تحقيقات وتقارير سياسية

البرزاني وحلم الاستقلال

لم تسعف البرزاني الحكمة والبراغماتية التي امتاز بها في علاقته مع بغداد، طوال سني تبوّئه مركز القيادة في إقليم كردستان العراق؛ إذ لم يتمكن من الصمود أمام مغريات حلم الاستقلال، بالرغم من يقينه أن الغرب الذي يرسل إليه الرسائل عبر البعض من مروجي سياساته في المنطقة، ويحثه على الاستفتاء ويرغبه في إجرائه، لا يُخلِص الود للأكراد، فلطالما كان يدعم الدول المعادية لحقوق الأكراد حفاظًا على مصالحه في المنطقة، ولطالما ذهبت وعودهم للأكراد أدراج الرياح، عندما تصطدم باستراتيجياتهم، ومع ذلك لم يجد إلا أن يُصدّق تلك النصيحة “الخديعة” والإغراء بتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وما حثه على تجاهل سلبيات هذه “الخديعة” المتطلبات اليومية للمواطن الكردي، نتيجة تنصل المركز من التزاماته تجاه الإقليم، بسبب الخلاف حول عائدات النفط ورواتب الموظفين والاستحقاق الرئاسي في الإقليم، وما يتبع ذلك من خلافات سياسية داخلية.

كل تلك الأمور وغيرها شكّلت مجتمعة همًا وعبئًا على كاهل الرجل، دفعه إلى اتخاذ قرار إجراء الاستفتاء؛ ليحق القول “غلطة الشاطر بألف”، نعم غلطة وهفوة كبيرة، يفترض أن لا يقع فيها سياسي متمرس مثله، ومهما كانت الغايات نبيلة والأهداف كبيرة، فإن اختيار التوقيت في هذا الظرف -بغض النظر عن الحق في ذلك من عدمه- لا ينمّ عن قراءة سياسية صائبة لما يمكن أن تؤول إليه الأمور، ولا يُبرره القول إن الفرصة مواتية ويجب اقتناصها، كضعف المركز وتشتت قراره، فغياب القرار الوطني العراقي في بغداد، نتيجة وقوع العراق تحت سطوة الاحتلال الإيراني وأذرعه المتغلغة في مفاصل الدولة العراقية المتهالكة أصلًا بعد الغزو الأميركي، يجب أن يكون حائلًا دون القيام بتصرف كهذا لا حافزًا عليه، لأن حقًا كالذي يُطالب به الأكراد ويريدون إشهاره دوليًا لا يمكن اقتناصه على حين غفلة، ما يبعث الشك في صدقية الحق وينتقص من مشروعيته، إذ إن الطرف الآخر الشريك والجسد الأصلي مشلول الإرادة، لأسباب لم تعد خافية على أحد، وبالتالي فإن القيام بتصرفات من طرف واحد، بشكل منفرد، من شأنها خلق أوضاع جديدة ومصيرية في هذه المنطقة المتوترة أساسًا، يجب أن يكون مبنيًا على حسابات دقيقة ليس أقلها ما ينتج عنها من انعكاسات على الشعب الكردي داخل الإقليم، وخطورة وضعهم في المواجهة مع شعوب المنطقة الذين لم يعد لديهم ما يفتقدونه من مكتسبات يرون أن الأكراد ما زالوا ينعمون بها ويتمتعون.

إن توقيت إجراء مصيري بهذه الأهمية وظهور “برنار ليفي” اليهودي الفرنسي عرّاب التقسيم والتخريب في المنطقة، بين المحتفلين في أربيل يُعزّز الرأي القائل إن هناك من حمل القادة الأكراد على اتخاذ قرار مصيري كهذا، فالوضع الدولي والإقليمي الراهن لا يُشجّع على ذلك، فضلًا عن عدم الاطمئنان إلى صاحب المشورة، إن لم يكن الجزم بعدم إرادته الخير للأكراد، بحكم كونهم الكتلة السنّية الوحيدة المتبقية بالمنطقة في منأى عن الاضطرابات، الأمر الذي يتناقض والحملة العالمية لمحاربة “الإرهاب” المتمثل بالإسلام السني (حسب توصيف الغرب).

إن إصغاء البرزاني لنصيحة الاستفتاء وحثه عليها يعيد للأذهان النصيحة الكارثة التي أسدتها السفيرة الأميركية في بغداد لحكومة بغداد في تسعينيات القرن الماضي، والتي كان من نتيجتها قيام العراق بغزو الكويت وما نتج عن ذلك من تدمير مقدرات العراق وجيشه وإفساح المجال أمام المشروع الفارسي.

ما أشبه اليوم بالأمس، فالبيشمركة التي تنامت قوتها منذ الغزو الأميركي للعراق وما حققته مؤخرًا من نجاح في ما يسمى الحرب على الإرهاب، وعلى “أعين الأميركيين” ليس من المنطقي الإبقاء عليها كقوة “سنّية” مُنظّمة في المنطقة، فقد حان الوقت لكسر شوكتها لمصلحة الأصدقاء الأعداء من الائتلاف الشيعي الخادم الأمين للأجندة الصهيو-صليبية في تفتيت المنطقة وإضعافها، فمن السذاجة أن يظن الأكراد أنهم من المقربين زلفى للأميركيين أو الطرف المفضل في محاربة الإرهاب، فالأكراد مسلمون سنّة في معظمهم، وإن كانوا صامتين حتى الآن، مقارنة بما يدور حولهم من أحداث، والأمريكيون الذين يقودون حربًا على الإرهاب الإسلامي المتمثل بالسنّة لا يرون أكراد شمال العراق إلا هدفًا من أهداف حربهم مؤجلًا إلى حين، وما هم إلا فلوجة ثانية، يمكن أن تنفجر في أي وقت، وبالتالي لا يمكن الوثوق بهم وإعطاؤهم صك براءة من الإرهاب دون أن يدفعوا الثمن أسوة بأشقائهم من سنّة العالم، وذلك من خلال إجراء جراحي وقائي يخمد في نفوسهم جذوة الإسلام إلى حين.

ولتأديب هذه الكتلة وإتمام العملية الوقائية؛ كان لا بد من إيجاد الذريعة، من خلال نصيحة القيام بالاستفتاء الذي يصلح أن يكون شرارة في الحالتين، فهو إن لم يشعل الحرب مع (الحشد الشعبي) الموكل إليه خوض المعركة مع الإقليم بمجرد حصوله، فإنه كفيل بإشعالها في حال إعلان الاستقلال كنتيجة له وردة فعل من جانب حكومة الإقليم على أي حماقة تقوم بها حكومة بغداد؛ الأمر الذي يؤدي إلى جرّ بقية العراقيين إلى حرب، ظاهرها من أجل وحدة العراق وحقيقتها لمصلحة المحور الإيراني-الأميركي، والمتحكم بخيوط اللعبة، وما الضمانات والإغراءات التي تطلقها حكومة (إسرائيل) بالاعتراف باستقلال إقليم كردستان فور إعلانه إلا تأكيد لكل ما سبق، بل إظهار الأكراد كشعب دخيل على المنطقة ولا صديق له سوى دولة (إسرائيل)، من خلال خطب وده بالاعتراف بدولته لمقارنة وجوده بالوجود الصهيوني الطارئ في المنطقة.

في المحصلة، فإن القرارات المصيرية لا تُتّخذ بدوافع عاطفية، وما زال هناك متسع من الوقت لتلافي ما حصل؛ منعًا من حصول ما هو أدهى وأمرّ، فالرجوع عن الخطأ خير من الاستمرار فيه.

مقالات ذات صلة

إغلاق