مقالات الرأي

معاوية “الصغير” وأوهام “ربيع دمشق”

لستُ من هواة تقليب المواجع، غير أن مواجع أكثر من ست سنوات هي أقسى كثيرًا من أي مواجع، تستدعيها مراجعة للتجربة السياسية التي خاضها الديمقراطيون والليبراليون السوريون، بدءًا من صباح اليوم التالي لموت حافظ أسد.

بالعودة إلى تلك الساعات والأيام القليلة التي عاشتها سورية بعد موته، ثم دفنه؛ نتذكر حالة الناس، من مختلف المستويات، في عموم سورية، كيف كان الغموض يلفّها، والأسئلة التي تدور في ذهنهم لا يمكن الإجابة عليها إلا بالهمس، فالخوف مزروع في نفوسهم طوال ثلاثين عامًا. حتى قاعدة السلطة الدكتاتورية، كما رموزها ومسؤولي أمنها وموظفيها، والعسكريين منهم خاصة، كانوا ينامون ساعاتهم على قلق، ويصحون على تشوّش وغموض والتباس، خلال تداولهم في دوائرهم الضيقة المسألةَ المقلقة المؤرقة: “ما الذي سيحدث بعد موته؟ ومن سيتسلم منصب الرئيس؟ غير أن “الكبار” في السلطة الأمنية والعسكرية، كانوا على علم بما تم إعداده، خلال سبع سنوات بعد موت باسل أسد، ومع ذلك لم يكونوا على ثقة بأن الأمر سيتم بسهولة لتنصيب بشار “خليفة” يرث أباه، ولم تكن الرموز القوية في السلطة على تفاهم واتفاق، وكان الشك ببعضهم البعض يزيد من أزمة السلطة، ويرسم علامات استفهام حول إمكانية اجتيازهم لتلك الفترة “العصيبة”، بغياب الدكتاتور “الرمز”.

كان لافتًا أن منصب “نائب الرئيس” الذي كان يشغله عبد الحليم خدام، كان وهميًا وشكليًا، فأسرعت القوى العسكرية الأمنية المافيوية التي أعدّها ورتّبها حافظ أسد لتكون مطواعة بيد بشار، إلى تنصيب بشار والتخلص من أي رهان على شخص آخر، ولضبط الوضع والسيطرة على الشارع والمؤسسات المختلفة، فكان لها أن تُعطي بشار رتبة “فريق أول”، لتخضع له القوى العسكرية، ثم جاءت الجلسة الشهيرة لـ “مجلس الشعب”؛ ليصبح بشار وريثًا “شرعيًا” في رئاسة سورية، خلال أحد عشر يومًا بعد موت حافظ أسد.

كانت “المكرمة” الأولى للوريث أن أعطى ضوءًا أخضر لـ “حرية التعبير”، وسمح باستخدام (فيسبوك)، ووعد بتغيير شامل عبر الإصلاح “أولًا بأول”، وهو ما وصفه العدد الأكبر من “النخب” المعارضة والموالية “ربيع دمشق”. ولكن سرعان ما تبيّن أن خطوات بشار خديعة، هدفها ترويض الحياة السياسية، ومصادرة كل احتمال يزعزع استقرار السلطة بين يديه. وهنا كانت الخطيئة الأساس التي ارتكبتها القوى والشخصيات المعارضة، حين تعاملت مع خطوات بشار بعد تنصيبه بجدية، متوهمة أن انفتاح السلطة عليها وإعطاء الشعب حق ممارسة حرية التعبير والتنظيم، هو أمرٌ ممكن.

ولتسويغ وهمها، جعلت من شخصية بشار: “درس في بريطانيا”، وهو “طبيب”، وزوجته أيضًا بريطانية الجنسية، مما يساعد على “حضاريتها” لتكون ذات تأثير إيجابي في الوضع السياسي الجديد. وفي تلك الأيام تكفّلت الجهات التي تخطط لتمكين بشار بضخ أوهام كثيرة؛ ما يساعده على أداء مهماته بسلاسة واطمئنان.

نعم، إنها السقطة الأولى والأساسية للمعارضة، حيث سهل رهانها على “ربيع دمشق” استقرار السلطة لبشار، ليعود بعدها إلى سيرة أبيه، بشكل أبشع وأكثر توحشًا. ذلك ما بيّنته جرائمه في قمع انتفاضة الشعب، وحتى قبل ذلك حين انقضّت الأجهزة الأمنية على منتديات الحوار، وعلى شخصيات المعارضة السلمية والديمقراطية.

لم تطرح القوى الديمقراطية المنخرطة في منتديات “ربيع دمشق” السؤال الجوهري: هل يمكن لمن قبِل بوراثة السلطة عن أبيه، أن يكون ديمقراطيًا أو يواكب جزءًا من آليات الديمقراطية، وينسجم معها؟ أم أنه كان عليها، منذ تلك اللحظة، إدانة التوريث ومنع الوريث من الاستقرار في الحكم؟ وكان ذلك ممكنًا، لأن جهاز السلطة كان مرتبكًا وخائفًا، ولا تخلو علاقاته الداخلية من تعارضات وتناقضات، كان بالإمكان التعويل عليها، ليس لمجيء رئيس آخر، لكن على الأقل ليرث الرئاسة وهو مهزوز ومضطرب؛ ما يساعد على انتزاع شروط أفضل لمسيرة التغيير الشامل بعد فترة من الزمن. ذلك ما لم يحصل، وكانت بداية تأسيس النسخة الجديدة للاستبداد الذي أفرغ أسوأ ما في جعبته الدموية الفاشية حين خرج الشعب، دون إذن من أحد، يُطالب بالحرية والكرامة بعد أحد عشر عامًا من سلطة الديكتاتور الابن.

لم يفعل بشار “المتحضر” و”الدكتور المتخرج في بريطانيا” المتزوج من “إنجليزية أصولها سورية!” ما فعلَه، قبل أكثر من 1300 سنة، معاويةُ بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، برفضه وراثة الخلافة، قائلًا: “أيها الناس، إن كانت الخلافة خيرًا فقد استكثر آل أبي سفيان منه، وإن كانت شرًا فلا حاجة لنا فيه؛ فاختاروا لأنفسكم إمامًا تبايعونه، هو أحرص على الأمر مني، واخلعوني فأنتم في حل من بيعتي”، ويُقال إن آل أبي سفيان غضبوا عليه، فبرفضه الوراثة انتهت الدولة السفيانية، وبدأت الدولة المروانية.

مفاده أن قبول المعارضة بأكثر ممثليها، ولأي سبب كان، ببشار رئيسًا بالوراثة، كان الفرصة الأهم والأخطر التي التقطتها أجهزة السلطة، لتعمل على تنفيذ خطة التمكين للوريث الذي ما لبث أن انقضّ على ما دُعي “ربيع دمشق” ورجاله ومنتدياته، وصار الظرف أصعب على المعارضة والقوى الديمقراطية، إذ باتت نضالاتها ومشاريعها تواجه قمعًا شديدًا، أسست عليه العصابة الحاكمة مرتكزات لمتابعة العمل على ترسيخ أسوأ سلطة استبدادية همجية، لا تقبل بأي إصلاحات، ولا تتورع عن فعل أيّ شيء من أجل الاحتفاظ بالسلطة.

لم يفعل بشار ما فعله معاوية “الصغير” برفض التوريث، ولم تقم المعارضة بالدور المطلوب في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ سورية السياسي، لتمنع حصول التوريث، أو لجعل كلفته على السلطة الدكتاتورية باهظة.

هل يفيد قول: لو؟

لو أن المعارضة أجمعت على رفض التوريث، وطعنت بشرعية مجلس الشعب وتعديله للدستور، ومنعت استقرار أدوات السلطة، وهيّأت لمواجهة الوريث والتوريث، لا الرهان على الإصلاح في ظله؛ فهل كان بمقدور هذه السلطة التماسك والبقاء، وارتكاب ما شهدته سورية في زمن الثورة؟

لقد فوّتت المعارضة الفرصة في حينها، وأصبح الشرخ بينها وبين الفئات الشعبية عميقًا، كما أعاد جهاز السلطة تأهيل أدواته، لحماية السلطة التي على رأسها دكتاتور “شاب وأكاديمي متنور”. وعندما جاء انطلاق الثورة كانت من دون قيادة وعفوية؛ ما جعلها جسدًا تنقصه المناعة الفكرية والسياسية والتنظيمية، وبالتالي عجزت عن حل مشكلات المسار المعقد للصراع.

مقالات ذات صلة

إغلاق