مقالات الرأي

“المؤامرة”!

قد تكون كلمة “المؤامرة” من أكثر الكلمات تداولًا، منذ سبع سنوات بين السوريين، على اختلاف مذاهبهم الدينية والسياسية والقومية. فما إن خرج السوريون لاسترداد كراماتهم وحقوقهم المغتصبة؛ حتى واجههم بشار الأسد بتهمة ضلوعهم في “المؤامرة” العالمية ضد “سورية الأسد”، لأنها قلعة الصمود والتصدي.

قبل أن تنقضي السنوات السبع على محنة السوريين ومقتلتهم الكبرى، كانت تلك الكلمة السحرية قد انتشرت بين السوريين وغير السوريين، كلٌّ يستخدمها بما يخدم مصالحه؛ وهكذا أصبح معنى كلمة “مؤامرة”، عند النظام الأسدي ومؤيديه، العملَ على الإطاحة بالنظام “العلماني التقدمي المقاوم للاحتلال”. وقبل ذلك بزمن بعيد، تمّ استخدام كلمة “المؤامرة” في الأوساط الإسلامية الدينية والسياسية، للإشارة إلى مؤامرة عالمية ضد الإسلام والمسلمين. ولم تتأخر المعارضات السورية عن استخدام الكلمة لصالحها، فهناك مؤامرة لتفتيت المعارضة، ومؤامرة لمنعها من الاتحاد والانتصار، ومؤامرة لمنع تسليحها، ومؤامرات لأسلمتها، ومؤامرات لوصمها بالإرهاب، إلى آخر المعزوفة التي عزفها النظام الأسدي، وقبلهما تيارات الإسلام السياسي في العالم، وقبل قبلهم، اتهام الغرب للعقل العربي بإيمانه بنظرية المؤامرة، وتفسير السلوك العالمي انطلاقًا منها.

قد يكون كل طرف من الأطراف التي اتكأت على نظرية المؤامرة محقًا جزئيًا في اتهامه الآخرين بالتآمر عليه، ولكن هذا لا يلغي، بل يؤكد، ضرورة طرح السؤال الحارق: ماذا عن تقصيرنا نحن، ما هي عيوبنا التي سهلت وعبّدت الطرق أمام انتشار “المؤامرات”، ضد مجتمعاتنا وثقافتنا وأدياننا وأخلاقنا، وضد كل واحد منا شخصيًا، و و و؟.

يستطيع كل واحد منا عرض عشرات الأمثلة التي تؤيد ما يذهب إليه، ولكنني سأكتفي بعرض حالتين فقط، لتأكيد زعمي بأننا نتهم الآخر ونلقي المسؤولية عليه، وأما نحن فلسنا أكثر من ضحايا بريئة!

في تسعينيات القرن الماضي، كان مجموعة من العرب، معظمهم سوريون، يجتمعون كل أسبوعين لمناقشة قضية، تمّ الاتفاق عليها سابقًا. كان أحد الموضوعات عن حالات الطلاق التي بدأت بالانتشار في أوساط المهاجرين، نحن نتحدث عن عام 1993، وليس بعد 2011 وحركة اللجوء السوري إلى العالم. كان رأي أغلبية المشاركين أن السبب وراء حالات الطلاق هو المجتمع الجديد وقوانينه التي تحمي المرأة وتدعمها اقتصاديًا، كي تصبح مستقلة عن زوجها. ثم تركز الحديث على هشاشة المرأة العربية ثقافيًا، وانجرافها في تيار الحرية الشخصية التي يدعو إليها الغرب، ويحميها.

تم تجاهل دور الرجل وسلطته وهيمنته الاقتصادية والاجتماعية والدينية على المرأة، ولم يتطرق إليها أحد، وإذا كان قد حدث نقد أحيانًا، فقد كان نقدًا ناعمًا، بعكس نقد المرأة. والخلاصة كانت أن هناك مؤامرة علينا، أمّا لماذا لم نستطع مقاومة هذه المؤامرة، ولماذا لم نقرر العودة إلى بلداننا لحماية عائلاتنا، فهذا موضوع آخر، له علاقة أيضًا بفهمنا للمؤامرة على الرجال ومنسوب الرجولة عندهم، كما عبّر عنه في أحد الأيام أحد وزراء (حماس) الذي منع صالونات الحلاقة في غزة، لأنها تؤثر على “منسوب الرجولة”، عند الغزّيين!

الموضوع الآخر موجودٌ هذه الأيام عند منتجي السينما الغربية الذين عثروا على موضوع بوليسي مشوق عند جمهورهم، ليكون فيلمًا أو سلسلة أفلام من الدرجة العاشرة، تدغدغ مشاعر زبائنهم، خرج منها واحد هذا العام بعنوان (المؤامرة Conspiracy)، ولكن ليس على العرب والمسلمين أو على الثورة السورية، بالرغم من أنه يلامس هذه الموضوعات كلها، في أثناء الحديث عن مؤامرة هدفها الغرب، أصحاب الفكرة هم الغربيون وكذلك ضحاياها، أما الأدوات فهم مسلمون يعيشون في الغرب، وتدور أحداث الفيلم في بريطانيا وأميركا.

تقوم فكرة الفيلم على فرضية وجود مؤامرة إرهابية بيولوجية محدودة التأثير، موجهة ضد الأميركيين، الهدف منها هو  امتحان قدرة الأميركيين على المقاومة؛ وبالتالي أخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة لمنع عمليات إرهابية أقوى وأشمل، قد تصيب عددًا أكبر من الغربيين عمومًا والأميركيين خصوصًا، وهي آتية لا بدّ، والعقول الغربية مستعدة لتقبل حقيقة حدوثها، وبخاصة في أجواء الحرب على الإرهاب الذي تقوده وتسوّق له حكومات بلدانهم.

يقود العملية ويخطط لها وينفذها أحدُ الفروع الأمنية التي يحمل مديرُها فكرةً، تقول إنه يجب إيقاظ الأميركيين، ومن أجل هذه الهدف النبيل؛ لا بد من التضحية ببعض الأميركيين من أجل إنقاذ العدد الأكبر منهم، فهذا برأيه مجرد عملية حسابية، مقارنة عدد من يموت بعدد من سيتم إنقاذهم.

يوحي الفيلم أن هناك شبكة إرهابية إسلامية عالمية، يقودها ويوجهها شيخ، له أتباع يريدون خدمة الله، ولكنهم لا يعرفون وسيلة أخرى لتحقيق تلك الخدمة إلا عبر نقل ما يقوله الشيخ إلى آخرين. ومن سوء حظ المسؤول الأمني عن العملية، تتدخل أطراف أمنية أخرى، عندها وجهات نظر غير تلك التي عند المشرف على العملية؛ فتفشل العملية وتتم تصفية القائمين عليها، وعناصر التنفيذ، ويقتل في النهاية “الإرهابي الأكبر”، عند محاولة هربه إلى سورية، عبر إحدى دول أوروبا الشرقية. وتتم تبرئة أغلب المسلمين، والإشادة بوطنية بعضهم، وتسليط الضوء على أنهم مجرد مسلمين يؤمنون بدينهم الذي لا يدعو للقتل.

ينتهي الفيلم، ولكن الخوف من “المؤامرة” الإسلامية يبقى في العقل؛ فيزيد خوف المسلمين قبل غيرهم، فما كرسه الفيلم لا يمكن أن يزول ببعض المشاهد التي تُنصف المسلمين. وتستمر حياة المسلمين الذين وصلوا إلى الغرب طوعًا أو رغمًا عنهم، في تقليب نظرية المؤامرة بين رافض ومؤيد. ويستمر الخوف من الآخر، والتقوقع على الذات، تاركين الزمن يفعل فعله فيهم وفي أولادهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق