هموم ثقافية

مديح الفنان: شاهدًا وشهيدًا

ما أكثر ما تدور على الألسنة عبارات تتحدث عن استحالة الحياة لولا هذا الفن أو ذاك، تارة الموسيقا، وأخرى الغناء، وثالثة الشعر في تجلياته المختلفة عبر فنون الكتابة كلها، ورابعة فنون العمارة على اختلافها! لكنّ هذه العبارات تتجاهل، أو تنسى، من يُحيي، وهو يبذل نفسه، هذا الفنَّ الذي لولاه؛ لفقدت الحياة أجمل معانيها.

كنتُ أتابع ذات يوم شرحًا مفصلًا كانت تقدمه أستاذة البيانو لابنتي، حول البناء المعماري لسوناتا بيتهوفن (لا باسيوناتا) التي كانت تعزفها لها. وكنت أرى كيف كان أدق أداءٍ لهذه العلامة الموسيقية أو تلك -في القوة أو الخفة، في السرعة أو في البطء، في المدِّ أو في الاختصار- يشارك في انسجام المجموع، بحيث إذا ثقلت الإصبع على البيانو مقدار ذرة؛ تغيرت ألوان العلامات الأخرى كلها، وتخلخل البناء في مجموعه، وضاع المعنى. ورأيت كيف يقوم التشابه، بل تطابق التصميم البنيوي، بين مختلف ضروب العمارة الفنية: من كاتدرائية (نوتردام) في باريس أو في شارتر، إلى رواية سرفانتس الملحمية (دون كيخوته)، أو رواية مارسيل بروست (البحث عن الزمن المفقود)، ومن قصيدة آرثر رامبو (المركب السكران)، إلى (غيرنيكا) بابلو بيكاسو، أو منحوتة أوغست رودان (القبلة). وقل الأمر نفسه في الفنون التي عرفها العرب، منذ زمن المعلقات التي يكاد كل بيتٍ فيها يؤلف قصيدة إعجازية وحدَه، وما تلاها حتى يومنا هذا من إبداع شعري بات سمة القريحة العربية، مرورًا بوجه خاص بفرادة القرآن وآياته، وليس انتهاءً بفنون الأداء الموسيقي أو المعماري أو القصصي، وهي تستعيد في توليفات خارقة ثمرات حضارات متعاقبة أو متزامنة، مجددة شكلها ومعانيها ووظائفها.

مَن كان وراء ذلك كله؟ في التراث الغربي كما في التراث العربي، وفي تراث أيِّ ثقافة أخرى، ثمة فئة اختارتها الأقدار ووهبتها الإرادة والطاقة والقدرة على صنع الجمال في تجلياته المختلفة، وعلى العيش فيه ومن أجله، مهما كلفها ذلك من عناء وعنت. فئة أنيط بكل فرد منها دور يؤديه راضيًا به ومقبلًا بكل وجوده على مهمة لا يستطيع دفعها أو التخلي عنها. لكن أكثرهم، بل جميعهم، لم يكن يرى في ما يفعله وسيلة ثراء أو سلطة، بل استجابة عفوية لنداءٍ خفي، لا يتوقف إلا لحظة إنجازٍ ما، كي يستأنف من جديد، كما لو كان يطلب المزيد. غير أنهم، جميعًا، سرعان ما يختفون وراء أوابدهم التي تقولهم وتتجاوزهم ما إن ينجزوها. ويكاد المرء وهو يتفطر ألمًا لما عاناه بعضهم من آلام أو عاهات خلال مسيرتهم الإبداعية، ويُؤخَذُ في الوقت نفسه إعجابًا وذهولًا بما صنعوه، يتمنى لو أنهم أوتوا كذلك سمة أوابدهم، كي يستمروا في الإبداع إلى ما لانهاية.. لكنها سنة الحياة.

لا حصر للأمثلة في ثقافات الأمم جميعًا. يستوي فيها كل من تلقى شعلة النور الفريد في صدره، فطفق يعمل بلا هوادة حتى يحقق ما بدا له أنه خُلق لأجله. لا أزال أذكر تفاصيل ما قصّه علينا، تلامذة الصفوف الإعدادية في ثانوية ابن خلدون بدمشق، صميم الشريف، أستاذ الموسيقا يومئذ، والذي كان له فضلُ ولعي، منذئذ، بالموسيقا الكلاسيكية، وهي القصة التي أعود إليها في مظانها اليوم تثبيتًا لها، كي أستعيدها هنا مثلًا.

لودفيغ فان بيتهوفن: لم يكن بوسعه ذلك اليوم، السابع من شهر أيار 1824، قيادة الفرقة السمفونية لعزف آخر أو قمّة السمفونيات، كما قال عنها ريتشارد فاغنر، تلك التي ستُكرَّس، من بعدُ، كأعظم عمَلٍ موسيقيّ عرفه العالم الغربي في تاريخ الموسيقا، بدأ التفكيرَ والعملَ فيه منذ أن قرأ قصيدة فريديريك شيللر (نشيد الفرح)، وهو في سنواته الثانية والعشرين، ولم ينجزه إلا بعد ربع قرن، وقبل رحيله بسنوات ثلاث. لكنه كان على مقربة من الفرقة، وهي تعزفه للمرة الأولى، يؤشر للعازفين الذين طلب إليهم قائد الفرقة عدم الانتباه إليه، بوتيرة الزمن؛ ويسمع بعينيه متابعًا علامات السمفونية التاسعة على المخطوط الذي كتبه بيديه طوال ما يقارب السبعين دقيقة. وحين صدحت الفرقة بآخر علامة فيها، هبَّ الجمهور واقفًا يصفق إعجابًا واحترامًا لمن أعجزه صمَمٌ، أصاب أذنيه عن سماع ما أبدعته عبقريته لآذان وسمْع ووعي الآخرين. كان بيتهوفن ما يزال يتابع بعينيه آخر علامات تحفتِه، حين اقتربت منه الكونترالتو كارولين أونغر، وأمسكته برفق من كتفيْه كي تحمله على أن يستدير، وتجعله يسمع بعينيه مرة أخرى، ويرى كيف كان الجمهور يعبّر عن إعجابه بالأيادي والقبعات المرفوعة بلا توقف. لم يكن ذلك ما كان يتطلع إليه. كان ما أراده وعمل من أجله طوال سنوات شبابه، أن يرقى بموسيقاه إلى مستوى القصيدة التي أذهلته، والتي صارت منذئذ همّه اليومي: كتب الكثير من القطع الموسيقية من وحيها طوال ما يقرب من ربع قرن، إلى أن استقر على خاتمة مبدعاته، سمفونيته التاسعة، فخلدها ومُبدِعَها فيها من حيث لا يدري.

كان هو نفسه الذي مزق إهداءَ سمفونيته الثالثة، كان كتبه لبونابرت، حين اعتلى هذا الأخير عرش الإمبراطورية؛ وكان هو نفسه –أيضًا- من فرَضَ احترام الموسيقيين جميعًا، حين رفض الدخول من الباب المخصص لهم في القصور التي كانوا يدعون للعزف فيها، مُصِرًّا على أن يُعلَنَ عن دخوله كأي نبيلٍ آخر، بما أنه نبْلُ الفنّ مجسدًا. لا تزال وستبقى موسيقاه تصدح في أرجاء العالم كله ما بقي هذا العالم، تبث الجمال وتحض على الأمل. ولا تزال سمفونيته التاسعة التي جعلت أوروبا منها نشيدها الرسمي، تثير كوامن الفرح والأخوة الإنسانية، حتى في أشد الظروف الإنسانية بؤسًا ومرارة.

مع بيتهوفن، هل يمكن أن يجهل كل من تذوق الموسيقا الكلاسيكية مثل موسيقيٍّ، معجزة هو الآخر، أماديوس موزارت، وُهِب القدرة على أن يبدأ في آن واحد مسار مؤلف موسيقي، وعازف بيانو وكمان في السادسة من عمره، وعلى أن ينجز في أقل من ثلاثين عامًا من المبدعات الموسيقية، ليس ما يثير الذهول في الكم وفي الكيف وفي التنوع فحسب، بل في الجمال المطلق، بما يبثه من فرح وغبطة، سواء في سمفونياته أو أوبراته التي جعل فيها لغته الأم، الألمانية، لغة للغناء الأوبرالي، بعد أن كانت اللغة الإيطالية وحدها هي اللغة المعتمدة. لكنه لم يحظَ بشيء من الغبطة أو الفرح الدنيويين في السنوات التي عاشها سوى ما كانت تمنحه له مبدعاته المنجزة من متعة روحية، لا يعرفها إلا المُبدعون. فكان من فرط انصرافه إليها وحدها أن عاش فقيرًا، ولم يحظ حتى بقبرٍ يحتضن جثمانه فدفن في مقبرة جماعية.

تلك آيات معظم المبدعين. لا يسألون شهرة أو ثروة أو سلطة. يستجيبون لهذا النداء الذي يقبض على أنفاسهم ولا يستطيعون منه فكاكًا. ولنا في سوى هذين الموسيقيين أمثلة لا تحصى من الكتاب والشعراء والفنانين التشكيليين والنحاتين. كلهم سواء في ما يوحى إليهم، كلٌّ في ميدانه، وفي ما يعانونه بشرًا في حياتهم اليومية التي لا يعرفون فيها إلا ما يعملون على إنجازه.

قد يكون في هذه الأمثلة ما يفيد بعض الذين، على ما أوتوا من موهبة، يستعجلون الوصول قبل نضوج الثمرة التي يحملونها، أو قبل انتشار ضوء الشعلة التي انطوت عليها صدورهم؛ لعلهم يعتبرون.

مقالات ذات صلة

إغلاق