أدب وفنون

في تلك الليلة الظلماء..

ثمة مواقف يمرّ بها الإنسان، تترك في داخله شروخًا لا تندمل، وأثلامًا لا يطويها النسيان. ما زلت أذكر ذلك الخوف، والاضطراب النفسي، الذي هزّ كياني في أول مواجهة لي مع أجهزة قمع النظام في مطلع العام 1977.

تسرّب لي في ذلك النهار معلومة، عن حملة اعتقالات تستهدف “رابطة العمل الشيوعي”. لم يكن لدي أي خبرة في التعامل مع حالة كهذه. سارعت إلى تنظيف بيتي من أدبيات التنظيم، ومنشوراته، لكني –على مجرى عادتي في التردّد– لم أحسم أمري تجاه الخطوة التالية: هل عليّ التخفي، والتواري عن الأنظار، أم أن الحملة لن تطالني؟!

مضت ساعات ذاك النهار بطيئةً.. ثقيلة. تقاذفتني خلالها هواجس وأفكار متلبّدة، وشديدة الوطأة. في المساء، كنت على موعد مع شقيقتي لحضور حفل في الجامعة. لا أدري كيف وافقت على الذهاب معها، رغم الحالة التي أنا عليها. ربما كان سلوكي ذاك، هو شكل من أشكال الهروب إلى الأمام، كي أقنع نفسي أني بمأمن عمّا يجري حولي.

قضيت ساعات الحفل متوترًا. أعوم في لجّة ضباب كثيف، يحجب عني الرؤية، وسلامة التفكير. كنت مفصولًا عن الواقع. خارج الزمان والمكان. أتقوقع داخل شرنقتي التي كادت تخنقني!

عدت إلى البيت مع شقيقتي نحو الساعة الثانية عشرة ليلًا، متجاهلًا الرنين الداخلي، الذي كان ينبعث من أعماقي منبّهًا بإلحاح إلى خطورة العودة للبيت.

قبل أن نصل ببضعة أمتار، شاهدت سيارة “لاندروفر” مركونة إلى جانب الطريق، قبل البيت بقليل. أبوابها مشرعة، وأضواؤها مشتعلة؛ راودني الشك أن عناصر الأمن باتوا بانتظاري. لم أطلب من سائق التكسي التوقف أمام البيت تمامًا، بل بعد تجاوزه بقليل. ناقشت الأمر مع شقيقتي همسًا: ماذا سنفعل؟!

كان من الصعب عليّ، بل من النذالة أن أتركها تدخل وحدها، وليس واردًا أن تذهب معي للمبيت خارج البيت مراعاة لمشاعر وتقاليد أسرتي المحافظة، خاصةً أن ما من وسيلة للاتصال بهم. رغم كل المؤشرات لم أكن على يقين كامل بعد، بأن المخابرات بانتظاري، لذا قررنا دخول البيت!

كان بيتي في ذلك الحين، يقع في قصر شمعايا، بدمشق القديمة، وهو اسم المكان الذي حمل عنوان روايتي الأولى. ما إن دخلنا دهليز الحارة المغلقة، حتى فوجئنا بعناصر مسلّحة من الأمن ينتشرون في المدخل، وأضواء بيتنا المطلّة على الدهليز مشتعلة، رغم أن الوقت بات متأخرًا؛ أيقنت في تلك اللحظة أنني علقت في شباكهم. الغريب في الأمر أنهم لم يعترضوا طريقنا، لأنهم – كما يبدو- كانوا على ثقة، إذا كنت المعني، فثمة من في الداخل بانتظاري. مررنا بهدوء من بينهم، دون أن نبدي أي حركة تثير ارتيابهم، لكن “الأدرينالين” اشتعل داخل جسدينا في تلك اللحظة، ولا أدري كيف حسمت ترددّي بثواني: أمسكت بيد شقيقتي، التي فهمت على الفور الإشارة، وبدلًا من الانعطاف يمينًا باتجاه الدهليز الذي يفضي إلى بيتنا، انعطفت معها يسارًا باتجاه الدهليز المقابل له. نقرت بضع نقرات على بيت جيراننا، كي لا ألفت انتباه عناصر الأمن. مرّت دقيقة، أو دقيقتان –ربما- كأنهما دهرًا كاملًا، قبل أن يفتح الجار الذي استيقظ من نومه. اندهش الرجل حينما رآنا، مستغربًا أن نقرع بابه في هذا الوقت المتأخر. همست في أذنه همسًا، شارحًا على ارتباك المأزق الذي نحن فيه، وطلبت منه السماح لنا المبيت في بيته. فجأةً جحظت عيناه اللتان طار النوم منهما، وأول ردة فعل عفوي له، كان أن رفع ذراعه، وأسند يده إلى حافة باب بيته، بحيث أصبحت ذراعه حاجزًا أمام وجهي تمامًا. كأن حركة جسده تلك تقول: لا.. لا أريد التورط معكم. في الوقت ذاته لم يفه بأي كلمة، بل غرق لثواني في صمت عميق.. يفكر بتبعات قراره. إذ كان من الصعب عليه أن يرفض، ومن الصعب أن يقبل. تكثفت وتصارعت في داخله – بالتأكيد – في تلك اللحظات، كل القيم والهواجس، والخوف المتراكم. من جهة لا تسمح له الشهامة، والحمية، والعلاقة الإنسانية التي تربطنا كأصدقاء، وجيران بخذلاننا، ومن جهة أخرى خاف من التورط مع الأمن، في حال انكشف أمرنا، وهو العارف، بما سيجرّه عليه ذلك من تبعات.. ومساءلة. بعد لحظات كانت شديدة الوطأة علينا جميعًا. أنزل الرجل ذراعه بتباطؤ، وقال: تفضلوا.

أخذني إلى غرفة علوية، فيما انضمت شقيقتي إلى زوجته ووالدته اللتين استيقظتا على وقع أصواتنا. فوجئت حين دخول الغرفة بازدحامها بالنيام، من أشقاء الجار، وأقاربه. لم أجد تفسيرًا للأمر، والموقف كله أساسًا لا يسمح بالشرح، أو السؤال.

أحضر لي فراشًا، اندسست فيه على عجل، لعلي أطرد أصوات الجحيم التي كانت تعصف برأسي، وتخفف من حالة التوتر الشديد الذي ينتابني. لكن من أين لي الاسترخاء في تلك الحالة، وعشرات الأسئلة، والاحتمالات، والأفكار السوداء، وشياطين الأرض تنهش روحي؟!

راحت الصور تتزاحم في مخيلتي: شكل المحقق.. أساليب التعذيب.. هل سأصمد في حال وقعت بين أيديهم، وأحافظ على كرامتي، أم سأنهار وأعترف بالمعلومات التي بحوزتي؟! لم يفارقني طيف وجه أمي، والألم الذي يعتصرها الآن. ملامح والدي العجوز.. تُرى كيف واجهوا انتهاك حرمة البيت؟ هل تعرضوا للإهانة والإذلال بسببي؟! ما هو حال شقيقتي الآن التي وجدت نفسها في هذا الموقف المحرج؟! ما الذي سأفعله للخروج من المأزق، وهل غادر عناصر الأمن البيت، أم ما زالوا يحتلونه بانتظاري؟!

أسئلة متشابكة لم تكفّ عن الهطول الغزير، وكلما طردت بعضها؛ تدفقت أخرى بإلحاح، دون رحمة، حتى كاد رأسي ينفجر. مرّت ساعتان –ربما– وأنا على تلك الحال. نهضت بعدها أبحث عن رشفة ماء، كي أبللّ حلقي الجاف، وأخفّف من دقات قلبي المتسارعة التي لم تتوقف عن الخفقان. فوجئت أن الجار وأسرته، هم أيضًا لم يناموا بعد. طلبت من الجار أن يحضر لي كوب ماء، وعدت إلى مكاني في الغرفة العلوية. شعرت أنه تأخر؛ فساورني الارتياب. ربما راجع نفسه وقررّ أن يسلمني. لا.. مستحيل قلت لنفسي مؤنبًا. مزّقت في تلك الأثناء أصوات ارتجاج أنابيب المياه سكون الليل والصمت؛ فسرت قشعريرة باردة في جسدي. أخيرًا جاء الجار حاملًا كأسًا وإبريق ماء، ومعه شقيقتي التي لم تكن أقلّ مني قلقًا. سألتني: ماذا سنفعل؟!

يفصل بيتنا عن بيت الجار سطح كنيس يهودي، يطلٌ على غرفة بيتنا العلوية من الخلف. كان كلّ همّي هو طمأنة أهلي، والتواصل معهم بطريقة ما.

سألت شقيقتي: هل بإمكانك التسلّق إلى سطح الكنيس، والزحف حتى لا تظهر ظلالك لعناصر الأمن الذين يحاصرون البيت، ثم التسلل إلى غرفة جارتنا الأرملة أم تيسير؟! هزّت رأسها بالموافقة؛ فنبهتها: إياك أن تنزلي إلى غرفتنا، قد يكونون هناك.

لا أدري كيف مضت الساعات المتبقية، وكم من الأشياء قد ماتت في داخلي، وكم من الأشياء استيقظت. مع خيوط الفجر الأولى، وقبل أن يستيقظ النيام، جاءت والدة جارنا العجوز، حاملةً معها كيسًا يحتوي قميصًا، وألبسة داخلية. ناولتني مئة ليرة سورية قائلةً: هذه من والدتك. اطمئن، لا تخف عليهم. أخذوا والدك إلى فرع الأمن للتحقيق، وأعادوه. المهم أن تخرج من هنا، وتفلت من بين أيديهم.

أضافت: تعال معي. هناك باب خلفي، يؤدي إلى الجانب الآخر للحارة. سأمشي أمامك. أراقب الحركة، حتى تبتعد. لا أنسى ما حييت شهامة هذه المرأة الشجاعة، التي عاملتني بلهفة وحنان أم ثانية. حينما شعرت بالأمان، ودعتها ومضيت في طريقي. لوّحت بيدها قائلة: الله يسهّل أمرك، ويعمي عيونهم عنك.

مشيت حائرًا على غير هدى، لكني أدركت أن صفحة من حياتي قد انطوت، وصفحة جديدة قد انفتحت، لا أدري إلى أي مرفأ ستقودني، وكيف سيتحدّد مصيري على ضوئها، لكني أدرك اليوم أن آثارها لا تطالني فحسب، بل تطال شعبًا، وبلادًا بأكملها.

علمت فيما بعد، أن شقيقتي تعرضت للمراقبة، والاستدعاءات الأمنية، لأنهم شكّوا بأمرها، حينما خرجت في اليوم الثاني إلى عملها من البيت كالعادة، وهذا يتناقض مع أقوال أهلي، على أنها كانت برفقتي في الليلة السابقة. لكن الخبر المؤلم الذي سمعت به لاحقًا، أن تلك الأسرة الكريمة التي احتضنتني في تلك الليلة الظلماء، كانت تعيش حدثًا عائليًا مأسويًا، لم تبح به أمامي في حينه، نظرًا إلى الحالة التي كنت فيها. إذ كانت طفلة هذا الجار العزيز، ابنة السبع سنوات قد تعرّضت في ذلك اليوم لحادث سير أودى بحياتها، والأسرة في مأتم، الأمر الذي يفسّر لماذا لم يعترضنا رجال الأمن، حينما مررنا من بينهم، واكتفوا بالمراقبة، لأن المعزّين لم يكفّوا في تلك الليلة عن التوافد إلى بيت هذا الجار، وبالتالي ظنوا أننا من أقاربهم المفجوعين بالحدث.

فسّرَ لي هذا الحدث المأسوي أيضًا التساؤل الذي راودني في حينه، عن سبب ازدحام الغرفة التي دخلتها، بأشقاء وأقارب الجار النيام.

تمضي السنون، وتطوينا الأزمان. رحل والدي إلى عالم الأبدية، ولحقت به شقيقتي وهي في زهو شبابها وأمومتها، وكذلك والدتي.. وتلك المرأة الشجاعة، وهذه حال الدنيا بطبيعة الحال، لكني فُجعت أخيرًا على نحو خاص، بخبر استشهاد جارنا الجميل في قصف النظام الجائر على مخيم اليرموك عام 2012، ليدفن معه ذلك السر الذي جمعنا، ووحدّ بيننا في تلك الليلة الظلماء التي اختزلت أرقى وأنبل المشاعر الإنسانية، وأحقرها.

مقالات ذات صلة

إغلاق