تحقيقات وتقارير سياسية

المنطقة الشرقية ومسؤوليتنا

إحدى أهم المعضلات التي تطرح نفسها بقوة على السوريين المنتمين إلى الثورة ترتبط بأوضاع المنطقة الشرقية بمحافظاتها الثلاث: دير الزور والرقة والحسكة، مصيرها ومستقبلها على ضوء المجريات الراهنة، وتقاسم مناطق النفوذ بين الأميركيين والروس، وحشر إيران لوجودها بقوة، فضلًا عن دور (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، وما يُعرف بـ “قوات سورية الديمقراطية” التي تتوغل في هذه المناطق ذات الأغلبية المطلقة، أو الصافية، حيث لا يتجاوز الوجود الكردي في الرقة 2 بالمئة، بينما ينعدم تمامًا في دير الزور، وتبقى الحسكة المختلطة بين العرب والسريان الآشوريين والأكراد مجال تباينات في النسب، في حين تسيطر قوات (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي على هذه المحافظة، وتقيم نظامًا أقرب إلى الفيدرالية.

قبل أعوام، حين طرح الأميركيون والأوربيون على الائتلاف المشاركة في “التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب”؛ رفض الائتلاف قبول الدعوة الأميركية من منطلق اقتصارها على محاربة الإرهاب دون النظام الذي يعدّه الائتلاف خلاصة الإرهاب، وأحد دعائمه الرئيسة، هو والميليشيات الطائفية المستوردة، كما اعتبر (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي تنظيمًا إرهابيًا، لا يمكن التعامل معه.

جرت نقاشات متتالية -وتجري- حول صوابية ذلك القرار الرافض، وهل كان السبب هو الاتجاه الأميركي نحو (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي ودعمه عسكريًا بفاعليةٍ جعلت قدراته تتطور بشكل كبير، ثم إنشاء ما يعرف بـ “قوات سورية الديمقراطية” ومشاركة نسبة تتعاظم من العرب فيها؟ أم أن الأميركيين، بوجه الخصوص، يدعمون مشروعًا كرديًا منذ وقت طويل، ويرون أن تلك القوات التابعة لـ (حزب العمال الكردستاني) حليف يمكن الاعتماد عليه؟

يُحمّل الأميركيون الفصائل العسكرية التابعة للجيش الحر مسؤولية النتائج التي حصلت باستبعاد السوريين من المشاركة في معارك تحرير تلك المناطق من (داعش) والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وفشلهم المتواتر في بناء قوات عربية مسلحة، أو في استعداد جلّ الفصائل لمحاربة تنظيم القاعدة، بمسمياته المختلفة، وبالتالي (منطقية) استبعادهم من المشاركة في مراحل الحرب، أو في الإدارة المدنية.

هذه الوضعية الإشكالية تحمل في صلبها ظلمًا وتعسفًا بحق أهالي المنطقة، وتفتح المجال لحروب أهلية وثأرية، بين العرب و(قوات سورية الديمقراطية) المسيطَر عليها وعلى قرارها من قبل (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، ومن هنا جرت وتجري محاولات حثيثة لتمكين أهالي المنطقة الشرقية، خاصة في الرقة ودير الزور، من استلام مقدرات محافظاتهم، وتحمّل مسؤولية إدارتها مدنيًا، بكل المستلزمات الواجبة من إيجاد مجالس محلية منتخبة تمثل أغلبية السكان وفعالياتهم، وبناء قوات محلية للشرطة من أبناء المنطقة، وقضاء مستقل، وقوة حماية وحفظ الأمن.

اتصل الائتلاف مرارًا بالجهات الأميركية، يعرض عليها استعداده لرعاية مؤتمر وطني موسّع لأبناء الرقة، يضمّ معظم فاعلياتها، ويقوم بانتخاب هيئة إدارة مدنية أو مجلس محلي للمحافظة، ومجالس فرعية للمناطق، واحترام نتائج الانتخاب، ثم الشروع ببناء قوة للشرطة المحلية من الضباط المنشقين أبناء المحافظة، تتولى حفظ الأمن وحماية المواطنين، وكذلك في إنشاء مجلس قضائي بالتعاون مع النقابات المهنية من القضاة والمحامين.

تقدّم الائتلاف كذلك بجملة من البنود التي تشكل حزمة متكاملة، بدءًا بدعم المجلس المحلي المنتخب، ولكن في الوقت نفسه لا يطرح احتكاره لتولي مسؤولية الإدارة المحلية، وإنما اللجوء إلى الانتخابات المباشرة، والمدعومة لخروج جميع القوات والميليشيات الأجنبية من المحافظة -مدينة وأقضية وقرى- والإفراج عن المعتقلين، وعودة اللاجئين والمهجرين، وتشكيل لجنة للمصالحة والسلم الأهلي وتعزيز علاقات الأخوة بين الجميع، ورفض الثأر والإقصاء.

على صعيد دير الزور، وتأكيدًا على وحدتها ومنع تقسيمها، مدينة وريفًا، أقام الائتلاف بتاريخ 15 و16 الجاري ورشة عمل ضمّت فعاليات مهمة من المحافظة، تمثل أطيافًا مهمة من السياسيين والعسكريين والعشائر والعاملين في الحقل الإنساني والإغاثي، وأكد المجتمعون على رفضهم لتقسيم المحافظة بين مناطق النفوذ الروسي والأميركي، وتمكين النظام من العودة إلى المدينة، وكذلك تدخّل “قوات سورية الديمقراطية”، وإنشائها لمجلس محلي يُنافس المجلس المنتخب من قبل مجموعة واسعة من الأهالي. كما أعلنوا، عبر غرفة العمليات العسكرية الموحدة، استعدادهم للمساهمة في تخليص دير الزور من (داعش)، بل تكفلهم وحدهم بطردها، حين تتوفر وسائل دعم عادية لهم، وانخراطهم في بناء الجيش الوطني الحر.

على الصعيد الإنساني والإغاثي، بعد لقاء مع مسؤولين أتراك، يجري العمل لإنشاء مخيمات سريعة للنازحين في جرابلس، ويمكن تطويرها إلى إعزاز وعدد من المناطق السورية، وتأمين ممرات لإيصال المساعدات للنازحين في الصحراء والعراء.

إن تمكين أهالي دير الزور من إدارة شؤونهم بأنفسهم حق طبيعي، يجب العمل لتجسيده مع مختلف القوى المهيمنة على الوضع، خاصة التحالف الدولي وروسيا، وسيجري العمل على التحضير لمؤتمر وطني موسع لأهالي المنطقة، ينتخب هيئةً لإدارة المحافظة، وتولي المسؤولية فيها، وما تقتضيه من تشكيل أجهزة للشرطة والقضاء وحماية وإعادة المهجرين واللاجئين، والإفراج عن المعتقلين والمحتجزين، وتشكيل لجنة للمصالحة والسلم الأهلي، تتولى حل المنازعات، ومواجهة إرث المرحلة الداعشية، والنظام، وتفكيك المفاهيم الرائجة عن أهالي دير الزور الذين اضطروا إلى التعايش مع وجود (داعش)، والنظام بتكريس المواطنية، وعلاقات الأخوة والوحدة.

ولا بدّ من اقتحام وضع الحسكة الذي بات وكأنه احتكار لـ (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي عبر تنشيط دور المجلس الوطني الكردي، والقوى العربية، والمنظمة الأثورية السريانية، وتقوية الحراك الشعبي الموحد.

على الرغم من تحديات المرحلة، ووجود مشاريع متناطحة ومتناغمة، تريد فرض نفسها عبر ما يعرف بمناطق النفوذ، إلا أن فرصًا واسعة ومتنامية لقيام قوى الثورة بدورها المأمول، في إعادة الثورة إلى طبيعتها السلمية، الشعبية، ودعم الحراك الشعبي والسياسي للحفاظ على وحدة سورية الجغرافية والسياسية والمجتمعية، ومواجهة الأخطار والمتغيرات بميزان قوى على الأرض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق