ترجمات

صحيفة الخبر 7: عين على إدلب وعين على كركوك!

إن العراق، منذ حرب الخليج الأولى عام 1991، وسورية منذ بدء الربيع العربي عام 2011، كلاهما يئِن تحت وطأة الصراعات الطائفية والعرقية والهجمات الإرهابية المستمرة والمتكررة.

وإن مقولة “يمكننا أن نأتي في ليلة فجأة” ليست مجرد كلمات إحدى الأغنيات، بل هي التعريف الموجز للعملية العسكرية، وبعبارة أخرى: هي صفة قوة السلام الخاصة بمتابعة ومراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، لحماية أرواح وممتلكات الناس العزّل والدفاع عنهم. نتحدث عن الأوضاع في إدلب، عن إدلب التي تقع في الشمال الغربي من سورية على بعد 60 كيلومترًا من حلب، عن إدلب المجاورة لمحافظتنا (هاتاي). إدلب التي كانت أحد أول الأماكن التي بدأت فيها الانتفاضة في وجه نظام الأسد، هي في الوقت نفسه أحد أهم مراكز الإدارة. وكان ما يقارب مئتي ألف محاصر في حلب، لمدة عامين من قبل نظام الأسد وحلفائه من الميليشيات الإيرانية، قد تم نقلهم وإجلاؤهم إلى إدلب، بوساطة كل من تركيا وروسيا، وكان من بين هؤلاء المحاصرين عناصر من تنظيمي (النصرة) و(أحرار الشام) اللذين يشكلان اليوم نواة التنظيم الذي أعاد تسمية نفسه بـ (هيئة تحرير الشام)، والتي فتحت جبهة قتال ضد الفصائل المناوئة والمعارضة لنظام الأسد بتهمة “خيانة الثورة”.

شعرتُ بالحاجة إلى سرد هذا التفصيل من أجل الآتي: إن الأوضاع في سورية هشة وزلقة جدًا، إلى درجة أنه على رأس كل ساعة قد تحدث تغيرات في المواقف وموازين القوى والتحالفات، فلم يعد يُعرف “يدُ مَن في جعبة مَن”! وخصوصًا أن نظام البعث يقوم على الدوام بأفعال يمكن تشبيهها بدور الشرطي الجيد والشرطي السيئ مع هذه المجموعات. من جهة أخرى، فإن نشاط التنظيمات التي لا تعد ولا تحصى على الأرض السورية، والتي تستعملها أو تقوم بدعمها القوى الإقليمية والدولية كالولايات المتحدة وروسيا وإيران، وسائر القوى الإقليمية والدولية، يزيد الأوضاع سوءًا، لأن من غير الممكن تحديد من الذي سيبدي ردة فعله، وأين وكيف.

لهذا السبب، وبالرغم من أن العملية العسكرية في إدلب تستند إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه في قمة أستانا؛ فإن من الصعوبة القطعَ والجزم بالأمور التي يمكن أن يجري على الأرض من مؤثرات سلبية، فكل شيء يمكن أن يحدث في أي لحظة. وعلى الرغم من التنسيق التركي والروسي والإيراني، والموافقة الضمنية للولايات المتحدة ونظام الأسد، لمراقبة سير عملية وقف إطلاق النار، فإن ما سيجلبه غموض الوضع المتداخل -في هذا البلد- في المرحلة المقبلة غير واضح على الإطلاق. وللتذكير، فقد بدرت محاولات وعمليات مختلفة من كل اللاعبين للقضاء على (داعش) وطرده من هنا.

إن الشراكة بين الولايات المتحدة وكلٍّ من PYD و PKK من جهة، وتضامن النظام السوري وإيران من جهة ثانية، والمواقف والتصرفات الروسية المختلفة، ألقت بالذين لجؤوا من حلب إلى إدلب لإنقاذ أرواحهم، في مخاطر أخرى؛ لذلك فإن حماية أرواح الناس هنا وسلامة ممتلكات رهنٌ بوقف دائم لإطلاق نار. وبحسب اتفاق قمة أستانا، فإن تركيا بقواتها العسكرية التي ستتمركز في 14 نقطة مراقبة في الشمال، وروسيا من الجنوب بقواتها المتواجدة أصلًا هناك، ستعملان على مراقبة عملية وقف إطلاق النار. أما في ما يخص الميليشيات الإيرانية، فليس ثمة معلومات واضحة إن كانت ستؤدي دورًا في هذه المنطقة أم لا.

ولكن الوضع الهش والزلق الذي تحدثنا عنه آنفًا، وبخاصة موقف النظام السوري المتذبذب، هو من العوامل المؤثرة المهمة في استمرارية هذه المخاوف. تركيا من جانبها -كما في عملية (درع الفرات)- تتحرك في هذه المنطقة بالتعاون مع الجيش السوري الحر ÖSO وتمنياتنا أن يكمل جنودنا المهمةَ الموكلة إليهم بنجاح، ومن دون أي خسائر.

بالانتقال إلى كركوك، فإن الاستعراضات الجذابة للإدارة الكردية لإقليم شمال العراق أقدمت على تحويل هذه المدينة الجميلة (ماديًا ومعنويًا) إلى خراب كامل، مستفيدة من الوضع الذي نتج منذ أن أقدمت الولايات المتحدة الأميركية على احتلال العراق عام 2003 وما بعدها. ولأن الوضع القانوني للمدينة لم يتضح بعد، بسبب الوضع الخاص لها بحسب المادة 140 من الدستور العراقي، فقد أقدمت هذه الإدارة على السيطرة على المدينة واحتلالها فعليًا مستغلة ضعف الحكومة المركزية العراقية.

لم يقتصر قيام الإدارة الكردية لإقليم شمال العراق باحتلال كركوك فقط، بل تعدى ذلك، منذ اليوم الأول وبلا هوادة ودونما استمهال، إلى عملية “تكريد” المنطقة، من خلال تزييف وتحوير السجلات الديموغرافية والعقارية، وتهجير السكان العرب والتركمان منها. وآخر ما قام به البرزاني -وهو الأمر الذي يعد بمثابة القطرة الأخيرة التي أدت إلى “طفح الإناء”- مستغلًا أوضاع وظروف البلاد والمنطقة، هو محاولته تضمين مدينة كركوك أيضًا، ليشملها الاستفتاء غير المشروع، على الرغم من كل التحذيرات والمقترحات التي تلقاها. والآن تطلب الحكومة في بغداد من البرزاني أن يقوم بتسليمها كافة المعابر الحدودية والمطارات ومراكز الإدارة، ولكن بطبيعة الحال، فإن البرزاني لا يبدي أي إقدام على مثل ذلك، ولا يبدو أنه سيقدم عليه. ولما كانت الأمور على تلك الحال؛ فإن التوتر والتصعيد يبلغان حدهما الأعظم، يمكن القول قولًا واحدًا إن الأوضاع في كركوك هي على هذا النحو. ونرجو أن يعمد البرزاني إلى التخلي عن تعنته هذا، وأن يتم التوصل إلى حل للمسألة، تسلك فيه الطرق السلمية قبل أن يتم اللجوء إلى اشتباكات دامية مجددًا، ولكن هذا الموضوع يبقى احتمالاته ضعيفة مع الأسف!

إن القوة التي ستعمل على الضغط على الإدارة الكردية للإقليم، باسم الحكومة المركزية في الوقت الحاضر، هي القوات المعروفة باسم (الحشد الشعبي) المكون من الميليشيات الشيعية، وقد قيل الكلام الكثير الذي لم ينتج أي ثمرة عن ممارسات هذا التنظيم سابقًا، وخاصة في الفلوجة في أثناء قتال تنظيم (داعش)، وعما قام به من ممارسات قمعية وظالمة تجاه السكان السنّة.

والآن، ماذا لو قامت هذه الميليشيات بالممارسات نفسها في كركوك؟ والأكثر من ذلك، ماذا على سكان كركوك فعله، وهم الذين يعانون ويكابدون مرارة الحرب منذ عام 1991، والحرب الأهلية والهجمات الإرهابية التي لا تعرف انتهاء؟ إلى من سيلجؤون؟ إن أطماع البرزاني وأحلامه المستحيلة كانت -مع الأسف- استنهاضًا ودعوة لكارثة جديدة!

 

العنوان الأصلي للمقالة Bir gözümüz idlib’ de bir gözümüz kerkük’te
الكاتب İsmail KAPAN.
المصدر وتاريخ النشر 14.10.2017/صحيفة الخبر 7
رابط المقالة http://m.haber7.com/yazarlar/ismail-kapan/2447271-bir-gozumuz-idlibde-bir-gozumuz-kerkukte
المترجم علي كمخ

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق