مقالات الرأي

الرقة: تبخر (داعش) وتمكين الاحتلال

تلتزم واشنطن صمتًا مريبًا حول أداء ذراعها العسكري في عملية “غضب الفرات” في الرقة، وتزامنًا مع استباحة عناصر (قسد) للمدينة، بدأت ميليشيا “مسلم – قنديل”، احتفالات بما سمي بـ “النصر”، فوق أنقاض الرقة، وعملت على استنساخ ما قامت به (داعش) قبل ثلاث سنوات، في ساحة الشهيد حسين جاهد، من استعراض عسكري لمظاهر القوة، والإفراط برفع الرايات والصور، أنّى تمكنت من ذلك. سوف نتجاوز مسألة تعامل الولايات المتحدة، مع تنظيم تمّ تصنيفه “إرهابيًا”، وشاءت الإدارة الأميركية أن يكون ذراعَها العسكري، في حربٍ قررت ألاّ تزج بقواتها فيها خشية أي مصير مماثل في أنحاء متفرقة من العالم: فيتنام، العراق وأفغانستان.

فعلت (قسد) كل ما بوسعها من تقديم المعلومات والإحداثيات المضللة التي نجم عنها مقتل مدنيين، إلى جرائم الحرب، إلى الكذب المستمر بشأن معارك وهمية، إلى قصف مدفعي وحصار لم يتوقف، وإلى تزوير الحقائق على الأرض. بلا شك، كانت واشنطن تعرف يقينًا كل شيء، لكنها معركة ستحقق نتائج سياسية مهمة لإدارة ترامب، ولا ضير في أن يكون الضحايا في مدينةٍ مثل الرقة، وكان لزامًا عليها تمرير جرائم أدواتها (قسد)، طالما أن الحاجة إلى خدماتهم ما تزال قائمة.

بدت واشنطن متحفظة على أي مواجهة مباشرة مع (داعش)، خصوصًا أنها تمتلك كل المعلومات عن “تنظيم الدولة الإسلامية”، حيث واكبَت -لحظة بلحظة- ولادته وانتشاره، ومصادر تمويله، وخطوط الدعم اللوجستي، وتحركات قادتها على الجغرافيا السورية والعراقية. وتبدى غض الطرف، عن نموها وجرائمها، يتماثل مع ما قامت به دول المنطقة، بما في ذلك إيران وروسيا وتركيا، من ترك الحبل على الغارب؛ إلى أن تمكنت من بناء قوة متمركزة في الرقة والموصل. دون أن تتعرض إلى أي محاولة لتفكيكها وإجهاض مشروعها الإرهابي. وبدلًا من ذلك، تم الاشتغال -إعلاميًا وسياسيًا- على تضخيم التنظيم الإرهابي، والذي لعب في الوقت عينه على عامل الترهيب، وبث الرعب بتهديداته لاجتياح دول الغرب بشكل أساسي. وكان وقوده في ذلك أبناء المناطق التي يسيطر عليها، ومن يستطيع الوصول إليهم من المختطفين. كانت جرائمه تحظى بترويج غير مسبوق؛ وفي النهاية كان من واجب القوى الدولية، وضع حدّ لهذا التنظيم بالقضاء عليه.

كان ناشطو الحرية في غير مكان من سورية والعراق، يقولون إن (داعش) هي “نمر من ورق”، ولم يكن أحدٌ يريد الإنصات إلى آرائهم. ظل البحث حثيثًا عن المعلومات، والمزيد منها، دون أن توظّف في وقف جرائم (داعش). لكن ثبَت بالتجربة -ثلاث مرات- أنها كذلك: نمر من ورق. في الأولى عندما تمت محاربته من قبل الجيش الحر في إدلب وحلب، وإخراجه إلى حدود الرقة (مسكنة)، وتوقفت المعارك بلا مبرر، وتُرك شرق الفرات تحت سيطرة (داعش). والمرة الثانية، حين هبّت مواجهة مسلحة ضد التنظيم في الرقة عام 2014، فقد فيها وجوده وسيطرته في المدينة، وفي اللحظة الفاصلة وصل الدعم الذي أنقذ (داعش)، ولم يصل أي دعم أو مساندة لثوار الرقة؛ فانقلبت الآية.

التجربة الثالثة هي حرب التحالف الدولي، ومعركة “تحرير الرقة”، بوجه خاص. فقد كشفت أحداث ثلاثة أشهر أنه لم تجر أي مواجهة عسكرية مباشرة، وأن قادة (داعش) تم تسهيل مغادرتهم (أو إخلائهم)، بموجب اتفاقات عقدتها (قسد) مع التنظيم، بمباركة من الولايات المتحدة. وأنه  -حتى الآن- لم يتم الكشف عن الأهداف التي حققها التحالف و(قسد)، في هزم (داعش). ليس هناك أي دليل على وجود جثث، أو وقوع قادة في الأسر، أو مقاتلين. ثمة من سلّم نفسه، وهم مقاتلون عاديون من أبناء المنطقة، جندتهم (داعش) راغبين أو مُكرهين.

مشيئة واشنطن أن تخلق إرباكًا غير محدود في المنطقة. وبعد أن استجابت لـ (قسد)، باستبعاد (لواء ثوار الرقة)، تقوم اليوم باستبعاد التعامل أيضًا مع ناشطي الرقة وقواها الحقيقية، وتعمد إلى تحقيق توليفة هجينة لإدارة المنطقة عبر تقطيعات جغرافية قسرية، تخدم مشروع جبل قنديل في الشمال السوري.

في الواقع، إن تصريحات المسؤولين الأميركيين بأنهم لن يدعموا مشروعًا انفصاليًا في المناطق التي تسيطر عليها (وحدات حماية الشعب)، هو مجرد تصريح لا قيمة له أمام الجهود الحثيثة التي تبذلها، منذ شهور، بهدف تعويم “مجلس الرقة المدني” الذي واجهته مشكلات عديدة، أهمها الاعتراف الجمعي الرقيّ به. وتدعم بصورة لصيقة حوار روما، وتتبنى مشاركة واسعة للعشائر في إدارة الرقة، تحت مظلة (قسد)، تلتقي بها وتحثّها على العمل مع المجلس. وهي اليوم تواصل جهودها من نافذة “إعادة الإعمار” الذي يُنتظر أن تقوم به دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، بتوجيه أميركي مباشر في المنطقة.

لو أن واشنطن لا تدعم مشروعًا انفصاليًا في المنطقة؛ لدفعت باتجاه تصويب سياساتها لما بعد مرحلة (داعش)، بشأن تسليم الرقة إلى أهلها، وإرغام (قسد) على الانسحاب من المدينة، كمرحلة أولى مؤقتًا، إلى أن تتمكن الرقة من إعادة تجميع قواها، ولما كانت (قسد) ملأت الشوارع والساحات بصور أوجلان والأعلام الصفراء، ولما سمحت باستباحة المدينة: سرقة ما تبقى من ممتلكات الناس، بعد أن تم تدمير المدينة، والبدء بعملية تجنيد إجباري واسعة للشباب، واقتياد مئات المدنيين الناجين إلى معسكرات اعتقال قرب عين عيسى، والاستمرار في التحفظ على المعتقلين والمختطفين لدى (داعش).

لقد منحت الولايات المتحدة السلطةَ لـ (قسد)، السيطرةَ على الأرض لوصل “كانتونات” الزعم الكردي، ومنحتهم مصادر الطاقة والتمويل والحياة: آبار النفط، سد الفرات، ومحطات الطاقة الكهربائية، وحقول القمح. وتأتي واشنطن لتذر الرماد فوق العيون، بأنها بعيدة عن هذه الجرائم.

ثمة ثلاث حقائق أساسية اليوم، أولاها تدمير الرقة، وتبخر (داعش) دون محاسبة. وثانيًا أن (قسد) هي قوة احتلال، واستمرارها هو مقدمة لعودة النظام الأسدي، والثالثة أن الرقة -وفق معطيات الحاضر وتصورات المستقبل القريب- لن تشهد استقرارًا في المدى المنظور. وهذا هو أهم إنجاز أميركي في المنطقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق