مقالات الرأي

هل تصلح روسيا وسيطًا جديدًا في الشرق الأوسط؟

من الواضح أنّ يد أميركا في الشرق الأوسط آخذة في التراجع. ابتداءً من فشل جورج بوش المروع في حروب العراق وأفغانستان، مرورًا بسياسات باراك أوباما المتعثرة وغير المسؤولة، وصولًا إلى انهيار الربيع العربي، ويبدو أنّ أميركا لم تفقد الاستعداد فحسب، بل القدرة أيضًا، في العالم العربي.

قبل أربع سنوات توقع توم نيكولز وجون شندلر نهاية الهيمنة الأميركية، قائلين إنّ فشل السياسة الأميركية في المنطقة يهيئ الظروف لروسيا لتظهر كوسيط للأمن الإقليمي، وحدّدا سياسة موسكو في تقديم صورتها بوصفها “شريكًا بديلًا قابلًا للتعايش” بالنسبة إلى الدول المحاصَرة في المنطقة، التي يُمكن لها أن تتجاوز انتهاكات حقوق الإنسان وتحافظ على وضعها الراهن.

عندما نُشِرت المقالة في صحيفة “المصلحة الوطنية – National Interest”، جرى انتقاد الفكرة بشدّة لاقتراحها أنّ “السلطة الإقليمية” المنهارة يمكن لها أن تنافس جيو-سياسيًا القوة العسكرية والدبلوماسية للولايات المتّحدة. ومع ذلك، وبعد مرور أربع سنوات، تحققت رؤيتهما. إنّ تغلغل موسكو في شؤون منطقة الشرق الأوسط، والحالة المتدنية للسياسة الأميركية وتداعياتها على المنطقة، وتصارع هاتين القوتين، سيرتِّب آثارًا وخيمة ستحول دون الوصول إلى نتائج مرضية.

تمكّنت روسيا من مدّ نفوذها في المسألة الكردية في كلٍّ من سورية وتركيا والعراق، وبات جهدها واضحًا في دعمها للأكراد في إنشاء دولٍ مستقلة لهم في كلٍّ من سورية والعراق، حتّى إنّها رأبت الصدع مع تركيا؛ ما أدى إلى زيادة الهوة بينها وبين حلفائها السابقين في حلف شمال الأطلسي، وذلك من خلال بيعها منظومة صواريخ من طراز S-400 المضادة للطيران إلى أنقرة.

أصبح من الواضح أنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وعلى الرغم من خلافاته مع روسيا حول مستقبل بشار الأسد، إلّا أنّه على استعداد لصوغ محور استراتيجي جديد مع موسكو في قطاع الطاقة، يُعنى بالأمن القوقازي وأمن منطقة بلاد الشام، بما في ذلك التوافق الجيو-سياسي لهما في الشرق الأوسط.

لعبت موسكو دورًا بارزًا أيضًا، من خلال تعاونها العسكري والدبلوماسي مع النظام الإيراني، في تدعيم “الهلال الشيعي” المار من العواصم الثلاث -طهران، دمشق وبيروت، وفي الوقت نفسه ساهمت في تهدئة المخاوف السعودية والخليجية، من خلال المناقشات الجارية بين المملكة العربية السعودية وروسيا حول مدى تأثيرها في مستقبل المنطقة وتأثّرها به.

حتى “إسرائيل”، الحليف الرئيس للولايات المتّحدة في المنطقة، تتوجه أنظارها بصورة متزايدة نحو موسكو، حيث يُنظر إلى بوتين كأداة ضغط على إيران أكثر فعاليةً من حليفتها واشنطن.

ومع ذلك، تفرد موسكو عضلاتها في سورية بقدرٍ عالٍ من التأثير في الساحة الجيو-سياسية، ولطالما كانت الحليف الأكثر حسمًا لنظام الأسد الوحشي، من خلال تقديم الدعم الاقتصادي الحيوي لدمشق، إضافة إلى إرسالها مستشارين عسكريين وتغطية سلاحها الجوي، العامل الذي غير قواعد اللعبة في سورية، لقمع التمرد في وجه نظام الأسد.

كما مارست موسكو جميع إمكاناتها الدبلوماسية والإقليمية المتاحة؛ ما أجبر الولايات المتحدة على الخروج خالية الوفاقٍ من أي محاولةٍ لإيجاد حلٍّ سياسي للصراع في سورية، وهذا ما يتجلى باستبعاد الولايات المتحدة من محادثات السلام الجارية في أستانا التي بدأت في مطلع عام 2017.

ولعلّ الحدث الأكثر دلالةً على تحوّل أنظار القوى الإقليمية نحو موسكو هو الاتفاق الذي توصّل إليه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري ووزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف بشأن مخزون سورية من الأسلحة الكيماوية، واستخدامه ضدّ المدنيين، الاتفاق الذي مهّد الطريق لـ “تدمير” الاحتياطي الضخم للمواد الكيماوية وغاز السارين القاتل في سورية؛ فقد كان هذا الاتفاق في منزلة الانتصار الدبلوماسي، غير أنّ العديد من المحللين اختلفوا مع السفير البريطاني المتقاعد تشارلز كراوفورد الذي وصف الاتفاق بأنّه “اليوم الأسوأ بالنسبة إلى أميركا ودبلوماسيتها الغربية منذ بدء المحادثات”. وعلى الرغم من ادعاءات الرئيس أوباما المتكررة بأنّ استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية هو “خط أحمر في رمال متحركة” إلّا أنّ الرياح الروسية القارسة جاءت وعصفت برمال أوباما وحولتها هباءً منثورًا. وبحسب نيكولز وشنايدر، “بكلمة واحدة، خسر وزير الخارجية الأميركي عقودًا من الدبلوماسية الأميركية في المنطقة”.

وعلى الرغم من التأكيدات المتكررة من طرف النظام السوري وحلفائه الروس، إلّا أنّ المسؤولين الروس لا يزالون يتعمّدون إنكار عدم رغبة النظام في تدمير مخزوناته الكيماوية، وينفون احتمال وضع ذلك في الحسبان. كان من السهل على موسكو إحراج نخبة واشنطن باستخدامِها بحيث تظهر هي صانعة القرار في الشؤون العالمية. لم يكن لهذا تأثير على النفوذ الأميركي على الصراع في سورية فحسب، بل أدّى ذلك إلى مقتل مئات، إن لم يكن الآلاف من المدنيين، في الهجمات بالمواد الكيماوية، وتكاد تكون الشكاوى قليلة أو حتى معدومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

عززت روسيا موقعها الجيو-استراتيجي في سورية، استنادًا إلى اعتبار الصفقة هذه مؤشرًا إلى أنّ الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريًا ضد الأسد، الأمر الذي زاد من وجودها العسكري في البلاد، وأدّى إلى توقيع صفقاتٍ مع نظام الأسد تضمن وجودها العسكري بصورة كثيفة على الأقل لمدة الـ 49 السنة المقبلة.

اليوم، حقّق بوتين كلّ ما يريده في سورية بصورة واقعية. لا يزال الأسد موجودًا بقوة في السلطة على أنقاض بلد محطم، وجاهز لاستثمارات إعادة الإعمار الروسية. خفض بوتين بصورةٍ ملحوظة قدرة الولايات المتحدة على التدخل عسكريًا في المنطقة. وعلاوة على ذلك، إنّ دعم بوتين للأسد ساهم في نشر الخوف والهلع، ما أدّى إلى زيادة عملية نزوح اللاجئين إلى أوروبا؛ الأمر الذي زعزع استقرار الوضع السياسي المتوتر أصلًا في الاتحاد الأوروبي.

وحقق النجاح الروسي في سورية مكاسب عدّة لموسكو، منها التقرّب مجددًا من الحلفاء التقليديين لواشنطن، مثل تركيا و”إسرائيل” والمملكة العربية السعودية والقادة الأكراد، حيث يُدفع جميعهم بصورةٍ أو أخرى إلى تكريس السلطة الناشئة للكرملين في المنطقة.

ولعلّ الأهم من ذلك هو أنّ بوتين بات يتفاوض مع القوى الغربية من موقع المتفوق؛ جرى تهميش الولايات المتحدة في عملية السلام السورية، من خلال إبعادها من المشاركة بمحادثات السلام الجارية في أستانا. وبهذا، خلق بوتين صورة لروسيا كوسيط للقوى في المنطقة، وحصل على اعتراف دولي من خلال مبادراتٍ خادعة لوقف إطلاق النار والمناطق الآمنة داخل سورية بعد اجتماعه مع الرئيس ترامب في تموز/ يوليو 2017. وهذه المبادرة، التي تضمّ ضامنين جديرين بالثقة مثل أردوغان، بوتين وروحاني، هي رسالة واضحة للأسد لتصعيد الهجمات ضدّ شعبه، كما يتضح ذلك من خلال الهجمة الجوية الأخيرة التي قام بها النظام على “المنطقة الآمنة” جنوب إدلب.

تستند رؤية ترامب إلى اعتراف الولايات المتحدة بالمبادرة الروسية، في مقابل ضغط روسيا على إيران لسحب قواتها من سورية، ولكنها تراجعت على الفور عن ذلك في أيلول/ سبتمبر، عندما رفضت روسيا أن تضمن لـ”إسرائيل” منع القوات الإيرانية من اتخاذ مواقع لها قريبة من حدودها في سورية. لن ينجح نهج ترامب التوفيقي تجاه الطموحات الروسية، وهذا بعيدٌ من جعل “أميركا عظيمةً مرةً أُخرى”، لن يؤدي هذا إلّا إلى تعزيز الثغرات الجيو-ستراتيجية الإقليمية الأميركية إزاء روسيا. على الرغم من سذاجة أوباما في سياسته بشأن عودة محور موسكو، فإنّ ترامب متواطئ مع الطموحات الجيو- استراتيجية الروسية. في هذه اللعبة الكبيرة، تحتفظ روسيا حتى الآن بالبطاقات الأميركية، وتمارس نفوذها على المصالح الأمنية الوطنية الرئيسية مثل لجم إيران ومحاربة (داعش).

على أي حال، من الخطأ إجراء مقارنات بين الوضع الحالي والحرب الباردة. وبعيدًا من محاولة نشر الأيديولوجية، فإنّ صعود روسيا يقوم على أهداف عملية أكثر واقعية. وتحسب موسكو أنّ دورها المتجدد في الشرق الأوسط سيُبنى على عوز التكنولوجيا والخدمات الروسية، خاصة تلك التي لا ترغب الولايات المتحدة في توريدها؛ كأنظمة الأسلحة الاستراتيجية مثل منظومة الدفاع الجوي وتكنولوجيا القذائف وصولًا إلى تكنولوجيا الطاقة النووية.

يرى كثيرون أنّ الصراع في سورية هو أكبر ساحة عرضٍ لأنظمة الأسلحة الهجومية الروسية منذ الصراع في الشيشان، ما يثبت فعالية التكنولوجيا العسكرية الروسية في دعم الديكتاتوريين القمعيين في العالم، الذين ربّما يواجهون يومًا ما ثورات ضدهم. كما أثبتت روسيا فعالية استراتيجيتها الدبلوماسية ثنائية الوجه في سورية؛ إذ تقول شيئًا محدّدًا لاسترضاء الغضب الكبير للحكومات الغربية، وفي الوقت ذاته تستمر في حملاتها العسكرية دعمًا لنظام الأسد من دون إيلاء أي اهتمام يُذكر لنداءات ضبط النفس من قبل الأمم المتحدة أو الاكتراث بالمعاناة الإنسانية.

تستخدم روسيا الآن نفوذها المتعاظم لتعزيز طموحاتها الجغرافية والاقتصادية، مع استبدالها أوكرانيا بتركيا كبلد عبورٍ لمبيعات الطاقة إلى أوروبا، مع العلم أنّ الاستثمارات الطموحة للنفط والغاز في العراق وليبيا من المحتمل أن توسع قدرة موسكو على الاحتفاظ بإمدادات الطاقة رغمًا عن خصومها الأوروبيين. وعلاوةً على ذلك، تسعى موسكو للتحايل على الجهد الأميركي في استخدام السعودية لقلب أسعار النفط، عن طريق التفاوض مباشرة مع الرياض لوضع “أساسٍ” لأسعار النفط. وتعمل روسيا أيضًا على بناء طريق جديد يربط الشمال مع الجنوب، ويربط روسيا الأوراسية بالمحيط الهندي عبر إيران، ما سيُقلل من اعتمادها على الطرق البحرية والمسافات الطويلة، وستصل بذلك ممرات الشحن الدولية من خلال مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين.

ينبغي على أولئك الذين يدعمون انهيار الهيمنة الأميركية في الغرب أن يكونوا حذرين في احتفائهم بصعود روسيا؛ فقد كان اليسار في الغرب سريعًا جدًا في إدانته السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في سورية، في حين غضّ الطرف في أحسن الأحوال، ودعم في أسوء حالاته الفظائع الروسية المرتكبة في البلاد. وقد اتبع الزعماء الليبراليون الغربيون مثل جيريمي كوربين التعويذة القائلة: عارِض الغرب دومًا مهما فعل هذا الغرب. وفي السياق ذاته، شارك قادة حزب العمل البريطاني في حملة الدعاية الإيرانية، وأيّدوا صعود الإمبراطورية الروسية الجديدة، في حين أجادوا الصمت حيال المذابح المرتكبة في سورية. هذا الاعتذار اليساري يشجع موسكو على ترسيخ نفسها في الشؤون الإقليمية من جديد. وهو بذلك يضع معيارًا خطرًا؛ وهو قبول مشروع موسكو الإجرامي في سورية والاحتفال بـ “إنجازاتها” في التوصل إلى حلّ سياسيٍّ للصراع يتجاهل تداعيات خطرة على المدى الطويل. في سورية، الصمت في حدّ ذاته دعمٌ، واليسار الغربي يسير في اتجاه معاكس، في الوقت الذي ترتكب فيه روسيا الفظائع نفسها التي يرتكبها قادة، مثل “كوربين”، يهنئون أنفسهم بمعارضتها بشدة.

تدرك الحكومات القمعية الآن أنّ الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى عاجزةٌ عن العمل ضدّها، حينما ترتكب جرائم حرب وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان ضدّ شعوبها، بدعم عسكري ودبلوماسي من موسكو. إنّ رؤية موسكو كقوة “مضادة للإمبريالية”، مناهضة للهيمنة الأميركية وللإمبريالية الجديدة هي رؤية ساذجة من الناحية الجنائية، خاصة عندما تضع موسكو مشروع بناء سوفييت جديد من تلقاء نفسها.

 

العنوان الأصلي Is Russia suitable to be a new mediator in the Middle East?
الكاتب ألكساندر أستون-وارد
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
المترجم جيرون

مقالات ذات صلة

إغلاق