مقالات الرأي

“النصرة” والمتاجرة بالثورة

مضت قرابة سبع سنوات على انطلاق الثورة السورية.. الثورة التي كشفت كذب الكثير من الادعاءات، ومن ضمنها كذب وافتراء وخداع (جبهة النصرة). وبغض النظر عن كثرة تقلبات الجبهة الاسمية، إلا أن جوهر عدائها للشعب السوري ولثورته بقي ثابتًا وراسخًا على مدار السنوات الماضية؛ ما مكّن غالبية السوريين من سبر مقاصدها وغاياتها الكامنة خلف تصريحاتها وبياناتها ومواقفها العلنية، خصوصًا تلك المصاغة بطريقة مُنمّقة، لتعبّر بشكل جزئي عن مصالح السوريين ومصالح الثورة السورية. ومنها موقف الجبهة -أو (هيئة تحرير الشام) الاسم الأحدث لها- من الفصائل المتعاونة مع الاحتلال الروسي، والذين خوّنتهم “النصرة” وعدّتهم أداةَ الاحتلال الميدانية لتقسيم الثورة وبيعها. لينطلق بيان “النصرة” الأخير ظاهريًا من حقيقة سياسية يعلمها جميع السوريين، وهي تآمر روسيا والعالم الدولي وقوى الثورة المضادة على الثورة والشعب السوري، بينما ينطلق عمليًا من سعي “النصرة” للاستعانة بأي تحالف عسكري أو شعبي لحمايتها من تبعات التوافق الدولي ضدها. هذه السياسية الإعلامية للنصرة أو الخطابية القديمة والجديدة في آن، والتي كانت قد خدمتها في بعض الأوقات السابقة، لم تعد تنطلي على السوريين اليوم، نظرًا إلى يقينهم بغدر “النصرة”، ويقينهم بمقاصدها وأهدافها الخفية التي تتمثل بعودتها لافتراس الثورة والمجتمع السوري، وفرض مصالحها وقيمها الرجعية المرفوضة من غالبية السوريين، إن نجحت اليوم في الحفاظ على بنيتها وكيانها أمام العاصفة الدولية المتربصة بها.

لكن لا يمكن الانطلاق من أهمية وجذرية موقف السوريين من “النصرة” اليوم، دون ربطه بردّات الفعل الشعبية على تشكيل “النصرة” وتدخلها في الشأن السوري، منذ بدايات الثورة السورية، فقد تصدت الجموع الشعبية السورية لـ “جبهة النصرة” في أكثر من موقع حتى تمكنت من طردها، لا سيما من الغوطة الشرقية ومحافظتي إدلب ودرعا. لكنها عادت وتشبثت بالواقع السوري ونمت واستفحلت؛ لنصبح أمام صورة مضللة ظاهريًا نتيجة تناقض انتشار “النصرة” وقوتها اليوم، في أكثر من محافظة ومدينة وقرية، مع حقيقة تحرك السوريين المبكر والمستمر لطرد “النصرة”، ورفض انخراطها في الشأن السوري. وهو ما يفرض علينا الإجابة عن أسباب ومسببات هذا التناقض، أو يدفعنا إلى تكذيب الحقائق والوقائع السورية كتحميل الشعب السوري المسؤولية الكاملة لنفوذ وهيمنة “النصرة”، أو الاتجاه نحو تقزيم تواجد ونفوذ “النصرة” في الثورة والأحداث السورية!

وعليه؛ لا بدّ من العودة إلى الواقع السوري ذاته، من أجل تفسير تناقض وتضليل الصورة سابقة الذكر، هذه الصورة التي تُغفل -على نحوٍ مقصود- إظهارَ الأدوار الخفية والعلنية لمجموعة القوى والجهات العديدة المتاجرة والمخربة لثورة السوريين؛ إذ لم تدخر هذه الجهات جهدًا من أجل فرض “جبهة النصرة” وغيرها من الحركات الجهادية على سورية والسوريين، بداية من الوسائل الإعلامية المشبوهة والممثلة للمصالح الدولية والإقليمية في سورية، والتي دأبت على تهميش التحركات الشعبية الرافضة للنصرة ولممارساتها، وتصغير الأسباب والعوامل التي دفعت السوريين إلى التحرك في مواجهة “النصرة”، من قبيل مهادنتها للنظام وعدائها واعتقالها وأحيانًا إعدامها أو تصفيتها لرموز وناشطي الثورة السورية ومؤسساتها أو مجموعاتها المدنية، فضلًا عن حجم الكذب والتضليل في نقل معارك الجيش الحر مع قوات النظام العسكرية وحلفائه الطائفيين، وتجييرها كانتصارات ومعارك، عمادها الرئيس “جبهة النصرة”، وأحيانًا من دون أي مشاركة، ولو هامشية، لأي من الكتائب والقوى العسكرية الأخرى، بغض النظر عن صحة استراتيجية التحرير من عدمها. ومنها ننتقل إلى الدعم المالي واللوجستي والعسكري الإقليمي والدولي غير المحدود للنصرة، مقارنة بما قُدِّم لكتائب وتشكيلات الجيش الحر، هذا الدعم الذي فرض على كثيرٍ، من أبناء المناطق الثائرة والمحاصرة والمستهدفة من قبل النظام، الالتحاقَ بـ “النصرة”؛ من أجل الدفاع عن قراهم وبيوتهم وعائلاتهم، على الرغم من مخاوفهم ومواقفهم الرافضة للنصرة، إلا أنهم وقعوا بين ناريين: نار “النصرة” ونار النظام؛ فاختاروا نار “النصرة” عملًا بنصيحة العديد من سياسيي المعارضة الذين صدعوا الرؤوس بتحليلاتهم وتنظيراتهم التي تَعدّ “النصرةَ” مُكونًا رئيسيًا من مكونات الثورة السورية، أو تلك التي انطلقت من أولوية التصدي للنظام، وثانوية التصدي لقوى الثورة المضادة، وعلى رأسها “النصرة”.

إذًا، بالمحصلة فقد تم فرض “النصرة” وأخواتها على الشعب والثورة السورية، من أجل تحويلها إلى غطاء وستار يحجب عنا جيوش المتاجرين والمتآمرين على سورية والسوريين وثورتهم، وعليه يجب أن لا نكتفي بالتنديد بـ “النصرة” ولا بالتحريض عليها فقط، بل علينا الانطلاق من متاجرة “النصرة” وعمالتها وتآمرها، من أجل فضح جحافل القوى والجهات المتاجرة والمخربة والمتخفية خلف ستار الجبهة. لا سيّما في ظل قرار وتوجه هذه القوى والجهات نحو نزع ستارها القديم أي “النصرة”، عبر توحدهم جميعًا أو غالبيتهم في معسكر واحد، من أجل خوض الحرب القادمة على “النصرة”؛ بهدف القضاء عليها ظاهريًا فقط. إذ لا يمكننا اعتبار الجولاني أو غيره من قادة “النصرة” هم وحدهم أعداء الثورة السورية، بل علينا التركيز على حقيقتهم، بوصفهم ستارًا أو حجابًا يختفي خلفه العديد من القوى والجهات المتاجرة بالثورة، والتي عملت طويلًا وكثيرًا على إنشاء وتقوية ودعم “النصرة” في السنوات الماضية، والتي قد تعمل على بناء بديل “النصرة” في قادم الأيام، من أجل الاستمرار في التخفي وراء ستار جديد ولون جديد، قد ينجح في تضليل بعض السوريين. لذا لا بدّ من أن ننطلق من كون معركة القضاء على “النصرة”، داخل إدلب أو داخل سورية قاطبة، ليست سوى محاولة جديدة للمواربة على قوافل المتاجرين بالثورة وبسورية، وإن كانت تحمل في طياتها بذور الخلاص من “النصرة”. فمعركتنا الحقيقية هي معركة القضاء على جميع المتاجرين والمتآمرين على سورية، وعلى ثورتها المغدورة بداية من “النصرة”، وليس انتهاء بقوى الاحتلال الداخلية والخارجية المباشرة منها وغير المباشرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق