أدب وفنون

فرج بيرقدار في حفل تسلُّمه جائزة مهرجان فيرتشيلّي

اغتنمت إدارة مهرجان (فيرتشيلّي) حضورَ الشاعر فرج بيرقدار، لتسلُّم الجائزة السنوية لمهرجان (فيرتشيللي) للشعر (إيطاليا)، في دورته الثالثة عشرة؛ فرتَّبت له برنامجًا مكثفًا من المقابلات الصحفية، إضافة إلى محاضرة في الجامعة اليسوعية في ميلانو، بعد أن ربح الداعون إلى المحاضرة في مواجهة المعترضين عليها بحجة الماضي الشيوعي للشاعر.

في اليوم التالي، كانت مراسم تسليم الجائزة في مدينة “فيرتشيلي” التي تبعد عن ميلانو نحو 70 كيلو مترًا. هناك أقاموا له لقاءً في إحدى الثانويات، ثم في المساء قدِم أعيان المدينة ورموزها، لحضور الحفل وتهنئة الشاعر والاستماع إلى كلمته، ليبدأ بعدها حفل توقيع كتاب بيرقدار (مرايا الغياب) الذي أرادت لجنة الجائزة إصداره مترجمًا إلى الإيطالية، في يوم توزيع الجائزة. وفي ما يلي نص الكلمة:

منذ بداية شبابي، حسمت أمري في أن أكون شاعرًا، وكنت أعرف أن الشعر في بلدي الأمّ، وفي ثقافتنا العربية والإسلامية خطِر جدًا. تاريخ أجدادي القدماء مليء بدراما وتراجيديا الشعراء. قصيدة واحدة يمكن أن تودي بشاعرها إلى الهلاك. في ثقافتنا تلتبس الحدود بين الشاعر والمجنون والنبي، ربما لأنَّ كلًا منهم يجرؤ على قول الحقيقة أو استبصارها، وهذا ما لا يريح الطغاة ولا الأيديولوجيا أو مجموع القناعات السائدة في المجتمع. نعم كنت على ثقة أن طريق الإبداع الحقيقي وَعِرٌ وشاقّ ومزروع بالأشواك. لم أتخيَّل قط أنه قابل لأن يكون مزروعًا بالورود. في الماضي، كانت الكلمة الحرة تعني لي التشرّد والملاحقة أو الاعتقال والتعذيب، وربما القتل.. وكم يسعدني الآن أنها تعني جائزة، وإنه لشرف كبير لي أن أفوز بها لعام 2017، أعني جائزة مدينة فيرتشيلّي للشعر.

حين أبلغتني مترجمتي الإيطالية “إيلينا كيتي” بنبأ فوزي بالجائزة؛ شعرتُ أن أمطارًا، تشبه غزارة أمطار ستوكهولم في الصيف، بدأت تهطل في داخلي. بعض تلك الأمطار يشبه الدموع، وبعضها يشبه الرقص، بعضها يشبه حنين السجناء إلى المنفى، وبعضها يشبه حنين المنفيين إلى بلادهم، ولو كانت كلها سجنًا. ولكن مثلما كنت في السجن محاطًا برفاق قادرين على ترويض وحشية السجن؛ فإن لي في المنفى -أيضًا- أصدقاء قادرين على ترويض وحشة المنفى.

أنا شخص محظوظ حقًا، مثلما اعتقدتُ دائمًا، حتى حين كنت في سنوات الرمل والجمر والغياب، إذ أعلنت يومًا، أمام أصدقائي ورفاقي في السجن، أنني المحظوظ رقم واحد بين جميع سيئي الحظ. يومئذٍ اعترض على تفاؤلي الصديق الدكتور عبد العزيز الخيِّر، بقوله: محكوم خمسة عشر عامًا، وتعتقد أنك محظوظ!! ربما كان معه حق في ذلك الحين، وإن كنت أتوقَّع الآن أنه يمكن أن يعيد النظر، أو يجد تفسيرًا ما لحقيقة إحساسي أو حدسي. عبد العزيز الخير مختطف من قبل النظام، ومن داخل مطار دمشق الدولي منذ أيلول 2012.

ما أكثر أوجه الشبه بين السجن، أعني بلادي، وبين المنفى. ولكي لا يبدوَا متطابقين تمامًا، ينبغي عليّ أن أشير إلى أنني أسير في شوارع ستوكهولم، من دون أن أتلفَّت ورائي لأعرف مَنْ يتعقَّبني! في وطني الأمّ كنت مضطرًا إلى التلفّت باستمرار إلى الوراء ومراقبة كل ما حولي. كما أن إمكانية قولي ما أريد، وإيصال صوتي وصوت بعض أهلي السوريين إلى العالم، أفضل بكثير في منفاي، مما كانت في السجن.

فوزي بجائزة مدينة فيرتشيلّي للشعر سعادة عالية وعصيّة على الترجمة، ولكن، تقتضي الصراحة مني أن أقول: إنها ليست سعادة صافية، ذلك لأن مثقفين وحقوقيين وناشطين عديدين في بلادي تضيق عليهم زنازينهم، بعضهم ليس في زنازين النظام، بل في زنازين “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية؛ حسب الكثير من المؤشرات والدلائل. أعني الناشطين في “مركز توثيق الانتهاكات في سورية”، وهم مختطفون منذ قرابة أربعة أعوام: رزان زيتونة وسميرة خليل وناظم حمادي ووائل حمادة. وبعضهم في زنازين (داعش)، أعني الأب باولو دالوليو والناشط فراس الحاج صالح، والطبيب إسماعيل الحامض الذين اعتقلتهم (داعش) في الرقة منذ 2013.

أما الذين هم في زنازين نظام الأسد، فمن الصعب حصر أعدادهم وأسمائهم، كما من الصعب معرفة من منهم ما زال حيًا أو مات تحت التعذيب، ولكني أعرف منهم: المحامي خليل معتوق الذي تطوَّع للدفاع عني وعن مئات المعتقلين السياسيين أمام محكمة أمن الدولة العليا، وهو رهن الاعتقال منذ نهاية عام 2012. والصديق محمد فائق المير، وهو معتقل سابق من 1986 حتى 1998 واعتقل ثانية من عام 2005 حتى 2007، واعتُقِل ثالثة بتاريخ 7 أكتوبر 2013، ولا يُعرف مصيره حتى الآن. ووريث مسرح “خيال الظلّ” زكي كورديللو وابنه الفنان مهيار كورديللو، وهما معتقلان منذ أواخر عام 2012. والكاتب والسيناريست عدنان زراعي الذي اختطفته إحدى دوريات النظام في أحد أحياء دمشق عام 2012. والطبيب سالم مرّوش، اعتقله النظام في 6 آب 2012 وما زال. والطبيب محمد عرب، وهو معتقل سياسي سابق لدى النظام، وأعيد اعتقاله في تشرين الثاني 2011 وما زال. والقائمة في سجون النظام تطول، ولكني أذكِّر بأحد تفاصيلها، أعني التفصيل المتعلق بـ 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قتلهم النظام، أعني الصور التي هرّبها الضابط (سيزر) الذي انشق عن نظام الأسد وسلَّم الصور للأمم المتحدة، وأقرَّ خبراء عالميون بصِحتها، ولهذا أقيمت لها معارض في الأمم المتحدة وفي باريس وبروكسل… إلخ.

آمل أن يكون بإمكاننا أن نفعل شيئًا من أجل أولئك المعتقلين والمخطوفين. إنهم بأمسِّ الحاجة إلى أي دعم أو تضامن أو حماية مشابهة أو مقاربة للتي حظيتُ بها سابقًا وأحظى بها الآن. بودّي أن أشكر شعبنا على ثورته التي تأخّرت بالنسبة إليّ أكثر من ثلاثين عامًا. أعرف كم هو مؤلم حجم الضحايا والتضحيات، ولكن “لا بدَّ مما ليس منه بُدّ”. ولولا ثورة السوريين؛ لما انتبه العالم إليهم وإلى إبداعاتهم ومبدعيهم، ولهذا أرى أن للشعب السوري فضلًا كبيرًا علينا كشعراء وروائيين وسينمائيين ومسرحيين ورسامين ومثقفين.

أخيرًا وليس آخرًا، أتمنى أن تتفهموني، لو قلت: إني لا أستطيع أن أتخيل أنّ الكلمات التي أودت بي إلى السجن أربعة عشر عامًا في بلادي، قد منحتني جائزة مدينة فيرتشيلّي للشعر. حقًا إنها لمفارقة غريبة. أليست كذلك؟!

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق