كلمة جيرون

القومية والطائفية

نخجلُ من الإعلان صراحة عن انتمائنا الديني أو الطائفي، لكننا –في الأغلب- نعتز بانتمائنا القومي أو العشائري! علمًا أن جذر هذه الانتماءات -على اختلافها- واحد، أساسه رابطة الدم التي تحدد انتماء هويتنا (البيولوجية)، من دون إرادة منا، ومن قبل الولادة، إلى هذه الديانة أو الطائفة أو البطن أو العرق! فأنا عربي المولد، وأنت كردي، والثالث فارسي، وهذا مسيحي، وذاك مسلم، والآخر يهودي… علمًا أن هذه الانتماءات أدت، وقد تؤدي –يومًا ما- إلى قتلنا أو إبادتنا الجماعية؛ بسبب الصراع على هذه الهويات وتأكيدها.

لذلك، عاشت الجماعة البشرية مئات، بل آلاف القرون، حروبًا همجية، كادت تودي ببعض الأعراق والجماعات إلى الانقراض؛ لو لم تكن الحياة أقوى من الموت! وكانت تلك الهويات الافتراضية القاتلة التي تبنتها أنظمة الاستبداد، سببًا أو محركًا لهذه الحروب، كما اعتمدت عليها الحركات العنصرية والشوفونية المتعصبة؛ سواء كانت فاشية أو نازية أو صهيونية…

اليوم، وبعد كل هذا التطور الحضاري، ما زال انتماؤنا (الغريزي) إلى القطيع أقوى لدينا من الانتماء (العقلي) الحر، إلى المكان والزمان (الوطني)، باعتباره أرقى التشكيلات الاجتماعية التي توصلت إليها البشرية؛ حين اعتمدت على مبدأي: العقل، وحرية الانتماء والمعتقد.

سبع سنوات من الحرب في سورية (والحبل على الجرار) ما كان لها أن تستمر؛ لولا الاعتماد على التحريض القومي والطائفي! سبقتها خمسة عشر عامًا من الحرب في العراق! وستون عامًا ونيف في فلسطين المغتصبة من قبل الصهيونية، تلتها الحرب الأهلية القبرصية واللبنانية… فضلًا عن سلسلة الصراعات الثأرية الدامية التي مزقت العرب عبر القرون، وقادها أمراء الطوائف والقبائل، لم يكن أولها حرب البسوس التي قامت، بين قبيلتي تغلب بن وائل وأحلافها، وبني شيبان وأحلافها، ولم يكن آخرها “حرب بعاث”، آخر معركة من معارك الأوس والخزرج، قبل الإسلام وبعده! أما الحروب الهمجية في أوروبا التي اندلعت لأسباب دينية أو قومية، فهي أكثر من أن تحصى: حرب المئة عام بين فرنسا وإنجلترا، (من 1337 إلى 1453)، وحرب الثمانين عامًا الهولندية عام 1568 وانتهت في عام 1648، وحرب الثلاثين عامًا 1618 و1648، وحرب السنوات السبع (البومرانية)، وحرب الملكة (آن)، وحرب الملك جورج، وسلسلة الحروب الأهلية الإنجليزية، التي وقعت بين البرلمانيين والملكيين بين 1642 و1651، وحرب الخلافة النمساوية 1740- 1748، بعد وفاة الإمبراطور شارل السادس الذي خلفته ابنته ماريا تيريزا، فطالب عدة أمراء بعرش أسرة (آل هابسبورج)، ورفضوا أن ترث الحكمَ امرأة، لأن القانون يمنع ذلك، وغيرها الكثير الكثير من الحروب التي نشبت، قبل أن تتوصل الإنسانية المعاصرة إلى مفهوم الدستور والمواطنة والنظام الديمقراطي وبناء الدولة الوطنية (الجمهورية).

أليس من الحكمة أن نستفيد نحن -السوريين- من دروس التاريخ، ونختصر علينا طريق الموت والتمزق، عربًا وكردًا وتركمان… سنة وشيعة وأيزيديين… ونتفق على عقد اجتماعي يعتمد العقل، أم أن ذلك مجرد ضرب من الوهم، وأن قدرنا هو انتظار بطولات عنترة العبسي، في حروب “داحس والغبراء” الجاهلية، التي استمرت أربعين 40 عامًا، بسبب حصان!

مقالات ذات صلة

إغلاق