سورية الآن

عالم ينهار… عالم ينهض

من بين الطلبات الكثيرة التي طلبتها حكومة حيدر العبادي من قيادة إقليم كردستان يبقى طلبها إلغاء نتائج الاستفتاء أكثرها إثارة للاستهجان والسخرية، ذلك أن الإلغاء بات عديم الأهمية أو الجدوى بعدما أظهرت نتائجه موقف المواطنين الكرد المؤيد الاستقلال. نسبة الذين أيدوا الاستقلال تجاوزت، وفق المفوضية العليا للانتخابات في الإقليم، الـ92 في المئة، وغدت المحصلة حقيقة ماثلة أمام العالم كله، وباتت الكرة في ملعب حكومة العبادي التي عليها مواجهة الواقع والتعامل معه من دون إنكار أو مراوغة، لأن نتيجة الاستفتاء لن تصبح ماضياً مهما طال الزمن.
لا شك في أن حكومة العبادي في موقف دقيق في ضوء الاستحقاقات التي تنتظرها إن لجهة الخروج من المستنقع، الذي أغرقها فيه نوري المالكي بسياساته المذهبية والتمييزية والفساد المعمم متوجاً بتبعيته لإيران وميوله الاستحواذية الجامحة والتي وفرت بيئة صالحة لبعث تنظيم القاعدة في العراق بنسخة أكثر وحشية ودموية، باستكمال تطهير العراق من بقايا خلافة «داعش»، بالقضاء على الجيوب المتبقية وإشاعة سياسات جاذبة للجماعات الأهلية السنّية إذ تؤسس لبيئة وطنية نابذة للتطرف والعنف، أو لجهة التأسيس لبيئة سياسية مناسبة لإفراز لحظة وطنية جامعة تخوض تحت تأثيرها الانتخابات البرلمانية القادمة، عام 2018، على أمل بإحراز نتائج مناسبة واستثمارها في تعميق الوطنية العراقية بلجم التيار الموالي لإيران والحد من تدخل الأخيرة في الشؤون العراقية، وذلك عبر سياسات عامة بعيدة من الانحياز المذهبي والتمييزي، ومواجهة الفساد الوظيفي الذي سوقته إيران عبر حكومة المالكي بفترتيها، أو لجهة تلبية احتياجات المواطنين على الصعد الأمنية، بمحاربة التجاوزات والتعديات والانتقامات والتصرف خارج القانون، والاقتصادية، بمحاربة الفقر والبطالة والفساد ونهب المال العام، والخدمية، بتوفير الماء والكهرباء والتعليم والصحة والاتصالات والمواصلات، لبث الثقة والأمل في نفوسهم ودفعهم لموقف ايجابي تأييدا لتوجهاتها وخططها الوطنية.
لكن التسليم بدقة موقف حكومة العبادي لا يعني بحال من الأحوال القبول بالإجراءات المتواترة والمتسارعة التي اتخذتها ضد الإقليم وقيادته ومؤسساته، وخاصة انزلاقها إلى التنسيق مع النظامين الإيراني والتركي، وانخراطها في عمليات مشتركة معهما إن على صعيد المناورات العسكرية أو على صعيد إجراءات تشديد الحصار الجوي والبري والاقتصادي.
فالمصلحة العراقية لا تستدعي رد فعل غريزي بل حسابات دقيقة وشاملة أساسها التفكير بالنتائج القريبة والبعيدة وانعكاس قراراتها وإجراءاتها على خططها للخروج من المستنقع سالف الذكر، من جهة، وعلى الكلفة السياسية التي ستدفعها ثمنا لتأييد طهران وأنقرة لموقفها، من جهة ثانية، وعلى المواقف الإيرانية والتركية من العراق واستقلاله وسيادته في الحالتين: تحقق استقلال الإقليم أو إجهاضه، من جهة ثالثة. فالتفكير، وبعمق، في اليوم التالي، والتدقيق في مدى صلابة الرفض الدولي للاستفتاء، وفي مدى ثباته، وفي حقيقة الموقف الإيراني والتركي من استقلال الإقليم وخلفياته ومحدداته، وحدود اتفاقه مع عراق مستقل وسيد، والتدقيق في ذلك في ضوء الخبرة التاريخية والدور الذي لعبته إيران وتركيا في العراق الحديث والراهن (حديث إيران عن إمبراطورية فارسية عاصمتها بغداد، وحديث تركيا عن تابعية ولاية الموصل، التي تضم الموصل وكركوك واربيل والسليمانية، لها وفق مقتضى الميثاق الوطني الذي أصدره آخر برلمان عثماني عام 1920، وحدد فيه حدود الدولة التركية)، واستعداد كل منهما الدائم لعقد صفقات تحقق من خلالها مكاسب آنية ومستقبلية، بخاصة لجهة ضمان لجم تطلعات الكرد في ديارها، ولو تم ذلك على حساب العراق وأهله، فاللحظة السياسية الدقيقة والمعقدة التي تواجهها حكومة العبادي تستدعي «هجمة منطقية شاملة»، وفق عبارة المفكر المستقبلي الفين توفلر، والتي تعني أخذ كل المعطيات بالاعتبار وحساب تداخلها وتأثيرها المتبادل في آن، والنظر في صفقة تاريخية مع الإقليم تضع نهاية متفق عليها لمواجهة مأسوية استمرت طويلاً، أزهقت أرواحا كثيرة ودمرت إمكانيات ومصالح هائلة وهدرت فرصا لا حدود لها، صفقة تاريخية بدلالة حقائق التاريخ والجغرافيا ومقتضيات الجغرافيا السياسية والإستراتيجية، وحقائق العصر، لجهة حقوق الأفراد والجماعات ومترتباتها، بمنظار مستقبلي واسع.

(*) كاتب سوري

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق