أدب وفنون

حلم التغيير وبؤس الواقع

الهروب الدائم.. النفي المستمر.. التشظي في شتات الأرض.. الحنين الجارح.. لعنة إنسان هذا الشرق وقدره في آن واحد، كما الطيور تهاجر بعيدًا عن أشجارها، وتظل تحلم بالرجوع إلى موئلها الأول، كأغنية تهجس في البال ولا تغادره.. هي ذي حكاية محمود المرزوقي.

محمود المرزوقي، الشخصية القلقة والمركبة، التي يتلمّس سعد محمد رحيم تفاصيلها، في روايته (مقتل بائع الكتب) الصادرة عن دار سطور عام 2016، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة (البوكر) العربية لعام 2017، متلقفًا أخبارَه بشذرات متفرقة، تتوزع بين اليوميات والرسائل والصور، وحكايات آخرين عرفوه ضمن قالب قصصي يعتمد أسلوب الحكاية ضمن حكاية، حيث يطلب من أحد الصحفيين جمع أخباره في كتاب، ومتابعة حادثة مقتله وملابساتها، والصحفي ذاته له قصته الخاصة ومشاغله وعشقه، ليتوغل في قراءة أفكار بائع الكتب وحياته، ويثير رغبة الكشف عن بنية شخصية إشكالية تحيط بها ظروف غامضة، وينفتح فيه على عالم متمرد بالحب والسياسة والفن، لندخل إلى حياته ونستمع لاعترافاته مرة من خلال يومياته المباشرة، ومرة بحديث أصدقائه عنه، وأخرى بكلام من يحمل له الضغينة؛ لتتجمع تفاصيل حياته في ذاكرة المتلقي تصورًا مجملًا عن هذه الشخصية، شخصية فنان بكل عبثه وجنونه وفوضاه: “تفتنه.. الكتب الآثمة والنساء الآثمات والمدن الناهضة بالإثم”.

يقول: “التاريخ لن يوضع على السكة الصحيحة؛ ما لم تلغَ المباغي ويصبح الحب حرية“، في فهمٍ خاص لعلاقته بالمرأة والعشق، من خلال ثلاث نماذج نسائية مررن بحياته، يصورهن في رسوماته بأوضاع مختلفة، تعكس شغفه وولعه بالغريب والنادر، وبخاصة من حيث اعتنائه وتخيله للوحات بتصوير لوني، يرسم صورة بالكلمات النابضة؛ إذ يتخيل رسمًا فيه سلّم يصعد منه إلى السماء حاملًا كيسًا من الكتب لتتساقط كتابًا… كتابًا، في تعبير إيمائي يتضمن حشدًا كثيفًا من المعاني بين التسامي إلى العلياء، عن طريق المعرفة وخيبة الواقع التي تشدها إلى أسفل، ومرة أخرى يصور الجسد العاري كتهويمات لفهمه الخاص لعري الحقيقة وشغفه بالأنثى.

عراق ما بعد الاحتلال الأميركي؛ وطن يتهاوى وما زال؛ وقد كان له حيزٌ واضح في الرواية مسميًا إياه -أي الاحتلال- باسمه؛ الأمر الذي يغض الطرفَ عنه العديدُ من مثقفي المنطقة، حيث يقوم برصد الواقع الذي آل إليه البلد، في يوميات بعقوبة، الخراب، الموت، التدمير، الفتنة الطائفية، العراقيون يقتتلون في ما بينهم، والغازي يتفرج! موضحًا صورة الأميركي وهو يحاوره في إحدى مداهماتهم التفتيشية، وقد جره الأسلوب الذكي بالحديث للدخول إلى الأعماق، عندما أجابه ردًا على رغبته في لقاء آخر: “ليس هنا وأنت تلبس هذه البزة”. بمعنى، نتحدث إليك كإنسان، عندما لا تكون محتلًا لأرضنا، فالطاغية الذي أزاحوه فرّخ العشرات على شاكلته، وزادوا عليه عمالتهم المباشرة للأجنبي وقنونتهم للطائفية البغيضة.

بشكل عام، لا تختلف هذه الرواية عن تلك الروايات التي أنتجتها بيئة الاحتلال الأميركي للعراق، والتي تمثل المحور الذي تدور حوله أغلب الروايات العراقية الصادرة في السنوات العشر الأخيرة، إلا في استثناءات نادرة جدًا، من حيث تبيان الأثر العميق لما خلّفه هذا الاحتلال على البشر وعلى الحجر، وكيف غيّر مصاير، وبدّل أحوالًا، وأعاد طرح أسئلة قديمة جديدة حول الهوية والانتماء والعنف والاستبداد.

التأكيد على فكرة تشابه الطغاة في ممارساتها وأساليبها تجاه معارضيها، من خلال ما تعرضت له “ناتاشا” عشيقة المرزوق الروسية التي تعرف عليها في براغ، معرجًا على القمع وتكميم الأفواه في أمكنة أخرى، وهو الهارب منه في بلده، ليلقاه يتكرر في تشيكوسلوفاكيا، وتكون ضحيته حبيبته ليعاود الهروب مرة أخرى إلى بلد آخر، قبل أن يعاود الرجوع إلى بعقوبة، في سرد يجمع المتلقي أطرافه مما روي له، ليستجمع في عقله صيرورة الحياة التي عاشها المرزوقي.

في جدال بين مجموعة من المثقفين؛ ظهرت شخصية الكاتب ذاته سعد رحيم، وهو يتحاور مع بطلنا حول كتاباته: “إنّ هناك شيئًا ناقصًا في كتاباتك”. من يملك الكمال، وما هو الكمال في الكتابة، وهل هناك أحد يستطيع ادعاء ذلك؟ سؤال مفتوح على أسئلة غير منتهية، ويأتي إدراج اسم الكاتب في حياة شخصية يروى عنها كنوع من التغريب لما يصيب القارئ من دهشة وفضول، يفيد في كسر اندماج القارئ بما يروى له، وإعادته إلى أرض الواقع، إضافة إلى مكابداته في الأسئلة الوجودية. وقد برز تخبط السياسة في حوارات متعددة، مرة من خلال مونولوج داخلي عبّر فيه عن تبديد حياته بالخيارات غير المناسبة التي رسمها لحياته، بصعود القطار الخاطئ من ثلاثين سنة، وإعادة فهم وصياغة مفاهيم معاكسة لما رسخ في الأذهان، كتنزيل له صفة التقديس في العقول التي ألفت النقل؛ حيث الواقع يلوي أعناق النظريات! فمثلًا صار يرى أنّ ما يحرك التاريخ -حسب رأيه- ليس صراع الطبقات وإنما المافيات والفاشية والعقائد المسمومة، حيث الظلام يسم الواقع والوجود، والبشر تكيفت مع الوضع الراهن، وهي تبحث عن فرصة حياة، فالحلم الثوري أصبح بعيدًا جدًا، ولا أحد يثق في البديل. شروط الثورة غير متوافرة، ابحث عن خلاصك الفردي، فعصر البطولات انتهى، في زمن أفلتت فيه وجودية سارتر، وتكلست ثورية سيمون دي بفوار، وتحطمت الرموز جميعًا.

هل الخلاص الفردي أصبح المآل الأخير والحلم الوحيد، لجيل طالما طمح بوطن عتيد وأماني باسقة، لمجتمع تألق فيه الشعر والأدب والفنون ردحًا غير قليل من الزمن! ربما كان هذا التساؤل صرخة الرواية وضجيجها الجارح.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق