تحقيقات وتقارير سياسية

بلفور الأمس أم “بلافرة” اليوم!

تحلّ الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، الذي أصدره في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 1917 جيمس آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا آنذاك، من خلال تصريحه الشهير الذي ينص على إقامة “وطن قومي لليهود” على أرض فلسطين. مئة عام من الأثمان الباهظة التي تواصل جبايتها الحركة الصهيونية، ويدفعها الفلسطينيون والعرب من جرّاء الوعد المزعوم الذي تحضر ذكراه اليوم، وتغيب في مناسبات عدة، كما كان عليه الحال منذ سنوات طويلة.

مئوية بلفور، اليوم، مختلفة عن وقائع الحياة الفلسطينية والعربية وأجهزتها الإعلامية، والتوقفُ عند تكريس هذا الوعد الأسود وشرح أبعاده ومضامينه للشعب الفلسطيني والعربي، بات من الأمور الشاقة والأليمة، ربما تكون زحمة الأحداث الخطيرة والمتوالية هي السبب، إضافة إلى جملة من الأسباب الأخرى.

نجاح الوعد، والفكرة الصهيونية، لم يرتبطا بتنفيذ وعد “إقامة وطن لليهود”، بل بجملة التعهدات والوعود التي تتلقاها دولة الاحتلال من أكثر من طرف عربي، ويمكن ملاحظة أن خطَر بلفور العربي -في تعهداته وتفاهماته مع الاحتلال- يفوق خطرَ فكرة الوعد الذي طرحه جيمس بلفور قبل قيام الكيان الصهيوني بثلاثة عقود؛ لأن ثبات الفكرة وتوسعها فيما بعد على أنقاض الشعب الفلسطيني، لم تكن لتستمر دون العمل الحثيث من العربي بلفور الممثل ببعض النظام الرسمي العربي.

الاستمرار في طمس الحقائق، والتستر على الشرور والجرائم، هي وعود متبادلة، بين أشقاء بلفور الإنكليزي من “البلافرة” العرب الرسميين وبين دولة الاحتلال، تسترٌ متبادل فضحته سنوات النكبة الفلسطينية، ثمّ أعوام النكبات العربية في مرحلة قمع الثورات العربية. وفي الوقت الذي يعزز فيه “وعد بلفور” حضوره منذ ذاك التاريخ، يسرب بلفور العربي زياراته وتفاهماته وحتى تطميناته لدولة الاحتلال وصولًا إلى التعاون الوثيق معها، الذي فُقد على مدار سبعة عقود تجاه المنكوبين أصحاب الأرض الذين اقتلعوا منها بجريرة أساطير خرافية ووعود مزعومة.

من دمشق إلى القاهرة والرياض، ومن مراكش إلى أبوظبي، تتجول وعود “بلافرة” العرب، باتجاه تل أبيب، فيطمئِن الإنكليزي صاحب الوعد، إلى الأثر العميق الذي تركته استثمارات تلك العواصم في تعهدات مماثلة بالحفاظ على وعده، مقابل أن تنال رضا التمدد والاستثمار في السلطة. في زمن استمرار المحتل، مئة عام، كان للوعد حضور في “دولةٍ” تسوق مؤسساتها وكياناتها، وتتباهى بأن نسل الجد بلفور بات مقيمًا في عواصم العرب، بل يجهر من القاهرة: إنه لن يهدأ له بال حتى يرى الإسرائيلي يعيش جنبًا الى جنب مع شقيقه الإسرائيلي. ويسرّب الآخر من دمشق “أن أمن إسرائيل هو من أمن النظام”، ومن السعودية يطير ولي العهد إلى تل أبيب، ومن أبو ظبي يجتهد بن دحلان مع بن زايد على البوح بفقدان المناعة الأخلاقية.

كل بلفور عربي، لسانه يقول “نحن أولاد اليوم”، والماضي مضى وانتهى، لتبرير ما تقترفه وعوده تغطية على جرائم متواصلة، ولسان العربي يقول كانت مصيبتنا ببلفور واحد، حتى باتت المسألة متجلية في استبدال الوعود إلى تقديم الضمانات والتنسيق الأمني، وفتح الأبواب الخلفية والأمامية أمام “إسرائيل”، على اعتبار أنهم “أولاد اليوم”، وهي ابنة وعد الماضي. وبالتالي توقيع الاتفاقات السرية والعلنية معها، وتشريع ما وعد به بلفور الأمس مع بلافرة الحاضر، كان مقدمة لتطور ونهوض ونجاح ما تحقق للمشروع الصهيوني الذي يشكو كذبًا بلافرة اليوم جلادهم الذي أصبح حليفهم في مكافحة “الإرهاب”.

يتضح، من تصرفات “بلافرة” العرب، سعادتهم وفخرهم بما يبذلونه، للإبقاء على الوعد “الأساس”، فكل “البلافرة” المحيطين بفلسطين أو الذين يبكونها أو يتنافخون باسمها، قدّروا وجودهم المرتبط بحراسة الوعد، ويواصلون عملهم، لبنة فوق أخرى، في قمع المنكوبين وأشقائهم، مهمات أساسية جعلت الوعدَ الخرافةَ “حقيقةً”، تطورت من الاعتراف إلى الإعجاب وصولًا إلى التنسيق الأمني والاقتصادي والسياسي.

بعد قرن بلفور، تخرج وعود صفقات بلافرة العرب للحديث عن صفقة قرن، يزحفون على بطونهم، في السر والعلن، نحو تل أبيب، ويزحف البقية بكل قوة لتذخير البراميل والطائرات،  لدك المدن والقرى وتهجير الملايين، ويحشر مئات الآلاف في الزنازين، وتُدمّر الأوطان كُرمى للوعد الأول، فمن نطالبُ بالاعتذار فقط؟ صاحب وعد الأمس أم بلافرتنا أصحاب وعود الماضي والحاضر والمستقبل؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق