أدب وفنون

زيارة ليليّة

كلّ ليلةٍ يقطع أبي الطريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، وأتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ التي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبه بنصف عينٍ حتى يعجز ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان، وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلص من العصا، كأن أرميها في النهر أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليلية. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى، وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي وتحتهُ.

وقد أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرة تكوّره البائس في زاوية الغرفة، وقد أنتظرُ حتى الفجر أو حتى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاه؟

في الليلة الرابعة، قرّرتُ أن أبحثَ عنه، فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذته غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارته الأخيرة لنا؛ وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره، ولن يتكلّف عناء المسير ليلًا ميّتًا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل، خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي، وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة، وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفس فيها هواء منعشًا باردًا!

عند بوابة المقبرة، لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان، لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي، وهو يحاول تفادي ضرباتها، من دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له: قلتُ لكَ، أيها اللعين، لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ. تحسّستُ رأسي، وكان الدم الجاف قد غطى جرحًا غائرًا فيها. بعد دقائق، كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت. وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة، وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.

 

*اللوحة للفنان السوري دلدار فلمز

مقالات ذات صلة

إغلاق