تحقيقات وتقارير سياسية

ماذا بقي من البلشفية العربية؟

سبعة أعوام عربية “ثورية”، كانت محكًا للأيديولوجيات التاريخية، بعد مئة عام من تكرار نقع الشعارات وشربها، نتذكر كل المكتبات العربية التي أقامت زوايا في أركانها لترجمات ضخمة لـ “دار التقدم” السوفيتية.. كان اللون الأحمر لأغلفة الكتب يميّزها من غيرها، في إشارة إلى لون الدم الذي صبغ تضحيات البلشفيين آنذاك، ضجيج كثير من ثرثرة سبعة عقود عن بطولات البلاشفة في موسكو، وسان بطرسبورغ، وكييف، وغيرها من المدن والقرى التي تبعت القيصرية الروسية.

لم يكن ملايين الروس الذين أُطلق عليهم مصطلح “البلاشفة” في وارد الأدلجة، أو منتمين إلى حزبها، كما في حقبة الثورات العربية الراهنة التي تدل تجربتها السورية على اليقين الأقوى لفطرة الثورة على وحشيةٍ تفُوق وحشية القيصر “نيقولا الثاني”، كما نقلت ترجمات الرفاق العرب عن “ثورة أكتوبر المجيدة”، لا لتكون ملهمة لشعبها، أو حتى لتكون “طليعة جماهيرية”، بقي حال الرفاق يُدوّر زوايا التدجين، حتى أتت لحظة الحقيقة.

تغيّرت صورة البلاشفة والبروليتارية العربية، ليس لأن معقلها تهاوى قبل أكثر من ربع قرن، ولا لأن نخبها فقدت عمقها الأيديولوجي، بل لأن أبناء “البروليتاريا” العربية خرجوا من تجمعاتهم ومدنهم وقراهم تحت حِراب نخبهم الرفاقية، بعدما تزعزعت وتهاوت ثرثرات تضحيات المكاتب والصالونات النضالية لتنتقل إلى الميادين. الرعب والذهول الذي أصاب السلطة تمكن من نفوس الرفاق العرب شيوعيين ويساريين، وتحولت الأيديولوجيا من البلشفية إلى البلطجية القاتلة.

الرفاق نفسهم الذين كانت خطبهم وبياناتهم الرسمية تنتهي بتوجيه التحية للنضال الأممي، في موسكو وكوبا ويوغوسلافيا وبلغاريا وغيرها، عندما شاهدوا بلشفيي مجتمعاتهم وبروليتارييها يطبقون بفطرة بسيطة شعاراتهم؛ غدروا بهم بلا خجل، وبكثير من الوقاحة والسقوط الأخلاقي؛ ليصيروا ترسًا في ماكينة إعلام الطغاة، خلت كل الأدبيات من توجيه التحية أو التعاطف مع ضحايا الطاغية، نعم تلك ممارسات ومواقف بعض الأحزاب البلشفية والشيوعية العربية، تمارس كل قبح الشعبوية المريضة، وهؤلاء في سورية يجسدون النضال الأممي بالتلطي خلف فاشي متعدد العباءات والولاءات، بل إن بعضهم يراه وصيًا على العلمانية والقومية العربية، ويعدّ عمقه الروسي وارثًا للبلشفية.

بقايا البلشفية العربية، نخبها تحديدًا، رمت أشد الخيبات وطأةً على كاهل العمال الكادحين، والطلبة والفلاحين والبسطاء من البشر المسحوقين والمقتولين على يد طاغية. مآخذ كثيرة سيقت ضد بديهيات مطالب البشر، اكتشفنا أن تلك البقايا لا تستطيع العيش بين صفوف جماهيرها، بقدر عشقها للعيش تحت أحذية الطغاة خانعةً مستكينةً، وبالقدر نفسه الذي كان مأخذًا لهم على شيوخٍ، تمارس السمسرة عند الله بتوزيع التوبة ومفاتيح الجنة الخمينية، وأخرى بجوازات سفرٍ إليها، تذوب خلايا العقل البلشفي أمامها، لتصبح أيقونة نضالية جديدة.

النضال الخياني هو كل ما بقي من إرث البلشفية العربية، بحق المسحوقين المُدمّرين، سورية كانت الدليل القاطع والمحك الفعلي للانكفاء الفعلي إلى حرفية بلطجية، تمارس من بعض يسار عربي، يتغنى ببلشفية قصر الطاغية، تحولت ثرثرة النضال والإيمان بالحق والعدالة إلى التدثر بذرائع الطاغية وشعاراته وملبسه ومظهره والافتتان بزوجه ونسله.

يتذكر الرفاق البلشفيون العرب نصفَ قرن على اغتيال جيفارا، ويحتفون بجياب، وهوشي منه، وماو، ولينين، وتيتو، وعندما يموت ويُهجّر ملايين السوريين؛ يعودون إلى قاموس الثرثرة، ينفضون الغبار عن شعارات الإمبريالية، نراهم يحشرون عقولهم في صالونات ومقاهٍ، لم تحبل في يوم من الأيام، ولم تأت بمولود العدالة والحرية، ويتذكر السوريون جيدًا أن رايات الرفاق الحمراء المستبدلة بتلك الصفراء والسوداء المذهبية والطائفية، تعني كل هذا الشقاء الذي يكابده، لأن فطرته لم تقده إلى حفظ كل ما كتب لينين وتروتسكي، لكنها فطرة جعلتنا نرى جسارة السوري مدافعًا عن كرامته وحريته التي عجز عن فهمها، بعد قرن من البلشفية، كل نخب الادعاء الثوري.

لم يسأل بقايا البلشفية العربية، من النخب التي اتخذت البلطجية الفكرية متراسًا لها، سؤالًا عن بوصلة ملايين الضحايا في سورية تحديدًا، ككشاف متوهج لكل الحقائق، لم تكن وجهة الضحايا اللاجئين والنازحين نحو موسكو، أو بوخارست، أو هافانا، وحتى طهران، لم يسألوا أنفسهم: لماذا أصر السوريون على ركوب البحار، عندما لفظتهم عواصم العرب بعيدًا أو أقامت لهم سجونًا بمسميات “مخيم”، حسهم العادي لم يقدهم نحو “إرث” الأيديولوجيا البلشفية والعدالة الأممية، هل لأنه يتذكر جيدًا فرحة الروسي العادي بإزالة تماثيل لينين قبل ربع قرن، مع أن السوري احتفى بإسقاط تماثيل لطاغية دمشق وأبيه، لكنه مدرك أي سقوط مُني به بلاشفة و”بلاطجة” وطنه، ولأنه مدرك جيدًا أن إرث تلك العواصم لا يشير أبدًا إلا لأطنان الشعارات في الكتب الحمراء أو المتلطية خلف شعار الرايات الأخرى، ولا تقود إلا إلى سحق الإنسان هنا، وتمجيد بطولاته هناك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق