أدب وفنون

نهارٌ في بقعةٍ سوداء من العالم

كان النهار حارًّا. الجميع انقبضت أصابعه وزمّ تجاعيد عينيه مستغربًا ومخاطبًا تعرّقَ النقود القليلة في حقيبته؛ لكننا في أيلول، وعلى الخريف التحرك وإصدار أوامر للأوراق التي ما زالت خضراء لا تتكلم، عليه أن يتسلل بخفةٍ فوق بيوت الوحيدين قاطعًا ذكرياتهم وأنفاسهم الحالكة، أو على الأقل عليه أن يهبّ مسرعًا لنجدة الأوراق الخضراء من الموت في المكان ذاته الذي ولِدت فيه.

يُقال إن الأنانية غريزةٌ نمت أنيابها بفعل الحدود والأناشيد والرايات، لذلك نطالب الفصولَ، مهما كان عذرها، أن تأتي زاحفة لإنقاذنا، ولم يخطر على بالنا البتة أن نفكر بِلوعة الخريف وهو يركبُ عربته مودعًا أهله، ربما يكون قد تعرّض لحادثٍ ما وهو يطوي عباءته تحت الريح، أليسَ هناك من قطّاع طرقٍ في الطبيعة؟

الزنبقةُ التي رأيتها اليوم في شارع الشعلان، كانت تُرخي رأسها فوق قرنفلةٍ حمراء، الطبيعةُ تشعرُ، الطبيعة تُصغي.

أركب باص النقل الداخليّ، منظر الأيادي المتشبثة بالعلّاقات الجلديّة المتدليّة، يشبه المشانق المجهولة، أو واجهات محلّات بيع اللحوم المسلوخة.

أبحثُ ليدي عن مكان تتمسك بهِ ريثما أصل، لا مكان لوجهي ولا ليدي ولا حتى لرائحتي. تنغمسُ يدي الأخرى داخل جيب سروالي وتشدّ على مناديلي المجعدة. الطفل الذي أشار بعينيه لأمه إلى بالون يطير في الشارع، صفعتهُ أمه قبل أن يحلم به، عاشقان يتبادلان الموسيقى من سمّاعات الهاتف، الشابّ ينظر إلى يدي المتدلية كشريحة لحم، والفتاة تحدّق بدموع الطفل الذي يريد بالونًا.

توقفَ الباص ليصعد ركاب آخرون، أحدهم اقترب مني، وأخذ يفتش عن مكان يسند إليه يديه، لن أتخلى عن مكان يدي. حتى لو انقلب الباص والركاب والسماء.

في الساحة العامة، جرت مشاجرة قويّة بين رجلين، لم يبدُ على أناقتهما الفاخرة ولمعة أحذيتهما التي تُعمي العيون في الظهيرة الحادة، أنه حدث يومًا ما لأحدهما، أن صرخ عاليًا أو شتم أو حتى حمل سكينًا، كانا صامتين تمامًا، يضرب كل واحد منهما الآخر بجريدةٍ ملفوفة على شكل أسطوانيّ.

فجأًة، توقف الرجل الشاحب عن العراك، عندما سقطت صفحة من الجريدة أرضًا وسحبتها الريح إلى مفرق آخر. رأيتُ كلماتها تطير في السماء، على شكل مسدس.

يُفتح الستار، تضيء خشبة المسرح، حجزتُ مقعدين، لكن صديقتي تأخرت ولم تأت، وضعتُ حقيبتي الصغيرة مكان مقعدها، امرأة عجوز مرّت بعد أن بدأت المسرحية يرافقها رجلٌ يمسك مصباحًا، وبإشارة من حاجبها المرسوم بقلم كحل رخيص، رفعتُ الحقيبة عن الكرسي.

بدأت المسرحية وانتهت المسرحية، وزحف التصفيق إلى الخشبة ليُكمل النص، ولاحق الجمهور الممثلة إلى الكواليس، بينما كنت أهمُّ بالمغادرة، هامسًة إلى العجوز قربي، أن تزيح حقيبتها المنفوخة التي تتشبث بها، وتفسح لي ممرًا، فلم يتبقَ سوانا في صالة المسرح نتابع صمتنا ووحدتنا! أعطتني وأنا أغادر نكّاشة أسنان، شكرتها وتركتها تمسح نظارتها الطبيّة بمنديل سميك لونه أسود وتحدق في الخشبة، كما لو أن العرض بدأ من جديد.

أركبُ سيّارة الأجرة وللصدفة إنه السائقُ ذاته الذي قادني ليلة أمس إلى سوق الثياب المستعملة، قلت له: هل تذكرتني؟

قال لي وهو يمضغ التبغ: نعم الألبسة المستعملة.

ضحكتُ في نفسي ونظرت في مرآته، متفحصة هويتي الجديدة.

وصلتني بعض الكتب الجديدة، عندما وصلت إلى البيت ووضعت المفتاح في القفل، لم يفتح الباب، ناديت على هرمان هسه من ثقب الباب، أرجوه ألا يدفعني إلى خلع الباب هذه المرة، توسلت إلى كاليغولا وزممتُ شفتي بين شقوق الباب:

كاليغولا، إن فتحتَ الباب لي سأحضرُ لك القمر.

في الطابق الخامس، جيراني يعيدون تشكيل بيتهم من جديد، يكسرون الجدران ويثقبون أخرى، تستأذنني الزوجةُ أن أنزع ملابسي عن حبل الغسيل، كي أجنبها بقع الدهان التي تتساقط فوقها من شرفتهم العالية، في الصباح أجدني مأهولة بمشهد الغبار فوق الكتب والأريكة والطاولة والتلفاز، وفي الليل تتساقط الصواريخ في مكان بعيد وتهزّ بيتي، ربما يكون هذا الغبار قادمًا من تهدّم تلك البيوت! أكتبُ رسالةً إلى فتاة مثلي، تعيش في ذاك الريف المعتم، تنزعُ ثيابها عن حبل غسيل مربوطة أطرافه بين شجرتين، قبل أن يسقط صاروخ من قصر الإله الأعمى.

في حلقي نهرٌ ساخنٌ يرمي النباتات التي تنمو في الظلّ بحجارته كل يوم، مشكلةٌ قديمة وعميقة لي مع النباتات التي تنمو في الظلّ تحتاج إلى زيارة إلى طبيب نفسيّ، واحدة أنمتُها في الزاوية اليمنى، وأخرى في الممرّ، الظلّ الظلّ، أنا التي تعيش في العتم، جاء أحدهم كي يتقاسم معي هذا الخبز، قالت لي صديقتي التي أهدتني إحدى النبتتين: ضعيها في مكانٍ لا تدخله أشعة الشمس مباشرةً، أشبَه بالفيء.

منذ شهور وأنا أبادلُ بين مكانيهما، أنقلهما إلى أمكنة لم ألاحظها من قبل في بيتي، مرددًة كلمات صديقتي: مكانٌ أشبه بالفيء.

أحبُّ جرمانا لسبب واحد فقط، هو أنّ مزارع الخضر والأبقار تحيط بها، هذا ما يردّده الباعة والسكان الأصليّون والنسوة اللواتي يفترشن الشارع بأكياسهن المتخمة بالحشائش.

فكرةٌ تداعب كلاب الشوارع وتدفعهم إلى الاسترخاء تحت السيارات، ريشةٌ تغفو على ذراعي وأنا أكتبُ قصيدة، وأنا أسمعُ هاتف بيت جارتي المهجور يتسلقُ النافذة، وأنا أتشاجر مع سائق التاكسي عن الأجرة والسعال، وأنا أشتري الخضر بكيس مثقوب، وأنا أهاتفُ حبيبي البعيد وأخبره عن حبّات ثلج تتلوى تحت إبطيّ، وأنا أدخن السيجارة العاشرة، وأنا أنتظر مُصلِح الكهرباء في الساعة الخامسة ظهرًا، وأنا أتناول حبوب (اللوكسوتان) في الصباح؛ لأحلم بأن باب غرفتي يؤدي إلى شارع الحمراء في بيروت، ما إن أفتحه حتى تقفز مقاهي الشارع إلى حضني كقطط ملونة، وأنا أطالعُ صفحة “يوميات قذيفة هاون في دمشق” على (فيسبوك)، وأنا أميل كشالٍ من الصوف فوق كرسيّ هزاز مع أغنية شركسية، وأنا أنفجر من البكاء كصورة عائلية تحت الركام، مع كل هذا، إنه لشيء ساحر، أن تكون حياتي محاطة بمزارع للخضروات والأبقار، فوق هذه البقعة السوداء من العالم.

مقالات ذات صلة

إغلاق