفية النهوض العام. القول إنّ الثورة هدم فقط، كان كلامًا كارثيًّا؛ الثورة هدمٌ وبناء بآنٍ واحد، وكل استراتيجية لا تُفصّل في ذلك ستفشل؛ ولن تستقطب السوريين. الاحتلال أصبح حقيقة جاثمة على الأرض السورية، والعمل الآن يفترض إطلاق حركة تحررٍ وطنيٍّ لا تتجاهل كل تعقيدات الوضع السوري، ولكنها أيضًا تقرأ الوضع على حالته.

مقالات ذات صلة

إغلاق