أدب وفنون

مهرجان فيرتشيللي يحتفي بالشاعر فرج بيرقدار

قامت صحيفة الجمهورية الإيطالية بإجراء مقابلة مع الشاعر السوري المتألق فرج بيرقدار، يوم السبت 14 تشرين الأول/ أكتوبر، مسلطةً الضوء عليه بمناسبة منحه الجائزة السنوية لمهرجان فيرتشيللي للشعر (إيطاليا)، في دورته الثالثة عشرة، “وذلك، حسب إدارة المهرجان “تكريمًا لأنشطته المتنوعة بين الأمسيات الشعرية واللقاءات المفتوحة والمتلفزة”. وسيتم الاحتفاء بالشاعر، يوم الخميس المقبل 19 تشرين الأول/ أكتوبر، بمناسبة استلامه لهذه الجائزة القيمة التي تعدّ مفخرة للسوريين وثورتهم التي تواجه أبشع أنواع الإرهاب.

ولد بيرقدار في حمص عام 1951 ونشر مجموعتين، قبل اعتقاله عام 1987، وقد اعتقل مرات عدة، وقضى 14 عامًا في المعتقل، حتى إطلاق سراحه عام 2000.

في ما يلي النص العربي للمقابلة الذي أجرتها معه الصحافية Annarita Briganti

– ما هو الوضع الحالي في سورية؟ وما هو حلُّه؟

= سورية هي الاستثناء الوحيد الذي نرى فيه قواعد عسكرية أميركية وقواعد عسكرية روسية، وهناك بالطبع قواعد إيرانية وتركية وقواعد لـ “حزب الله” اللبناني، وقواعد لعشرات الميليشيات من العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها. إنها حرب إقليمية بل عالمية مصغَّرة، ومع ذلك ما زال الكثير من وسائل الإعلام يسميها حربًا أهلية. نظام الأسد لا يمتلك أي استقلالية في قراره، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعارضة. مصالح الدول في استمرار الحرب متعددة، بعضها يهمُّه عدم انتصار الثورة، لأن انتصارها يمكن أن يهدِّد أمن “إسرائيل”، وبعضها لا يريد انتصارها خشية أن تنتقل العدوى إلى بلدانهم، وبعضها ينتظر تدمير كل شيء، ليحظى بنصيب مجزٍ من حصته في إعادة إعمار سورية، وبعضها يريد اختبار أسلحة جديدة أو إظهار القوة التدميرية لأسلحته من أجل تسويقها، والبعض يريد فقط نفوذًا إقليميًا مؤثرًا يجعله رقمًا مهمًّا، في معادلات الشرق الأوسط. الآن تحققت معظم مآرب هذه الدول، وصار المطلوب رسم نهاية للحرب وتقاسم حصص إعادة الإعمار. لا أطالب السوريين الديمقراطيين بقرار وطني مستقل، بل أطالبهم بعدم الرضوخ إلى كل الإملاءات التي ستُفرض عليهم، أو بمحاولة تحسين تلك الإملاءات أو جعل شروطها أقل سوءًا. للأسف حلُّ الوضع في سورية بات شأنًا دوليًا لا داخليًا.

– ماذا تعلّمت من اعتقالك الطويل وفي المنفى؟ هل تسكن في ستوكهولم؟ كيف تعيش هناك؟ ما هو نهارك الاعتيادي، ماذا تفعل فيه؟ متى تكتب؟ من أين يجيء لك الوحي؟

= الجواب على هذا السؤال أو الأسئلة المتراكبة يحتاج إلى مجلد ضخم. ولكن إذا كان هناك مهمّ وأكثر أهمية؛ فسوف أحاول الإيجاز. تعلمت في السجن أن الأشخاص متساوون في الحقوق والواجبات، تعلمت ذلك عمليًا أو واقعيًا وليس نظريًا، كما هي في الكتب والدساتير. وتعلَّمت -أيضًا- أن الإنسان تحت التعذيب قادر على أن يتحمَّل ما لا تستطيعه الخيول. وتعلّمت أن أكون كما أنا حقًا، إذ انتهى الخوف من أن تنكشف أسرار تودي بي إلى السجن. أما المنفى، ولأنه في السويد، فقد علّمني أمورًا مشابهة لما تعلمته في السجن، ولكن بطريقة إنسانية لا وحشية، وبشكل أكثر عمقًا وقدرة على الإقناع من دون إكراه. في أواخر عام 2005 دُعيتُ، عبر شبكة مدن لجوء الكتاب، ككاتب ضيف على مدينة ستوكهولم لمدة سنتين، ثم لمستجدات وضرورات -لا مجال لذكرها في هذه العجالة- قررت البقاء في ستوكهولم. أتذكّر حين أذاع راديو (مونتي كارلو) أن الرئيس الفرنسي شيراك طالب الأسد الأب، في أثناء زيارته لباريس، أن يفرج عن الشاعر فرج بيرقدار، أتذكّر كيف تهلَّلت وجوه أصدقائي السجناء بفرح غامر، ثم سألني أحدهم: لو جاؤوا غدًا وطرحوا عليك إطلاق سراحك شريطة أن تخرج من السجن إلى مطار دمشق إلى باريس، فماذا تقول؟ أجبته بأني سأقاوم بأسناني وأظافري لكي لا أخرج من السجن. وفي الواقع بعد الإفراج عني دُعيت للإقامة عند مؤسسة (هاينريش بول) لمدة ثمانية أشهر وعدت إلى سورية، ودعيت بعدها من قبل منظمة (شعراء من كل الأمم) في هولندا، ودرّست حينها لمدة سنة في قسم اللغة العربية في جامعة ليدن، ثم عدت إلى سورية. ودعيت لفترات قصيرة إلى فرنسا وإنكلترا وسويسرا، ودائمًا كنت أعود إلى سورية. كان قرار بقائي في ستوكهولم وعدم عودتي إلى سورية هو أصعب قرار في حياتي. لاحقًا اكتشفت أنه القرار الأكثر حكمة. لي أصدقاء سويديون كثر، ولكن منذ انطلاق الثورة السورية تغيّرت حياتي وأنشطتي. صار عليّ أن أتواصل مع الناس في سورية بالعربية، وكتاباتي وأحاديثي بالعربية وأحيانًا بالإنكليزية. تراجعت إنكليزيتي كثيرًا خلال السنوات السبع الماضية. أنا لا أغادر المطبخ إلا إلى عمل في الخارج أو إلى النوم. المطبخ هو غرفة العمليات بالنسبة إلي ولزوجتي. همّنا الأول متابعة شؤون الثورة وأهلنا. لم يعد لديّ مواعيد محددة أو محبَّبة للكتابة. غالبًا أكتب تحت ضغط الضرورة وليس الرغبة، ولكني بين حين وآخر، أقتنص فرصة من آخر الليل لأكتب قصيدة أو أغنية أو لأرى فيلمًا. أنا شخص لا أومن بالغيبيات، وإن كنت -كعلماني- أحترم قناعات الناس، لذلك فإن الوحي بالنسبة إلي وإلى كتابتي إنما هو الناس الناس، وليس الطغاة والقتلة والمجرمين.

– ما هي أهم المواضيع في كتابك الجديد (مرايا الغياب)؟ ما هو الموضوع الذي يتبعك ولا يتركك أبدًا؟

= الغياب لدى السوريين، خلال الخمسين سنة الأخيرة، يعني أولًا السجن. بعض الناس إذا سئلوا عن ابنهم الذي هو في السجن لا يجرؤون على القول إنه سجين، وأيضًا لأن الآخر لا يجرؤ على سماع كلمة “سجين”. في أسرتنا كنا ثلاثة إخوة في السجن في وقت واحد، هذا قبل أن يعتقلوا أخًا رابعًا بعد الثورة. كانت أمي إذا سئلت عنا؛ قالت إننا غُيَّاب أو في الغياب، فيدرك السائل أننا في السجن. إذًا، كتاب (مرايا الغياب) هو مرايا السجن بوجوهه المتعددة، والنسخة الإيطالية من هذا الكتاب تتضمن عددًا من قصائدي الجديدة غير المنشورة، وهي تتحدث عن الطغيان والثورة والحرية.

– كيف تغير شِعرك من أيام السجن لأيام المنفى؟ هل تتكلم السويدية؟ هل أثرت السويدية فيك، وفي إنتاجك؟

= التغيّرات الأساسية في شعري وفي رؤيتي للشعر حدثت في السجن، بسبب الكثير من المراجعات والتأملات ولاحقًا القراءات، إذ سمحوا لنا بالكتب والزيارات، بعد ست سنوات من اعتقالنا. بتُّ أرى الشعر واحدًا في العالم، بدءًا من هوميروس مرورًا بمعلقات الشعراء العرب قبل الإسلام وانتهاءً بالهايكو الياباني. لدى الشعر قمصان عديدة، وهو يتباهى بارتداء أي منها، حين يخرج إلى الناس. في الشعر العربي ثلاث مدارس أو أساليب، أعني الشعر العمودي وشعر التفعيلة والشعر الحر أو النثري. اهتماماتي ودراستي الجامعية سهَّلت عليّ الكتابة بالأسلوب الذي أريد. لا أتكلَّم السويدية إلا في الحدود التي قد أضطر إليها.

– ما معنى أن تكون شاعرًا معارضًا؟

= يعني أن أحمل نعشي وأسير في المقدمة. ولأني أحد المحظوظين لم يقتلوني؛ اكتفوا باعتقالي ثلاث مرات، ولكن الاعتقال الأخير كان هو الأطول والأقسى.

– هل تعرف الشاعر أدونيس؟ هل تحبه؟ كيف ترى إنتاجه الشعري، وكيف ترى مواقفه السياسية؟

= أدونيس مثقف بما يكفي لكي يلعب دور الحاوي، وليس دور “المثقف العضوي”، وفق تعريف غرامشي. تعجبني تنظيراته عن الشعر، وإن كانت هناك تشكيكات لها توثيقاتها في أنه سرقها من كتَّاب أوروبيين. شعره لا يعجبني، فأنا أحبُّ أشعار محمود درويش وأمثاله، وهذا ليس أمرًا ذا شأن. ما هو ذو شأن إنما يتعلق بالأخلاق، أعني بالكذب والتذاكي والاستهتار بالحدود الدنيا من المنطق. على سبيل المثال، قام أدونيس وخالدة سعيد -وهي زوجته- باختيار وتقديم نصوص من محمد بن عبد الوهاب “مؤسس الوهابية في السعودية”. صدرت المختارات في بيروت سنة 1983، عن دار العلم للملايين، ضمن مشروع بعنوان “ديوان النهضة”.

أدونيس يرى أن محمد بن عبد الوهاب رمز تنويري. أدونيس هاجم الثورة السورية، ووصفها بـ “الوهابية” على الرغم من أنه عدّ ابن عبد الوهاب تنويريًا. وأخذ أدونيس على التظاهرات أنها تخرج من المساجد، “والمساجد هي المكان الوحيد في سورية المرخَّص للتجمعات العامة”، لكن حين خرجت التظاهرات من جامعة حلب، وليس من الجامع؛ لزم أدونيس الصمت على قتل السلطة لعشرات الطلاب. في اللغة العربية الجامعة هي مؤنث الجامع، ولهذا انتشرت نكتة أن الجامعة عند أدونيس هي مؤنث الجامع.

أدونيس مدح ثورة الخميني، وهي ثورة شيعية، ومدح محمد بن عبد الوهاب كتنويري، كيف يوفّق أدونيس ما بين وهابية السعودية وشيعية نظام الملالي في إيران!! والآن يرى أدونيس أن الثورة السورية وهابية ظلامية، وليس تنويرية!! وفي رسالته المفتوحة لبشار الأسد يخاطبه بوصفه رئيسًا منتخبًا، وأدونيس ليس ساذجًا كي لا يميز بين الاستفتاء على الرئيس وبين انتخابه. أدونيس يتذاكى، وهدف رسالته هو الغرب وليس مصير الشعب السوري. أول اعتقال لي كان أحد أسبابه أني قلت “لا”، في الاستفتاء على رئاسة الأسد الأب عام 1978.

– هل أنقذ الشعر حياتك، بخاصة عندما كنت في بلادك؟ ما هو دور الشعر اليوم؟ ما هو دور الشعراء؟

= كنت أعددت نفسي، منذ شبابي الأول، أن أكون شاعرًا، وأن أتحمّل تبعات كل ما يترتّب عليه الأمر من مخاطر. لا بدّ لأحد من شعبنا أن يقول ما ينبغي قوله وبأبلغ طريقة ممكنة. ذلك يعني أني كنت في كامل استعدادي لتحمُّل الضريبة، وإن كانت قتلًا. حين اعتقلتُ في المرة الأخيرة، أقنعني حجم التعذيب ووحشيته، أن تصوراتي عن مخاطر أن أكون صاحب رأي حرّ وشاعر صحيحة. لاحقًا وبعد أن كتبت مرافعتي بنفسي أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق، وهُرِّبت المرافعة إلى الخارج، وبدأت إذاعات كثيرة تبثها بالعربية، قلقت من إعادتي إلى سجن تدمر الصحراوي أو قطع زيارات أهلي، ولكن إدارة السجن بدأت تتعامل معي بصورة أفضل. بعد انطلاقة الحملة الدولية لإطلاق سراحي والتي بدأت من فرنسا؛ صار الوضع أفضل. لو كنتُ سياسيًا فقط لكنت مرِنًا، أعني لو لم أكن شاعرًا لما كنت عنيدًا، ورغم عنادي أنقذني الشعر والمتعاطفون معي -من كل أنحاء العالم- من موت كان وشيكًا. ما من دور للشعر والشعراء الآن إلا أن يؤسسوا جماليًا لمستقبل لا يقبل قبح وبشاعة أي طاغية جديد.

– ما هي أبياتك المفضلة من أبيات (مرايا الغياب) ولماذا؟ ما هي روح الكتاب؟ ما معنى عنوانه؟

= أجبت عن سؤال سابق أن (مرايا الغياب) هي مرايا السجن. أما أفضل أبياتها فهي التي كتبها المتظاهرون على لافتة في حيّ القصر في حلب. تقول كلماتها: طائٌر واحد/ يكفي/  لكي لا تسقط السماء. كانت هذه الكلمات تمدني بالتفاؤل، ويبدو أن المتظاهرين أحسّوا بشيء مماثل.

– لو استطعت استرجاع الزمان، هل ستفعل كل شيء من جديد؟ ما هي آثار التعذيب الصحية والنفسية؟ ما هي أقبح لحظة في أيام السجن؟ وأجمل لحظة، إن وجدت؟

= على المستوى الأخلاقي أقول: نعم. قد أفعل كل شيء من جديد. أما على المستوى العملي فلا بد أن أتدبر الأمر بخبرة أفضل. آثار التعذيب الجسدية تراجعت كثيرًا. الآثار النفسية لا يمكن تجاوزها، وإن كان يمكن التلاؤم معها. وحين تستطيع إسعاد سجين بأغنية أو حادثة أو ذكرى أو خبر، فالإحساس بالسعادة يكون مضاعفًا. لكن أكثر اللحظات ألمًا وقسوة لدى السجين هي حين يشعر أنه منسيّ من أهله أو أصدقائه أو المنظمات الدولية المعنية. النسيان -بالنسبة إلى السجين المنسي- هو نوع من الموت المعنوي.

– من هم الكتاب أو الشعراء أو أنواع الكتابة الذين/ التي تعتبرهم/ ها معلمين أو نماذج أدبية مثالية؟

= هم الشعراء العرب قبل الإسلام، وبعد الإسلام أبو نواس والمتنبي والمعاصرون، أو كانوا معاصرين فالسيّاب ومحمود درويش ونزار قباني، وكذلك الشعراء الجدد أو الشباب، ففيهم نخبة تملأ النفس أملًا وجمالًا. بالطبع أعتبر هوميروس معلّمًا وكذلك دانتي، والغريب أن لي معلمًا روائيًا لا شاعرًا هو كازانتزاكي.

– ما هي السعادة بالنسبة إليك؟ أأنت سعيد الآن؟

= لم أعد أفكِّر بالسعادة. أفكّر بالرضى عن النفس إن أمكن، وبمساعدة الآخرين ما أمكن. إسعاد الناس الطيبين سعادة لي. لحسن الحظ أن وضعي في السويد يسمح لي غالبًا بالمساعدة على نحو ما.

مقالات ذات صلة

إغلاق