ترجمات

مصرع الجنرال زهر الدين شكّل خسارةً هائلةً لسورية

الصورة: ميخائيل فوسكرينسكي/ وكالة ريا نوفوستي

 

نجاحات الجيش السوري تترافق أكثر فأكثر بخسائر جسيمة ونوعية. تصبح هذه الخسائر مؤلمةٌ، خاصةً أن الحرب الأهلية تقترب من نهايتها بشكلٍ واضح. آخر هذه الخسائر كانت مقتل أحد أشهر جنرالات الجيش الحكومي عصام زهر الدين، نتيجة انفجار لغمٍ بسيارته. فبمَ اشتهر هذا الجنرال، ولماذا شكل مقتله ضربةً موجعةً للأسد وللجيش السوري؟

قُتِل الجنرال الذي كان مسؤولًا عن الدفاع عن دير الزور طيلة الأعوام الثلاثة الماضية. وجاء في إعلان أركان الجيش الحكومي السوري “اليوم، قُتل الجنرال عصام زهر الدين، نتيجة انفجار لغمٍ بسيارته في منطقة جزيرة حويجة صكر”. وتقول المصادر العسكرية أيضًا: إن الجنرال كان يقود عمليةً خاصة لتمشيط الجزيرة قرب دير الزور، عندما اصطدمت سيارته بلغمٍ، سبق أن زرعه مقاتلو “تنظيم الدولة الإسلامية”.

قضى الجنرال (56 عامًا) جلّ حياته يخدم في قوات النخبة في الجيش السوري، ويُعدّ زهر الدين، إلى جانب الجنرال سهيل الحسن، واحدًا من أكثر القادة الميدانيين نفوذًا وخبرةً مهنية.

وُلد زهر الدين في مكان غير بعيدٍ من الحدود الأردنية، في محافظة السويداء التي كان الرومان يسمونها (ديونيسيوس) بسبب خمورها الاستثنائية، التي يحتكر إنتاجها -حتى اليوم- الدروز، الذين يقطنون المنطقة (إنتاج هذه الخمور تقليد شعبي، كما هو حال إنتاج نبيذ الكاهور عند المسيحيين الموارنة).

بعد تخرجه من الكلية الحربية في عام 1982، بدأ زهر الدين حياته المهنية قائدًا لسرية من الوحدات الخاصة/ إنزال جوي. في عام 1987، نظرًا إلى إخلاصه وموهبته وتفانيه؛ نقل زهر الدين إلى قوات الحرس الجمهوري المدرعة التي شُكّلت لتكون مرتكز السلطة العسكري. كان اللواء 104 حرس جمهوري يُعدّ -وما يزال- نخبة النُخبة في الجيش العربي السوري. وكانت قيادة هذا اللواء توكل على الدوام إلى أحد أفراد عائلة الأسد، أو أحد المقربين منهم. كان اللواء 104 بقيادة الأخ الأكبر للرئيس الحالي، باسل الأسد “المرعب” أحد إيقونات سورية ووريث السلطة الأساسي، وبقي تحت قيادته حتى يوم مقتله في حادث سيارة عام 1994. بشار الأسد نفسه، كان قائدًا لهذا اللواء.

أما عصام زهر الدين، فأصبح قائدًا للواء مع بداية “الحرب الأهلية”، وهو درزي ليس بالولادة، ولم يكن من أقارب آل الأسد العلويين. المشكلة أن اللواء 104، قبل زهر الدين، كان بقيادة مناف طلاس، ابن وزير الدفاع السوري “الأبدي” (من 1972 وحتى 2002) مصطفى طلاس، الرجل الثاني نفوذًا في البلاد أيام حكم حافظ الأسد. أما مناف، فكان صديقًا شخصيًا مقربًا من بشار الأسد، ودرس مع باسل الأسد في الكلية الحربية. كان مناف طلاس، قبل اندلاع “الحرب الأهلية” الذراعَ الأيمن للرئيس الشاب بشار الأسد، عمليًا. على ما يبدو، وبحسب التقاليد غير المعلنة في الحياة السورية، كان ابن مصطفى طلاس يتهيأ ليصبح في عهد الرئيس الجديد (في البداية باسل، ثم بشار) على ما كان عليه والده في عهد حافظ الأسد. أي الساعد الأيمن والكاردينال الأسود. ويُعدّ التوريث بين الأجيال في الشرق الأوسط أمرًا مزاجيًا.

مناف طلاس بالتحديد، كان يشارك، بصفته ممثلًا عن بشار الأسد، في الكثير من المفاوضات السرية مع المعارضة الوليدة ومع الدول الأجنبية. ويمكننا أن نتصور قوة الضربة النفسية التي تلقاها الرئيس السوري، عندما انتقل صديقه المقرب وذراعه الأيمن إلى صف المعارضة، ودخل في قيادة الجيش السوري الحر، أي ما يسمى المعارضة المسلحة المعتدلة.

في عام 2012، هرب مناف طلاس نهائيًا من سورية إلى فرنسا، بدعمٍ من رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان. وفي الوقت الحالي، يُحاط مكان تواجد مناف طلاس بتكتمٌ شديد. خيانة كهذي لا تُغتفر، مع أن بشار الأسد بقي وقتًا طويلًا يحجم عن اضطهاد رفيق الطفولة، واكتفى بوضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله. اقتصرت مراقبة مناف على الرقابة من خارج المنزل؛ ما مكنه في نهاية الأمر من الهروب من البلاد.

الرئيس السوري شخصٌ ميالٌ للانعكاس، أكثر مما يتصورون في الغرب، ولهذا سببت خيانة صديقه له ضربةً نفسيةً قاسية. بعد كل هذه الأحداث؛ انتقلت قيادة دبابات اللواء 104 حرس جمهوري إلى رجلٍ درزي متواضع النسب، عصام زهر الدين، الذي تبين أنه أكثر وفاءً بكثير من “الصديق” الموروث طلاس.

العلاقات بين المجتمعات الدينية والإثنية في الشرق الأوسط معقدةٌ، ومتداخلة إلى درجةٍ لا يمكن لجميع الهياكل من نوع “الحليف-العدو”، ببساطةٍ أن تبقى ثابتة. فعلاقة المجتمع الدرزي بسلطة الأسد في سورية تغيّرت، خلال العقود الماضية، تغيرًا جذريًا، من الدعم المطلق إلى العداوة الصريحة. زعيم الدروز “الصديق السابق للشعب السوفيتي”، عضو رئاسة المجلس العالمي للسلم الذي يتخذ من موسكو مقرًا له، ونائب رئيس الاشتراكية الدولية وليد جنبلاط، كان يكره حافظ الأسد، ويتهمه باغتيال والده كمال جنبلاط. وانتقامًا لمقتله أمرَ بعزل القرى المسيحية (الموارنة) والعلوية في منطقة جبل الدروز (مكان تجمع الدروز الرئيسي في سورية). ولكن وليد جنبلاط اضطر في عام 1982 إلى الهروب إلى دمشق، حيث طلب من حافظ الأسد تأمين الملاذ والمساعدة. بعد احتلال لبنان من قبل القوات السورية، دخل وليد جنبلاط شخصيًا في الحكومة اللبنانية تحت حماية السوريين. وبعد وصول بشار الأسد إلى السلطة، تجرأ جنبلاط (فليس وحده من اعتبر الطبيب الشاب القادم من لندن الحلقة الأضعف في عائلة الأسد)، وراح يتخذ مواقف عدائية متطرفة ضد سورية، وطالب بخروج القوات السورية من لبنان. حتى إنه التقى كونداليزا رايس، وطلب منها المساعدة الأميركية في الصراع مع سورية.

الدروز طائفة مغلقة تقارب 1.5 مليون (يمكن أن يكون الإنسان درزيًا بالولادة فقط)، ذات عقيدةٍ غير مدروسةٍ جيدًا، وتُعدّ -بالـتأكيد- طائفةً غير إسلاميةٍ، لأن أفرادها يؤمنون بتقمص الأرواح وبحرية إرادةٍ غير محدودة، وهما أمران غير مقبولين في الإسلام. يخضع الدروز، كما هو حال الطوائف التقليدية لما يسمى “العقال- أي الأذكياء”- وهم الزعماء الروحيون الذين يسود بينهم تراتبية كهنوتية معقدة ومغلقة بالنسبة إلى الوسط المحيط، يمكن أن يصبح الدرزي من العقال بعد بلوغ الأربعين من العمر، عبر سنواتٍ من التعليم الخاص والتنوير.

على سبيل المثال، لم يكن -ولن يكون- بمقدور جنبلاط الأب والابن أن يصبح من العقال؛ إذ إنهما زعماء سياسيون وعسكريون فقط. ولكنهم مجبرون على أخذ نظام الأمور المعمول به بالحسبان. وهكذا، خلال اجتماع العقال في شباط 2013 في السويداء، أعلن مجلس العقال أن الجنرال عصام زهر الدين “مؤهلٌ للموت”، بسبب مشاركته في الحرب الأهلية السورية إلى جانب حكومة بشار الأسد. و”مؤهل” لا تعني “يستحق” فهذان مفهومان مختلفان. قبل هذا الاجتماع بفترةٍ قليلة، اتهم وليد جنبلاط، الضابطَ عصام زهر الدين بـ “بالقتال ضد شعبه”.

تاريخيًا، تتنافس في المجتمع الدرزي عشيرتان: آل جنبلاط وآل أرسلان. يعود هذا الخلاف إلى قبل ألف سنةٍ تقريبًا، ولم تؤد جميع محاولات المصالحة والزواج بين العشيرتين (أم وليد جنبلاط- مي أرسلان) إلا إلى فتراتٍ من الهدوء النسبي. حاولت دمشق في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي اللعب على هذا الوتر، ولكن من دون نجاحٍ يذكر. وكذلك لم يفلح الإسرائيليون في معالجة هذه المهمة (الدروز هم الأقلية القومية الوحيدة التي يسمح لها بالخدمة في الجيش الإسرائيلي). وبالنتيجة يئسوا من هذه الطائفة المحاربة ولكن الفقيرة، وتوقفوا عن إثارة “المسألة الدرزية”، بلا حاجة.

على هذه الخلفية، وبعد لعنة رجال الدين العلنية، تحول الجنرال زهر الدين إلى زعيمٍ لذلك الجزء من الدروز السوريين، الذين لا يريدون سوى أن يعيشوا أسلوب حياةٍ علمانية. إضافة إلى ذلك، هم يتطلعون إلى انتعاشٍ اقتصادي في جبل الدروز (منطقة زراعية متخلفة)، ليس بسبب الخراب الذي سببته الحرب الأهلية، بل بسبب لعنة الصراعات الدينية-الإقطاعية، التي تستفز الاشتراكي والأممي، حامل الميدالية الروسية للصداقة بين الشعوب وليد جنبلاط. عدا ذلك، فإن عصام زهر الدين كان يمكن أن يصبح شخصيةً سياسيةً بديلة عن جنبلاط الذي أصبح متقدمًا بالسن.

ومع ذلك، لم يكن باستطاعة زهر الدين التطلع -بأي شكلٍ من الأشكال- إلى لعب دور “نابليون بونابرت” سوري، الذي دأبت الاستخبارات الأميركية والفرنسية، على مدى السنة ونصف السنة الأخيرة، في العمل على نبشه من بين الجنرالات السوريين. طالما لم تنجح محاولات إسقاط بشار الأسد عن طريق الخونة والغرباء، فلم لا تحاول الرهان على أحد الجنرالات العاملين، ممن لديهم الطموح السياسي؟ ومن ناحية أُخرى، فإن هذه الأولوية كانت لدى باريس التي ركزت في البداية على مناف طلاس، إضافة إلى أنها آوت عدة شخصياتٍ بارزة من الفارين من عائلة الأسد.

لا تتوفر معلوماتٌ عما إذا كانت قد جرت محاولات حقيقيةً لتجنيد جنرالات مقاتلين على الجبهات، ولكن هذا العمل يتم على الأرجح. إلى جانب ذلك، فإن التذكير العلني بقيام الجنرالات المعروفين بنشاطٍ سياسي، قد يقوض ثقة الرئيس بهم، خاصةً بعدما عاناه مع مناف طلاس. في سورية لا يوجد هوسٌ بالجاسوسية، ولكنه  الشرق الأوسط، حيث لا يُعرف كيف تكون الاستجابة لمثل هذه الكلمة. على سبيل المثال، يتجنب الجنرال سهيل الحسن الإدلاء بتصريحاتٍ سياسية، باستثناء التأكيد على ولائه المطلق لبشار الأسد. وهو واقع -دائمًا- تحت بصر المستشارين الروس، أما الأخ الأصغر ماهر الأسد فمشغولٌ بالأعمال، أكثر من الحرب. رئيس هيئة الأركان العامة الفريق علي أيوب لا يلعب أي دورٍ سياسي، وليس معروفًا في صفوف الجيش، كما الجنرالات المقاتلين. وزير الدفاع فهد جاسم الفرج، بحسب عددٍ من المصادر، يقع تحت مراقبة شديدة من قبل محيط بشار الأسد، وينفذ مهمّات بروتوكولية في الغالب.

“كان مصرع الجنرال زهر الدين -الرجل الشجاع والموهوب المخلص– خسارةً كبيرةً، بلا شك، للجيش السوري ولسورية كلها”.

 

اسم المقالة الأصلية Гибель генерала Захреддина стала огромной потерей для Сирии
كاتب المقالة يفغيني كروتيكوف
مكان وتاريخ النشر فزغلياد .18 تشرين أول 2017
رابط المقالة https://vz.ru/world/2017/10/18/891486.html

 

ترجمة سمير رمان

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق