ترجمات

معهد كاتو: المعضلات الكردية في واشنطن

أثار استفتاء كردستان العراق مؤخرًا، بشأن الاستقلال عن العراق، ردًا سلبيًا هائلًا في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى. ولا شك في أن معظم الأكراد يؤيدون تحويل منطقتهم ذات الحكم الذاتي في شمال العراق إلى دولة مستقلة معترف بها دوليًا. وكان التصويت بـ “نعم” في الاستفتاء قد تجاوز نسبة 92 بالمئة.

بيد أن الحكومة في بغداد ترى أن هذه الخطوة تشكل تهديدًا لوحدة الأراضي العراقية. وكانت السلطات العراقية قد أغلقت الخطوط الجوية المؤدية إلى كردستان حتى قبل إجراء الاستفتاء، وهي خطوة أدت إلى آثار مدمرة، بما أن أراضي كردستان لا تطل على أي بحر. كما أن الدول المجاورة، سورية وإيران، وخاصة تركيا، والتي تحتوي على أقليات كردية، تنظر إلى الاستفتاء وما يرمز إليه على أنه تهديد لها، وهي تتصرف وفقًا لذلك. فتركيا، على سبيل المثال، هددت بوقف صادرات كردستان من النفط عبر أراضيها، وقامت إيران بمحاكاة إجراءات بغداد وأغلقت الرحلات الجوية الإيرانية من وإلى كردستان.

تواجه الولايات المتحدة وضعًا حساسًا. وتتناقض المشاعر بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. فـ (إسرائيل) تدعم الاستقلال الكردي، وقد عبّر المسؤولون الإسرائيليون، السابقون والحاليون، عن دعمهم للاستفتاء. ولكن الحليفين الآخرين للولايات المتحدة -كما لوحظ- يعارضان تلك النتيجة بشدة. وتزداد حدة التوتر، ويبدو أن هناك أزمة عسكرية إقليمية تتطور؛ حيث تغاضت كل من بغداد وأنقرة عن النزاع بينهما، وتقومان الآن بتنسيق سياساتهما تجاه كردستان. وكانت الحكومتان قد هددتا بالانتقام المشترك بسبب التصويت المؤيد للاستقلال. وتتعاون تركيا وإيران -وهما اللتان نادرًا ما تتفقان على سياسة واحدة بشأن أي قضية- بشكل وثيق لمواجهة هذه المعضلة.

إن الوضع الكردي يسلط الضوء على توتر متضارب بين مفاهيم مجردة للعدالة وحقائق جيوسياسية. ويمكن القول إن الأكراد أمة وثقافة معترف بهما، ويستحقون دولة خاصة بهم. ويشكل الأكراد، في الواقع، أكثر تعداد سكاني في العالم لشعب من دون دولة. حتى إن الحلفاء في الحرب العالمية الأولى كانوا قد وعدوا الشعب الكردي بوطن مستقل عن أنقاض الإمبراطورية العثمانية المهزومة. لكن تنفيذ هذا الوعد كان من شأنه أن يتعارض مع السكان الأتراك والعرب الأقوى والأكثر تعدادًا؛ ولذلك نكثت القوى الاستعمارية الأوروبية بوعدها ووزعت معظم الأكراد على الدول التي نشأت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية (تركيا وسورية والعراق).

حاول الأكراد المستاؤون قلب هذه النتيجة مرارًا على مدى العقود الماضية، منذ الخيانة الدبلوماسية للحلفاء. وكان (حزب العمال الكردستاني) اليساري قد شن حربًا انفصالية ضد الحكومة التركية لعقود من الزمن. واستغل الأكراد في العراق فرصةَ إقامة حكم ذاتي في البلاد، عندما فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو منطقةَ حظر جوي فوق شمال العراق، في التسعينيات لإضعاف سيطرة صدام حسين على السلطة، وشنوا بعدئذ حربًا شاملة للإطاحة بنظامه. وأسس الأكراد دولة مستقلة، دون اسم، في شمال العراق، واتخذوا علمًا مستقلًا لهم، وعملة وجيشًا، وأحبطوا حكومة بغداد من ممارسة أي سيطرة جادة على السياسات الاقتصادية في كردستان.

وبالمثل، قام المقاتلون الأكراد في سورية المجاورة باستغلال تفكك البلاد، ليبسطوا سيطرتهم على رقعة واسعة من الأراضي في الشمال. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يعترف بهم رسميًا، إلا أن معظم السلطات في تلك المنطقة تخضع لسيطرة ميليشيا (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي ومسؤوليها المعينين. وبدأ الناشطون الأكراد في كل من العراق وسورية بالتلميح إلى ربط سياسي بين المنطقتين، وثمة تعاون عسكري عابر للحدود بين كردستان العراق وإخوانه الاثنيين في سورية. وهنالك أيضًا تعامل كبير بين (حزب الاتحاد الديمقراطي) و(حزب العمال الكردستاني) المتمرد في تركيا.

وتضع الطموحات السياسية للأكراد الولايات المتحدة في موقف حرج، يُحتمل أن يكون خطيرًا. وتعتبر واشنطن أن المقاتلين الأكراد في العراق وسورية حلفاء أقوياء جديرون بالثقة ضد تنظيم (داعش) لسبب وجيه؛ إذ تسببت قوات (حزب الاتحاد الديمقراطي) في سورية بأشد الهزائم التي شهدها التنظيم، بما في ذلك منع الجماعة الإرهابية من بسط سيطرتها على مدينة “كوباني” السورية الحدودية. وقد حققت هذا الإنجاز، بينما وقف الجيش التركي دون أي تحرك على الجهة الأخرى من الحدود. وصدت وحدات البيشمركة العسكرية هجمات تنظيم (داعش)، في عدة قطاعات في شمال العراق وشمال شرق سورية. وكانت هذه القوات أيضًا حاسمة في تحرير ثاني أكبر مدن العراق: الموصل، من احتلال التنظيم.

لكن بعض العمليات العسكرية الكردية أشارت إلى أجندة سياسية تتعدى هزيمة تنظيم (داعش). فعندما طردت قوات البيشمركة التنظيمَ من مدينة سنجار العراقية؛ رفعت هذه القوات العشرات من الأعلام الكردية. ولم يظهر العلم الوطني العراقي في أي مكان. لا بد أن ذلك قد أزعج حكومة بغداد، خصوصًا أن سنجار تقع خارج الحدود الطبيعية لكردستان العراق.

وقد قدمت إدارتا أوباما وترامب مساعدة مادية للقوات الكردية، في كلٍّ من العراق وسورية. وفي الواقع، وفرت الولايات المتحدة غطاءً جويًا لهجوم الأكراد لاستعادة مدينة سنجار. لكن تلك المساعدة أدت إلى توترات مع بغداد وأنقرة. وظهرت طبيعة المعضلات للسياسة الأميركية عندما قام الجيش التركي، بشكل متكرر، بالهجوم على الوحدات الكردية ذاتها التي زودتها واشنطن بالمعونات، والتي كانت تتعامل مع العسكريين الأميركيين. وعلاوة على ذلك، قامت أنقرة بعمليات توغل عسكرية في شمال العراق لما يقارب عقدًا من الزمان، لاستئصال مقاتلي (حزب العمال الكردستاني) الذين استخدموا تلك المنطقة لشن هجمات من الحدود على الداخل التركي. ومن الواضح أن المسؤولين الأميركيين والأتراك لا يتفقون من حيث السياسة.

وتورط مسؤولو إدارة ترامب في ارتباط خطير؛ إذ إن المقاتلين الأكراد حلفاء مفيدون للغاية في مواجهة تنظيم (داعش) ومتطرفين إسلاميين آخرين في كل من سورية والعراق. ولكن من الناحية الأخرى، كانت الولايات المتحدة قد التزمت بالحفاظ على وحدة أراضي هذه البلدان، في الوقت الذي تتعارض الأجندة الكردية بوضوح مع تلك السياسة. ويعدّ الوضع مع تركيا أكثر إزعاجًا لواشنطن. فتركيا عضو حليف في حلف شمال الأطلسي، وعلى الرغم من سلوك أنقرة الضبابي في بعض الأحيان، إلا أنها تُعدّ شريكًا مهمًا في مجابهة الإرهاب الإسلامي. وتعقّد الطموحات الكردية المتعلقة في جنوب شرق تركيا علاقات واشنطن مع أنقرة.

كما تواجه الإدارة صعوبات على الجبهة الداخلية، بخصوص القضية الكردية. وثمة إعجاب كبير داخل الولايات المتحدة بمساعي الحرب الكردية ضد تنظيم (داعش). وفي الواقع، ثمة إشادة حماسية للأجندة الكردية السياسية الشاملة، وبخاصة في أوساط المحافظين وغير المحافظين من الجمهوريين (ويُعتبر بعضهم مكونًا مهمًا في قاعدة الرئيس السياسية). ويحث بعض قادة الرأي البارزين واشنطن علنًا على نشر الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بإقليم كردستان مستقل.

ليس من الصعب فهم أسباب مشاعر كهذه. فالحكومة والشعب في كردستان يجاهرون بعلمانيتهم في منطقة يتزايد فيها الإسلام المتطرف. كما أن هناك تسامحًا دينيًا أكبر في كردستان العراق مقارنة بأي سلطة قضائية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وليس من المصادفة أن معظم المسيحيين الهاربين من مناطق الاشتباك في العراق وسورية، بحثوا عن ملاذ آمن في كردستان وحصلوا عليه. ويبدو أن الأكراد ملتزمون بنظام اقتصادي يعتمد على مزايا مهمة لسوق حرة، رغم أن اقتصاد كردستان لا يخلو من الفساد وتدخل الدولة. وبالمثل، ورغم أن المعجبين من الأميركيين والإسرائيليين يميلون إلى التغاضي عن دلائل تزايد الاستبداد في حكومة الرئيس مسعود برزاني، إلا أن النظام السياسي لكردستان العراق يبقى شبه ديمقراطي على الأقل. وبالمقارنة مع دول شرق أوسطية أخرى؛ تظهر كردستان بمظهر جيد جدًا في ساحة الرأي العام الأميركي.

تسعى إدارة ترامب بشدة إلى حل معضلة سياسة واشنطن المتفاقمة. ويواصل القادة الأميركيون بالتعبير عن دعمهم للأعمال الكردية المناهضة لتنظيم (داعش)، ويتواصل الدعم العسكري إلى هذه القوات في كل من العراق وسورية. وفي الوقت ذاته، فقد تبنت الحكومة الأميركية موقفًا رسميًا يعارض استفتاء الاستقلال وأجندة دولة كردستان مستقلة. ويبدو أن هذه المحاولةَ الرامية إلى اتّباع استراتيجية متوازنة موقفٌ لا يرضي أي طرف.

ويجب على القادة الأميركيين وضع مصالح أميركا بالاعتبار، في ما يتعلق باستفتاء استقلال كردستان أولًا، وبالطموحات الكردية عمومًا. ويمكن للمرء التعاطف بشكل مشروع مع أهداف شعب حُرِم بشكل استبدادي من وطن لعقود طويلة من الزمن. لكن يجب على السياسة الأميركية موازنة القضية الأخلاقية، بدعم تأسيس وطن للأكراد، مع الحقيقة الجيوسياسية التي تفيد بأن تحقيق هذا الهدف من شأنه أن يزيد من الفوضى في منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة بالأساس. في بلدان الشرق الأوسط التي يغيب عنها الاستقرار.

إذا توقفت واشنطن عن محاولة التحكم بتلك المنطقة (وهي مهمة جاحدة، إن وُجدت)؛ فقد تتمكن الولايات المتحدة من تبني سياسة مرضية أخلاقيًا فيما يتعلق بالأكراد. ولكن طالما أن القادة الأميركيين يصرون على دور أميركي بارز في الشرق الأوسط، فعليهم أن يولوا الاعتبارات الجيو استراتيجية العملية اهتمامًا أكبر. وقد يكون هدف محاولة تحقيق توازن بين العاملين مطالبة ظاهرية، لكنه غير واقعي على المدى البعيد. لأن الاعتبارات الجيو استراتيجية ستكون الأهم لا محالة.

مع استمرار التوترات الإقليمية؛ فإن هناك خطرًا في أن تتورط الولايات المتحدة في نزاعات مسلحة في ما يخص الاستقلال الكردي. وبقدر ما يمكن للمرء أن يتعاطف مع الأكراد وعدالة أهدافهم، إلا أن تكبد عناء مجازفة خطيرة كهذه أمر غير مضمون. وبدلًا من ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى تجديد استراتيجيتها بأكملها في الشرق الأوسط، على الفور، لتجنب الوقوع وسط وضع متزايد في الخطورة.

 

تيد غالن كاربنتر: عضو عريق في معهد “كاتو”، ألّف عشرة كتب حول العلاقات الدولية.

 

اسم المقالة الأصلي Washington’s Kurdish Dilemmas
الكاتب Ted Galen Carpenter تيد غالن كاربنتر
مكان النشر وتاريخه Cato Institute

12-10-2017

رابط المقالة https://www.cato.org/publications/commentary/washingtons-kurdish-dilemmas
ترجمة مروان زكريا

مقالات ذات صلة

إغلاق