كلمة جيرون

النوعية لا الكمية

ضربت رياحٌ خماسينية مشارقَ الثورة السورية ومغاربها، وعبث كل أفّاقي الأرض بترابها، وتكاثر عليها القامعون الطامعون: النظام وميليشياته، الفرس والروس، القوى الإقليمية والدولية، وغيرهم ممن يختبئون وراء ستار، أو يتخفون خلف جدار؛ وصار مُعارضو النظام يسألون: ماذا ينقصنا لنستمر وننتصر؟

يبدو السؤال صعبًا والجواب محيرًا، فهناك وفرة في كل شيء لدى المعارضة؛ فعلى الصعيد السياسي، هناك عشرات التيارات والائتلافات والمجالس والهيئات والتكتلات؛ وعلى الصعيد العسكري، هناك المئات من الفصائل العسكرية المسلحة؛ وعلى الصعيد الشعبي، هناك عدد غير محدود من التنسيقيات والمنظمات والمؤسسات، وكل طرف يقول إنه يحمل وثائق حسن سلوكه، وبراءة ذمته.

هناك وفرة في كل شيء لدى المعارضة السورية، فهناك المئات من القياديين السياسيين (الذين يُفضّلون أن يُضاف إلى توصيفهم كلمة “بارزين”، ويؤكدون أنهم لا يُشقّ لهم غبار)، وأضعافهم من المستشارين والخبراء (لا أحدَ يعرف من نصّبهم)، وهناك الآلاف من المفكرين الثوريين والمخططين والمحللين الاستراتيجيين، ومثلهم من الإعلاميين، فضلًا عن عددٍ لا يُحصى من الثائرين (الذين يقولون إنهم “أصحاب الثورة”، و”مُفجّروها”، و”مُلهموها”)، حتى ليكاد المرء يعتقد أن كل السوريين شاركوا في إطلاق الثورة وإشعالها.

هناك وفرة في كل شيء لدى المعارضة السورية، فهناك مئات المقارّ والمكاتب والممثليات، كما أن هناك المئات من المنظمات الإغاثية والطبية والتعليمية (التي يُنفِق بعضها على دعايته أكثر من إنفاقه على غايته)، وهناك عشرات المراكز الحقوقية والتوثيقية الراصدة.

في الجانب العسكري، هناك عشرات الآلاف من المقاتلين، محترفين وهواة، محتجزين في مخيمات أو محتمين في مدن وبلدات، أو هائمين في جبال وأراض وصحارى، وهناك أسلحة لا يعرف أحد عددها ونوعها.

للأسف، يبدو أن هذه الوفرة كمّية وليست نوعية، وهذا هو ما يحاول سؤال (ماذا ينقصنا) الإحاطة به، فالكمّ موجود والنوعُ مفقود، وليس هذا سبب عدم تحقق أي من أهداف الثورة فحسب، بل سبب تشاؤم الجميع.

ما ينقص المعارضة السورية هو النوعية لا الكمّية، إنها تحتاج إلى معارضين يهتمّون بالهمّ العام لا الخاص، معارضين يعرفون بنية النظام في عمقها، مُحنّكين في السياسة لا هواة، قادرين لا مُغامرين، متوازنين عقلانيين منطقيين منضبطين، بارعين في كسب الأصدقاء وإرهاق الأعداء، ضليعين في السياسة والعسكرة والعمل الأهلي، لا ينتظرون ربحًا ولا مكسبًا ولا منصبًا، يضعون مستقبل السوريين نصب أعينهم، لا وراء ظهورهم.

ما ينقص المعارضة السورية تيارٌ سياسي وفكري وإنساني وثقافي.. تيارٌ مسؤول جامع، يعمل على التوحيد لا على التفريق، عابر للأيديولوجيات والأديان والقوميات، لا مناطقي ولا عشائري، يعترف بأخطائه ويستفيد منها، ويستمع للصغير قبل الكبير، ولا يتعالى على من رفعه، ولا يُطأطئ الرأس ولا يألف الهوان، ولا يتاجر بالحقوق الإنسانية. ما ينقص المعارضة هو تيارٌ يضم خبراء مُتمكنين، قادرين على إخراج سورية من وسط الركام الذي هي فيه.. تيارٌ يكون بحجم التضحيات التي بُذلت من أجل الحرية.. تيارٌ يشبه سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق