مقالات الرأي

هشاشة العلاقات الروسية – الإيرانية في سورية

تُدرك روسيا التي عادت إلى الشرق الأوسط، بعد غياب نسبي استمر 25 عامًا، أن إيران تحتل موقعًا مهمًّا في المنطقة، وأنها واحدة من الدول التي تجاورها في الجنوب، حيث حديقتها الخلفية في القوقاز وآسيا الوسطى. وهي مستعدة للتعاون معها في طيف واسع من المسائل الثنائية والإقليمية والدولية. ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود كثير من الأهداف المشتركة، فإن العلاقات بينهما مازالت هشة؛ لأن روسيا تعمل على رأب العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، من خلال المقايضات والمساومات.

في ظل هذه الظروف، تستخدم روسيا إيران كورقة ضغط في حوارها مع واشنطن، حيث لعبت السلطات الروسية بهذه الورقة، في أثناء فترات التقارب والتوتر مع الولايات المتحدة، إما بتجميد التعاون مع إيران تارة، أو بتعزيزه تارة أخرى. هذا ما يدفع الكرملين إلى تبنّي سياسة يستخدم فيها العلاقة مع طهران “منجمًا للفرص”، بهدف الضغط على واشنطن والعواصم الأوروبية.

في سورية، قلَب التدخل العسكري الروسي المباشر الموازينَ السياسية والعسكرية، وغيّر جانبًا من المعادلة، فقد حوّل شكل الصراع من صراعٍ، أطرافه وأدواته الأساسية إقليمية، إلى صراع مباشر بين إرادات دولية تتصدره واشنطن وموسكو؛ الأمر الذي استتبع بالضرورة التقليل من رصيد اللاعبين الإقليميين وأوراقهم.

وعليه؛ فإن الانسجام الروسي–الإيراني، الحاصل في سورية، ليس نهائيًا، وسيهتز عندما يضطر الطرفان إلى الفصل بين مصالحهما، حيث سيحتفظ كل طرف لنفسه بما يملك من أوراق القوة، منفصلًا عن الآخر. فروسيا حاولت التعامل مع القضية السورية، من منطلق كونها قوة كبرى تسعى لأن تصبح قوة عظمى، وصاحبة نفوذٍ في شرق المتوسط فقدته في ليبيا والعراق واليمن والخليج.

أما الإيرانيون فيعملون على تقليص الحصة الروسية، اعتمادًا على عدم وجود أحدٍ من خارج سورية غير الميليشيا التابعة لهم، يرغب في التورّط في القتال إلى جانب سلطة آل الأسد على الأرض، وهو ما دفعهم إلى الظن أن الكفة ترجح لمصلحتهم؛ على أساس رؤيتهم أن روسيا غير قادرة على امتلاك الأرض، ما دامت تحصر دورها في القصف الجويّ.

وهكذا، تتجلى أعراض هشاشة علاقة التوظيف المتبادل القلقة بين الجانبين في سورية، فموسكو حاولت توظيف طهران عبر استخدامها كورقة استراتيجية في صراعها الدولي المحموم مع واشنطن والغرب، علاوة على توظيف أجوائها ونشاطها العسكري البري في سورية، لخدمة المشروع الروسي هناك، فيما حرصت طهران في المقابل، على الاستفادة من الضربات الجوية الروسية لتأمين الوجود العسكري البري الإيراني في سورية، إضافة إلى كبح جماح التطلعات الغربية والعربية المعادية، وتعزيز مساعي كسر العزلة الدولية القاسية والمزمنة على طهران، وصولًا إلى توسّل إنجاح استراتيجية استبقاء الأسد، بغية حماية المصالح والتطلعات الاستراتيجية الإيرانية، المذهبية الطابع، ليس على الصعيد السوري فحسب، وإنما على مستوى منطقة الشرق الأوسط قاطبة.

وبالنظر إلى أن الطرفين أُجبِرا على التعاون معًا داخل سورية، وأن ثمة اختلافًا في دوافعهما وراء ذلك، بجانب إدراكهما لحقيقة أن بناء تحالف كامل بينهما قد يضر بعلاقاتهما بأطراف أخرى، فإنه يمكن القول إن التعاون الروسي–الإيراني وصل بالفعل إلى الحد الأقصى الممكن له، لكنه لم يصل إلى حد التباعد، فالتوافق حول المصالح المشتركة مستمر، في الأمدين المنظور والمتوسط، ويمكن إرجاعه إلى غياب مشروع حل دولي وإقليمي جدّي، ينهي الصراع السوري، ويتحمل الجزء الأكبر في هذه المعضلة التعاطي السلبي لإدارة البيت الأبيض مع هذا الصراع.

في هذا السياق، تدرك واشنطن هشاشة العلاقات الإيرانية-الروسية، إذ إن تلك العلاقات -وإن بدت متينة- تأسست على مبدأ “تحالف الضرورة”، بالدرجة الأولى، كما أنها تنطوي على تناقضات عميقة، تمثل إشكالات نائمة، من السهل إعادة إحيائها، عبر إطلاق دينامية تنافسية بين البلدين، تعيد وضع تلك التناقضات على السطح. وفي ضوء ذلك ستظل العلاقة الروسية-الإيرانية حبيسة المساحة الرمادية، بين التغيير التكتيكي والتحوّل الاستراتيجي، ويتوقف أمر اتجاهها النهائي على قدرة طرفي العلاقة المتصارعين (الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى) على جذب البوصلة الروسية في اتجاهه، بتقديم مزيد من الحوافز.

مقالات ذات صلة

إغلاق