أدب وفنون

الحجاج قام

بعد أن خصى الحجاج الثقفي أوادم “بلدة الزعفران”، في آخر ظهور له منذ سنوات ليست بعيدة.. ها هو يعود إلى الظهور ثانية. لم ينتبه أهالي وسكان تلك المدينة الساحلية، إلا والحجاج يحط فيها فجأة، وفي إحدى الشاليهات من رمالها الذهبية تحديدًا، أخذ يروح ويجيء، كما أيّ مصطاف عادي.

لم يكن غريبًا على “بلدة الزعفران”، بخاصّة في السنوات الأخيرة، أن يتشارك شواطئ بحرها كثير من الهاربين من جحيم المناطق الحامية، فشواطئ المتوسط ها هنا هي دائمًا صورة عن هذه التشاركية، ليس في هذه الأيام فحسب، بل منذ قرون طويلة! المفاجأة في الحقيقة لم تكن فقط أن يهبط الحجاج إليها، المفاجأة الأكبر كانت أن يقوم من قبره مرة أخرى! ثم ينتقيها مكانًا لإقامة طويلة نسبيًا (آخر مرة لم تكن إلا ساعات لا غير)، وعلى الرغم من أن بعض فعاليات المدينة تشاءمت كثيرًا من هذه الزيارة التي ذكّرتها بخصي كثيرين من “أوادمها” في القيامة الأخيرة. لكن الحجاج هذه المرة لم يُظهر أيّ تصرف يثير الشكوك ولا الريبة، على العكس تمامًا، بدا متواضعًا وقريبًا من الجماهير، واستغرب الأهالي ذهابه وإيابه وتحركاته بينهم، بلا حماية ولا حراسة، حتى من دون زعيق سيارات، أو استعراض مرافقة، أو إطلاق نار عشوائي هنا أو هناك!  كثير من المواطنين لم يعرفوه للوهلة الأولى حين رأوه، أمّا الذين عرفوه مباشرة، فقد جعلوا يراقبونه خلسة وهو يتمشّى في أسواق المدينة، أو “يتبضّع” الخضروات والفواكه، أو يساوم في أسعار بعض أنواع السمك… وهكذا بعد أقلّ من يومين، صار مرأى الحجاج متوقعًا هنا أو هناك، وفي أي مكان! شوهد على الشاطئ الرملي حافي القدمين، وشوهد في الرياضات الصباحية الشاطئيّة يهرول، كما شوهد بلباس “المايو” وهو ينزل إلى البحر سابحًا، أو غاطسًا، أو متشمّسًا على الرمال الدافئة، أو جالسًا يتأمل المدّ والجزر لا غير، وهو يقرقر نرجيلة، كأي مصطاف عادي ابن عادي ابن عادي.

في بعض الأمسيات، لم يخفِ كثير من الشباب استغرابهم، من أن يشاركهم الحجاج الحوارات السياسية، والتحليلات الاقتصادية، ووجهات النظر في الموالاة والمعارضة والفساد، والحلّ السياسي لحالة الاستعصاء التي تضرب المنطقة العربية هذه الأيام، ومثله مثل أي مواطن كان يتأفف من الأسعار والغلاء وانحسار القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود.

في الواقع، كان الحجاج قد أبدى، أمام بعض جلسائه -في أكثر من مرة- تفاؤله بالمستقبل المحلي بخاصة، والمستقبل العام في المنطقة العربية بعامّة، رغم كل الضجيج الإعلامي والصراعات الإقليمية، ورغم شراسة المؤامرات الخارجية والحروب.

لم يكن هذه المرة من أنصار التشاؤم، ولا من أنصار جلد الذات، بأي شكل من الأشكال! كان يقول حين يشتد النقاش، أو يطغى جو اليأس: “على مهلكم يا شباب، على مهلكم يا شباب”! معقول أنكم لا تلاحظون أن العالم لم ينتهِ بعد، وأنّ الحياة ما زالت مستمرة! معقول أنكم لا ترون أن الشمس ما زالت تشرق من الشرق، ثم تغرب في الغرب كل يوم؟!

كان يرفع إصبعه المعوجّة قليلًا، من كثرة كتابة الخطابات والتهديد بها، أيام زمان، يرفعها هذه الأيام، كأنه يشير بها نحو بوابات المستقبل قائلًا: ستفاجَؤون! متأكد أنكم ستفاجَؤون بما لم يخطر لكم في بال، ليس على المدى البعيد من السنين، بل على مدى القريب من الشهور!

في الواقع، فوجئ الكثيرون بعوج هذه الأصبع المتفائلة المحبة للحياة، والمتعاطفة مع الآخرين. كما لم تفارقه روح النكتة التي لم تكن من ظاهر طبعه في كلّ الظهورات السابقة!

أمر لا يصدّق؟ لا، لا، أمر لا يصدّق! ليس هذا هو الحجاج الذي كان أيام زمان.  معقول أن تكون كل تلك الروايات والأخبار التي نسبت إليه، أو دارت حواليه، مجرّد تلفيقات، فبركتها عقول هواة تزوير حقائق التاريخ؟

من يدري قد يكون الحجاج مظلومًا، كما كثير من رجالات التاريخ العظام!

قضى الحجاج أسبوعًا كاملًا في ربوع تلك البلدة، في أسواقها، ومحالّها، وشواطئ بحرها، وشاليهاتها، وشوارعها، وقبل هذا ومعه وبعده، بين أهلها وشبابها وصباياها… دونما ضجيج ولا عجيج، ولا أي مظهر من مظاهر جنون العظمة، أو أي جنون آخر، إلى أن غادر.

غادر حين غادر على أنقاض سهرة في “المجمع البحري”، مع العديد من الأصدقاء الذين تعرف إليهم، وأضافهم إلى لائحة أصدقاء (فيسبوك) و(تويتر).. غادر دون أن يترك وراءه أي أثر سيّئ، لكن دون أن يكتشف أحد السرّ القابع خلف هذه الزيارة الطويلة! حتى إنها بدت كأنها لا مبرر لها، أو لا معنى للقيامة، عندما تكون مثل هذه القيامة.

حين نامت العيون على كثير من الأحلام بحقيقة تبدّل طباع الحجاج، وحقيقة إمكان أن ينحرف مجرى نهر التاريخ عن مجراه، تم الكشف عن أربع مكالمات غريبة!  يبدو أن الحجاج لم ينتبه لحذفها، أو لم يكترث لإلغائها من ذاكرة الجهاز:

مكالمة أولى طويلة مع جهة إقليمية.. مكالمة ثانية أكثر طولًا مع جهة غربية.. مكالمة ثالثة هي الأطول مع جهة شرقية.. ومكالمة رابعة أطول من الجميع مع جهة مجهولة الجهة والهوية! وذلك -في الحقيقة- كان يمكن أن يكون عاديًا، أو شبه عادي، لولا سماع التسجيل الصوتي.

المكالمات كلها كانت تدور حول موضوع واحد وحيد ابن وحيد، وفي فلك حالة وحيدة بنت وحيدة، هي أقرب إلى الخلاف في وجهات النظر، حول السعر المناسب لهذه المدينة التي يعرضها للبيع! بخاصّة بعد أن تمّ التأكّد من حقيقة بيعه لأكثر من عشرين مدينة، في أقلّ من عشرين دولة من دول المنطقة، قبل هذا الظهور، وقبل قيامة هذه القيامة.

مقالات ذات صلة

إغلاق