مقالات الرأي

دور الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في سورية وتأثيرها في إمكانية العدالة

بعد ما يقارب 7 سنوات من الصراع العنيف في سورية؛ أصبح اسم “سورية” مرادفًا لجرائم الحرب، ولجرائم ضد الإنسانية والمعاناة المروعة للسكان المدنيين في الصراع الحديث. وعلى الرغم من وفرة الأدلة التصويرية ومقاطع الفيديو التي تشير إلى القتل المُحرّم، والمعاملة غير الإنسانية التي تتسم بها الحياة اليومية في البلد، فإن القضية السورية لم تُحَل بعدُ إلى محكمة الجنايات الدولية (ICC)، بسبب المخاوف الجيو-استراتيجية لروسيا وحليفتها الصين في مجلس الأمن الدولي. وفي سعي منها لإيجاد آلية أكثر صرامة في سبيل المساءلة، قامت الجمعية العامة للأمم للمتحدة في قرارها رقم 71/ 248 في كانون الأول/ ديسمبر 2016، بتجاوز مجلس الأمن ووضع آلية دولية محايدة ومستقلة لسورية (IIIM). ربما تكون هذه الخطوة جريئة لتغيير قواعد اللعبة في عملية تحقيق العدالة للشعب السوري الذي عانى بشدة منذ اندلاع الصراع في 2011. مع ذلك، تثار الأسئلة حول كيفية توظيف نموذج كهذا؛ وما الدور الدقيق المطلوب من هذه الآلية؟ وإلى أي مدى يمكن تطبيقها (المساءلة) على الواقع من خلال (IIIM)؟ والأهم من ذلك، هل سيكون بإمكان هذه الآلية وقف العجز الدولي عن ملاحقة الجناة في سورية؟

في المقام الأول، الهدف الرئيس لـ (IIIM) هو إتمام عمل لجنة التحقيق (COL) التابعة للأمم المتحدة حول سورية، وكذلك جمع وتوثيق العديد من الجرائم والانتهاكات التي تحقق فيها اللجنة (COL). ويشتمل عمل (IIIM) على “وظيفةٍ شبيهة بالنيابة العامة”، تركز في الأساس على تحليل الأدلة التي عثرت عليها لجنة التحقيق (COL) ولتقديم هذه الأدلة في الملاحقة الجنائية الفردية في المستقبل[1]. بالتالي فإن هذه الآلية ليست عملية محاكمة، وليست وظيفتها إنشاء محكمة لمداولة القضية، ولن يجري بموجبها أي ملاحقة قضائية. هكذا، فإن أي أمل في رؤية (IIIM) في أنّها آلية توفر العدالة في سورية هو في غير محله تمامًا. لكن، ستقوم (IIIM) برفع القضايا والمساعدة في تبادل المعلومات مع المحاكم الوطنية والدولية، مثل المحاكم في ألمانيا والسويد التي تحقق حاليًا في الجرائم المرتكبة في سورية. بناءً عليه؛ لا ينبغي النظر إلى (IIIM) على أنها آلية تكميلية فحسب، وهي أيضًا ليست كيانًا قانونيًا قادرًا على تحقيق العدالة لملايين السوريين الذين يعانون من أفعال النظام، والجماعات المسلحة المتهمة بارتكاب جرائم خطيرة في البلد.

علاوة على ذلك، تهدف الآلية الدولية (IIIM) إلى التعاون الوثيق مع المنظمات غير الحكومية السورية ومنظمات المجتمع المدني[2]. فمنذ اندلاع الأزمة السورية في 2011، تم إنشاء عدد كبير من المنظمات السورية لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وترافع للقضية السورية وتعمل على إعداد قضايا ضد الأشخاص المسؤولين عن الجرائم في سورية. حاليًا، يوجد نقص في التحليل المركزي للأدلة المهمة التي جمعتها هذه المنظمات، والتي سوف تكون خطوة حيوية نحو تقديم للمساءلة القانونية. وهذه الثغرة التي من المأمول أن تكون الآلية الدولية (IIIM) قادرة على ملئها. ولكن هذا التطور قد يواجه قيودًا كبيرة، ولا سيما من حيث قدرتها على الوصول المباشر إلى مناطق الصراع نفسها[3]. بالتالي، سيكون التعاون المحتمل مع منظمات المجتمع المدني التي تتخذ من سورية مقرًا لها حاسمًا لفاعلية هذه الآلية. ومن الأهمية الكبيرة أن تستخدم الآلية الدولية (IIIM) جميع الشهادات المتاحة وأشرطة الفيديو والصور، وغيرها من الأدلة الأولية التي جمعتها لجنة التحقيق (COL) والمنظمات السورية والمنظمات الإعلامية والمنظمات غير الحكومية الدولية؛ لتُمكِّنها من تقديم قضايا صلبة لاستخدامها في المحاكم التي تقاضي الجرائم التي تُنتهك في سورية. هذه المهمة الشاقة ستتطلب قدرًا كبيرًا من التمويل والتعاون الدولي المتفاني، وهو أمرٌ فشل فيه المجتمع الدولي إلى حد بعيد، منذ عام 2011.

هكذا، فإن من الواضح أنّ الآلية الدولية (IIIM) لن تعطي على الفور المجتمع الدولي الزخم الذي تحتاج إليه لتوحيد جهودها من أجل ملاحقة مجرمي الحرب في سورية. مع ذلك، فإن تشكيل هذه الآلية، ولا سيما من دون موافقة مجلس الأمن، يشكل بالفعل خطوة مهمة في تاريخ العدالة الجنائية. ولم يحدث من قبل أن دفعت شدة جرائم الحرب المرتكبة في الصراعات، الأممَ المتحدة إلى العمل المنفرد من هذا القبيل في الدفاع عن حقوق الإنسان. بهذا المعنى، فإن إنشاء الآلية الدولية (IIIM) يعيد تأسيس سلطة الأمم المتحدة، من حيث المرافعة إلى احترام القانون الدولي وأولئك المدنيين الذين يعانون بشكل لا يصدق من انتهاكاته. على مدار الصراع السوري، لم تقلل استجابة الأمم المتحدة المتعثرة من صدقيتها إلا في نظر المجتمع الدولي. وإنّ فشلها في الحفاظ على سلطتها على دول مجلس الأمن القوية، مثل روسيا، التي تهتم فقط بالطموح الجيو-استراتيجي مع عدم المبالاة بمعاناة المدنيين، تُسلّط الضوء على عدم قدرة المنظمة على حماية قدسية القانون الدولي. وفي هذا السياق، فإن هذا الحوار قد يساهم في استعادة الثقة في الأمم المتحدة، باعتبارها الحامية العالمية للعدالة والسلام الدوليين؛ بحيث لا ينبغي التقليل من شأن هذا التطور[4].

على الرغم من هذا التفاؤل، فإنّه ليس لدى الآلية الدولية (IIIM) أي قدرة قضائية، ولكن أهميتها تكمن في دعمها للمحاكم الأخرى التي تقاضي حاليًا في الجرائم المرتكبة في سورية. وقد يؤدي ذلك بطريقةٍ ما إلى تحويل الاعتماد على المحكمة الجنائية الدولية عند ملاحقة الجرائم الدولية. من الواضح أنّ المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وغيرها من المؤسسات الدولية، محددة بالبيروقراطية والاعتبارات السياسية، كما يتضح من نظام حق النقض (VETO) في إحالة القضايا إلى محكمة الجنايات الدولية من مجلس الأمن. فالمحاكمات الفردية التي تجري على المستوي الوطني، بمشاركة الجهات الدولية الفاعلة وجهاز مثل الآلية الدولية (IIIM)، ربما توفر إجراءات قانونية وواقعية أكثر، وخصوصًا في القضية السورية. بناء على ذلك، بلدان مثل فرنسا ودول أخرى من الاتحاد الأوروبي التي تقاتل من أجل تحقيق العدالة في سورية في مجلس الأمن، عليها أن تتوقف عن حصر رهاناتها في الإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية، وعليها أن تتخذ خطوات كالتالي: أولًا، دعم المحاكم الوطنية في محاكمة المتهمين بالجرائم في سورية بعد المثال المشرف المتبع في ألمانيا والسويد. ثانيًا، البدء بمحاكمة الأفراد المتهمين بالجرائم المرتكبة في سورية. وثالثًا استخدام الآلية الدولية (IIIM) كأداة في توفير الأدلة في القضايا القانونية المحتملة؛ ما يقلل من الاعتماد على محكمة الجنايات الدولية التي هي بالفعل مُثقلة بالعبء، وهناك اختلال عميق في عملها. لذلك، على الرغم من أنّ الآلية الدولية (IIIM) هي محاولة جديدة للتفاوض على المشهد المُعقّد للعدالة الدولية، إلا أنّها تمثل تحولًا جديدًا، غير مألوف، وربما تشكل تحولًا تاريخيًا في رغبة المجتمع الدولي في العمل في الدفاع عن حقوق الإنسان، بصرف النظر عن مجلس الأمن المبتلى بالوهن نتيجة الاعتبارات الجيو-استراتيجية.

_________________________

(*) العنوان الأصلي باللغة الإنكليزية:

Role of the International, Impartial, and Independent Mechanism for Syria and its influence on the possibility of justice

الكاتبة: إيما كابرول – Emma Cabrol

المصدر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين

المترجم: جيرون

[1] مرفق بتقرير الأمين العام، تنفيذ القرار المؤسس للآلية الدولية، المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن أشد الجرائم خطورة في القانون الدولي التي ارتكبت في الجمهورية العربية في سورية، منذ آذار/ مارس 2011،

UN Doc. A/71/755 §32, 19 January 2017 (‘UNSG IIIM Report’).

[2] إنغريد إليوت، خطوة مهمة نحو المساءلة؟ نظرة من الميدان على آلية الأمم المتحدة الدولية، المحايدة والمستقلة لسورية، مجلة العدالة الجنائية الدولية 15 (2): 239- 241، منشورات جامعة أوكسفورد، 1 أيار/ مايو 2017.

[3] م. كرستين، “كيف يمكن لقرار جديد للأمم المتحدة -في يوم ما- إحضار العدالة في سورية”، واشنطن بوست، 31 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

[4] كريسيتان ويناويسر وجيمس كوكين، العدالة لسورية؟ الآلية الدولية، المحايدة والمستقلة وظهور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مجال العدالة الجنائية الدولية، مجلة العدالة الجنائية الدولية 15 (2): 211، منشورات جامعة أكسفورد، أيار/ مايو 2017.

مقالات ذات صلة

إغلاق