هموم ثقافية

أبعاد التجديد وديمقراطيته في الأدب

التجديد في الآداب والفنون، بوصفه خروجًا عن العطالة النسبية أو الكلية المهيمنة، وكسرًا للقواعد التقليدية السائدة كلها أو بعضها، هو ما يجريه الأديب من تعديلات، على شكل الكتابة وأسلوبها ومضمونها معًا، حيث يفترض المجدد أنّ المُرسَل إليه أو المتلقي بات بحاجة إلى هذا الخروج على تلك الأنماط المتوارثة أو ما بلي منها، أو لأنّ الأديب ذاته قد شعر بقصور هذا الموروث عن مجاراة إيقاع العصر؛ فأراد أن يدفع به إلى المتلقي، لكي يرتقي بثقافته وحساسيته الفنية وذائقته، عبر تفاعله الخلّاق مع حركة الإبداع الأدبي المتغيرة، وفقًا لمعايير فنية وقيم فكرية تتبدل أو تعدّل باستمرار؛ لتضخّ دماء جديدة في جسد النص، تجعله أكثر قدرة على مواكبة التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا بدّ أنها قد تركت آثارها المحفزة على التغيير في الإبداع الفني والأدبي، فعبّرت عن نفسها بالعمل على مزيد من التواؤم مع إيقاعات العصر وحساسيته ووعيه وفلسفته؛ إذ إن لكلّ تغيير فلسفته وتعليلاته المبنية على نظرة نقدية للحاضر، بوصفه امتدادًا زمنيًا لماض أصاب التلف بعض جوانبه أو كلها؛ فبات الخروج عليه فضيلة مطلوبة وضرورية، للدخول عبرها في معركة تحدّ فكرية وفنية، تنجلي خلالها قدرته ومدى استجابته لدواعي التغيير، منطلقًا من حريته ومسؤوليته الأخلاقية، في تقديم المتغير الإيجابي، وما يتطلبه من تكوين حاضنته الثقافية الداعمة، لكيلا يقع في دائرة المستغلق أو المكتفي بذاته، فلا يدري به أحد ولا تؤخذ تحديثاته على محمل الجد!

وسواء كان التغيير فرديًا أو جماعيًا، لا بدّ له، من أن يخوض معركة إثبات الذات، التي لا تتمّ إلا عبر معركته، لتثبيت نموذجه المبتكر؛ حيث تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والفلسفية، كما يحدث عادة، عند كلّ منعطف وتغيير، لم يزل يعبر عن حيوية الأدب وأهمية مناخاته الحوارية الحرة المفتوحة على التجدد والتغيير المرافق لخطّ مسار التطور الفكري الديمقراطي بطبعه، لأنه يوفر الفرص المتساوية أمام كل قلم، لكي ينخرط في فعاليات التجديد أو في جبهة النمط الماضي المهيمن على الوعي والحساسية الفنية، بينما يعبّر التجديد المنهجي عن روح وثابة، تقوم على رفض قيم، استنفذت فرصتها وصلاحيتها، وصار لزامًا عليها أن تخلي الطريق للوافد الأكفأ والأحدث، ليعّبر عن نفسه ويثبت وجوده، سواء طال الجدل والحوار أو قصر.

طبيعي ألا يُفهم من كلامنا هنا، أن كلّ جديد مبتكر ومبدع، أو أنه سيقضي على كلّ حضور للقديم المنزاح، فمنذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، لم تزل قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر تتعايشان، وتسيران معًا بخطين متوازيين، إذ لم يستطع الأجد والأحدث (قصيدة النثر) أن يتفوق أو يلغي الأقدم عمرًا (التفعيلة) بل مضتا نحو اغتناء تجربة كلّ منهما منفردة، أو عبر الاستلاف المتبادل والمثاقفة بين التجربتين، فلقد أدخلت قصيدة الوزن (التفعيلة) في مضامينها بعض ميزات من قصيدة النثر، كالتركيز على انسجام البنية الداخلية للقصيدة، واستثمار المترادفات والمتشابهات والصورة المبتكرة وإيقاع الفكرة والمسافات اللونية والتوزيع الهندسي في مساحات البياض والسواد وغيرها، رغم أنّ التفارق الأكبر بينهما، قد بدأ مؤخرًا يشقّ طريقه، في تجارب مميزة من (قصيدة النثر) يكتبها جيل شاب، اختط أساليب تعبير خاصة به، تقوم على مداواة قروح الذات الانتقالية الحائرة، في مسار بحثها عن كيانها الوجودي والمعنوي، وتأكيد هذه الذات بوصفها ذاتًا، لم تزل تعمل، كي تتحرر من أي اشتراطات اجتماعية وسياسية وأخلاقية، ومن أزمة وجود، عانى منها جيل، يمتد إلى أبعد وأعمق من نصف قرن. ومعظمها يقوم على مفهوم قتل الأب فنيًا، وعلى التكثيف الشديد والصنعة العقلية المتقنة، وعلى استثمار ما استجدّ من وسائل اتصال ومعلومات، وصولًا إلى ما يمكن أن نسميه تجاوزًا بجيل ما بعد الحداثة.

حتى إنّ شاعرًا عريقًا كمحمود درويش، لا يمكن نسبته إلى جيل العولمة هذا، قد عبر في تحديثاته عن رغبته وإلحاحه على ضرورة الفصل بين الشاعر وقضيته الوطنية، إذ لطالما خشي على شعره “من الضوء ومن المفردات الكبيرة والضجيج المربك”، كما خشي أن لا تكون لشعره أهمية، غير أنه يُكتب في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وقد جاءت مجموعاته الأخيرة بدءًا من (الجدارية)، ثم (لماذا تركت الحصان وحيدًا)، و(لا تعتذر عما فعلت)، وأكثر من ذلك في (حالة حصار) و(كزهر اللوز أو أبعد)، وتميزت تجربته باستثماره قيمًا فنية باتت مشتركة بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، بعد أن جسّد فيهما بشكل خلاق، وبنسب متفاوتة، هوية الشعر، خارج التصنيفات النمطية والحواجز بين أنواعه في الكتابة وفي أساليب التعبير المبتكرة، فالشعر عنده “يجب أن يحمل قيمته في ذاته”!

واللافت في مجموعاته تلك، أن التجديد عنده، قد مضى باتجاه خاص، هو خلاصة المزج بين الوزن واللا وزن، في تجربة خاصة، أشار فيها إلى تبنيه قول أبي حيان التوحيدي: “أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم”.

لأن التجديد والتغيير سنة الحياة والكون، ولأنه يجب أن يتجاوز القشرة إلى الجوهر، ولأنه تعبير عن طموح المبدعين ومنافستهم لأقرانهم، بما يأتون به من مدهش ومغاير، ولأنّه يستجيب لهوى النفس التواقة إلى تجديد متعها وتنويعها، لكلّ هذا وغيره؛ يتوق المجدد إلى بلوغ الكمال والخلود (الأحقّ والأنبل والأجمل) وكي يكون كذلك، يجب أن يأتي تجديده تتويجًا لحالة نمو وتفاعل مضطردين، في مرحلة يكون النمط السائد المهيمن قد وصل إلى سنّ اليأس والشيخوخة، واستنفد طاقاته التخيلية والتعبيرية، وغدا عاجزًا عن الإثارة والتأثير. أو لربما جاء التجديد كأسلوب مجاور ومواز لما قبله، مما لا زال قادرًا على العطاء والتجدد في بنيته وأساليبه، ومثاله ما أشرت إليه من مجاورة بين قصيدتي النثر وقصيدة التفعيلة، حيث لم تستطع قصيدة النثر الأفتى عمرًا والأكثر قدرة على التجدد، أن تلغي قصيدة الوزن (التفعيلة) ولا حتى شذرات مما ظلّ يكتب بأسلوب القصيدة الكلاسيكية، القائمة على بحور الخليل!

لذا، كان علينا الانتباه إلى نسبية المفاهيم، ونسبية المتلقي ومدى قابليته للتغيير؛ إذ رُبّ جديد ليس له من الجدة سوى قشرته، وإذا كان ليس بمقدور أحد أن يحكم على مدى تطوّر الذائقة، عبر أجيال وأنساق متباينة من الثقافة والوعي والحساسية الفنية، فالشعر الكلاسيكي، بنبرته الخطابية وبانفعاليته الطارئة والآنية، ما زال الأقرب إلى أذواق جماعات محدودة الثقافة والوعي، وإلى سلفية المتدينين باعتبارهم مدفوعين بقوة داخلية، نحو الضجيج والبلاغة التقليدية، وصولًا إلى انسجام قوي بين الزيّ وذوق لابسه ونمط تفكيره اللاحواري وخطابه الأوامري الحاسم والقاطع، والمخالف لما تنطوي عليه إرادة التغير الواعية، باعتبارها تجسد حالة حوارية ديمقراطية عند الحداثيين، وإرغامية قاسية حاسمة عند أصحاب الوعي المتشبث بأردية الماضي السحيق وأخلاقياته وسبل عيشه.

مقالات ذات صلة

إغلاق