تحقيقات وتقارير سياسية

صناعة المرتزقة.. الحرس الثوري يواصل تجنيد الأفغان

يقاتل في صفوف الميليشيات التي تدافع عن نظام الأسد آلافُ المرتزقة الأفغان من شيعة (الهزارة)، بينهم أطفال ومراهقون، جندتهم إيران بطرق ابتزازية، لأن معظمهم لاجئون داخل إيران.

نشرت وكالة الأنباء الفرنسية مؤخرًا تقريًرا، أكدت فيه أن هؤلاء المرتزقة الذين “لا يجدون آفاقًا في بلادهم”، تعمل إيران على إغرائهم ببعض المال، ويقوم (الحرس الثوري الإيراني) بنقل “المجندين جوًا” إلى سورية؛ لـ “القتال دفاعًا عن نظام بشار الأسد”.

أحد هؤلاء المقاتلين، واسمه المستعار (شمس)، قال بعد عودته إلى كابل: “بالنسبة إليّ الأمر مسألة مال فقط، فأنا لم ألتق أحدًا توجه إلى هناك بدوافع دينية”، وأضاف أنه “توجه مرتين للقتال في سورية في 2016″، حيث خاطر بحياته في نزاعٍ يجهل رهاناته، وأوضح أنه توجه بالبداية إلى إيران على أمل “العثور على عمل”، لكنه بعد أن أمضى شهرًا بلا نتيجة؛ قرر “التوجه إلى سورية”.

يقول (شمس): إن الإيرانيين “يشجعونك قائلين: ستدافع عن أماكن مقدسة، وستكون مقاتلًا من أجل الحرية، وإذا عدت حيًا؛ فسيحق لك الإقامة عشر سنوات في إيران”، وأشار إلى أنهم يعِدونه بـ “دفع 1,5 مليون تومان (400 الى 450 دولارًا) في مركز التجنيد كل شهر”، وعندما يوقّع على الانضمام، يقبض “ضعف هذا المبلغ”.

لفت (شمس) إلى أنه تلقى تدريباته في سورية، تحت إشراف “عناصر من الحرس الثوري”، وقد تعلّم عندما دخل للمرة الأولى، “كيف يستخدم سلاحًا رشاشًا من طراز (ايه كي -47)”، وقد تلقى “تعليمات بسيطة حول المدفعية”، أما مهماته القتالية فكانت في المرة الأولى عبارة عن حراسة ثكنة عسكرية “قرب دمشق”، وذلك بين شهري أيار/ مايو، وحزيران/ يونيو 2016، ولكونها كانت مريحة، وبلا مشكلات؛ قرر (شمس) العودة في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، لكنه في هذه المرة أُرسل إلى مناطق “قرب حلب”، من دون أن يكون لديه فكرة “حول خلفيات المعركة أكثر من أنها مواجهة بين السنة والشيعة”.

بحسب (شمس)، فإن المجموعة التي كان يقاتل ضمنها تعرضت قرب حلب لـ “كمين”، وقال: “كنّا مئة شخص، نجا منا 15 شخصًا”، وأكد أنه عند الوفاة “يعاد الجثمان إلى إيران، وليس إلى أفغانستان، حيث تتم المراسم في المساجد من دون جثمان أو تشييع، لكن الأُسر تحصل على تعويض وفاة”، ويوضح أن “الشبان الأفغان يتواصلون، خصوصًا عبر (فيسبوك) و(تلغرام)، للتوجه إلى سورية، وكذلك بعد وصولهم إليها”.

كانت إيران في البداية تجند “اللاجئين الأفغان” المتواجدين على أراضيها، ووفق التقرير، فإن عددهم يبلغ “2.5 مليون لاجئ”، وتعتبر أن وضعهم “غير قانوني”، لكن تلك الطريقة بتجنيد المرتزقة “باتت تجتذب أشخاصًا” من داخل أفغانستان، ومن “كافة الأعمار من العاطلين عن العمل، والذين يذهبون للقتال في بلد آخر، على الرغم من أن بلادهم تعاني من الحروب، منذ أربعين عامًا”.

تستهدف إغراءات “المكلّفين” بجذب المرتزقة من تلك الطائفة الفقيرة (الهزارة) الشيعة، أشخاصًا أعمارهم تراوح ما بين “14 و60 عامًا”، ويتعرض هؤلاء غالبًا لـ “التمييز”، ويتم تنظيمهم في “صفوف (كتيبة الفاطميين)، وقوامها بين 10 و20 ألف أفغاني شيعي، لمحاربة مقاتلي المعارضة السورية”، أما المكلفون بتجنيد المرتزقة، فيتلقون “عمولة قدرها مئة دولار” عن كل شخص، “قبل أن يرسلوا العناصر الجدد” إلى التدريب العسكري الذي يستمر مدة شهر، في منطقة “دليجان جنوب طهران”.

تقدّر منظمة (هيومن رايتس ووتش) عددَ المرتزقة في (كتيبة الفاطميين) بنحو “15 ألف أفغاني”، بينما تفيد المنظمة بأن عددهم في (كتيبة الزينبيون) التي أساسها باكستانيون، يُقدّر بنحو “ألف أفغاني” فقط، لكن أحمد شجاع، وهو محلل سابق لدى المنظمة في كابل، يقول: “لا توجد أرقام يمكن الاستناد إليها؛ لأن (فيلق القدس) -وهو القوات الخاصة للحرس الثوري الإيراني- يتكتم حول الموضوع”، وقال شجاع: إن “المال، وإمكان الحصول على إقامة لهم ولأسرهم، هما المحفزان الرئيسيان”، لأولئك الأشخاص.

مقاتل أفغاني آخر، اسمه المستعار (خليل)، أكد وجود “باكستانيين وعراقيين كلهم من الشيعة”، وقال: “كنا مختلطين مع العرب الذين لا نفهم لغتهم”، أوضح خليل إلى أنه توجه “مع مجموعة أفغانية إلى سورية في 2014″، عندما كان لا يزال “عمره 17 عامًا”.

رمضان بشاردوست، النائب في البرلمان عن الهزارة، أشار إلى أن عدد هؤلاء “سرّ عسكري”، وأكد أنهم “يتعرضون للاستغلال من قبل الحكومة الإيرانية التي تعاملهم كالعبيد”، وأوضح أن الحكومة استدعت السفير الإيراني، بعد تقرير منظمة (هيومن رايتس ووتش) الذي ندد بتجنيد “المراهقين”، كما أثير الموضوع في البرلمان، لكن بالنسبة إلى الحكومة الأفغانية، بحسب بشاردوست، “مآسي الشعب ومعاناته ليستا مشكلة”.

أحصى علي الفونه، وهو باحث مساعد في مجلس (أتلانتك كاونسل) في واشنطن، مراسم “تشييع” لـ 764 قتيلًا أفغانيًا في إيران، “قُتلوا في سورية، منذ أيلول/ سبتمبر 2013، حتى 16 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري”.

على الرغم من أن الخوف والحذر من الكلام الذي يحيط بالأسر الأفغانية في أفغانستان، وفي إيران، فإن آمنة (وهي أمّ لستة أطفال) تهمس أن “ابنها حتى بلوغه الـ 18 قاتَلَ مرتين في سورية”، أما (شمس) و(خليل) الذي “توسلت إليه أمه”، فقد فضّلا “العودة إلى أفغانستان”، وقال (شمس): “لن أنصح أحدًا بالتوجه إلى هناك؛ إذا كان لديه عمل هنا”.

هكذا تبني إيران مصالحَها ومشروعها الطائفي في المنطقة على دماء الآخرين، وهكذا تصبح أرواح السوريين وبيوتهم وأمنهم مجردَ فرصِ عملٍ لمرتزقة لا يملكون الحدَّ الأدنى من القيم التي يمكن لها أن تمنعهم عن استباحة أوطان الآخرين، لكن بضعة أرقام متفرقة تعطي مؤشرًا مهمًا عن شجاعة السوريين، في مقارعة هؤلاء القتلة في طهران. ح. ق.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق