سورية الآن

هل تهدد حرب الموارد السوريين؟

مع اقتراب القضاء نهائياً على «داعش» في سوريا، إلى جانب مسألة التسوية السورية الأكثر صعوبة، يزداد نشاط الجدل في العالم حول نتائج عملية مكافحة الإرهاب في هذا البلد، ومشكلات إعادة بناء سوريا ما بعد الأزمة.
بالتطرق إلى المسألتين الأخيرتين، يجدر القول إنه في روسيا أيضاً يعملون على تحليل نتائج مكافحة الإرهاب من قبل الجيش السوري الذي تدعمه القوات الجوفضائية الروسية، ومن الولايات المتحدة وحلفائها. هنا يلفت الانتباه بعض الاختلاف في التقييمات العلنية لنتائج العملية في الرقة التي يعطيها المتحدثون باسم وزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين. المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الجنرال إيغور كوناشينكوف، أكد في 22 أكتوبر (تشرين الأول) عدم منطقية التصريحات الاستعراضية للأميركيين التي تشير إلى الانتصار على «داعش» بعد انتهاء عملية تحرير الرقة التي استمرت 5 أشهر. البيان الصحافي للوزارة أشار في شكل مباشر إلى أن تصريحات واشنطن «تستدعي الاستهجان»؛ لماذا؟ ذلك لأن «داعش» كان مسيطراً في سوريا ليس على الرقة فقط. الرقة هي مدينة ليست بالكبيرة. هذا ما يؤكده عسكريون روس، حيث كان يسكن المدينة قبل الحرب 200 ألف شخص، أما مع بداية عملية تحريرها لم يكن قد بقي فيها أكثر من 45 ألفاً. وفي الوقت نفسه، فإن عدد سكان دير الزور مع الريف الواسع الذي حرره الجيش السوري وبمساعدة القوات الجوفضائية الروسية خلال 10 أيام من المعارك يفوق 500 ألف نسمة. وإذا وضعنا في كفتي الميزان هاتين العمليتين فإن الكفة لا تميل لصالح التحالف. الجنرال الروسي لم يبخل بالألقاب حين شرح الوضع الإنساني الكارثي لتداعيات عمل طيران التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وقصفه البربري الذي لا يفرق بين المدنيين وغيرهم، والذي دفن تحت الركام في الرقة آلاف الناس «المحررين». السيناتور أليكسي بوشكوف شبه العملية في الرقة بما فعله طيران الولايات حين دمر مدينة دريسدن الألمانية سنة 1945.
من جهة أخرى، فإن لهجة تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف كانت مختلفة تماماً. بحسب تقييمه الذي أعطاه في 21 أكتوبر، فإن تحرير الرقة «يعتبر خطوة إلى الأمام». وأكثر من ذلك كان ريابكوف صرح بأن روسيا ترحب «بأي نجاح في مكافحة داعش». كان يشير إلى أن «ما لفت انتباه الجهة الروسية إنما هو التداعيات الإنسانية» للعملية التي جرت في الرقة، لكن في الوقت نفسه تحدث بروح بناءة وودية تجاه الشركاء، قائلاً: «ننطلق من أن تقليص التداعيات غير المرغوب فيها لمثل هذه العمليات يتطلب أن يكون هناك تعاون شامل ومكثف في مسار مكافحة الإرهاب». ما يثير الاهتمام في تصريحات ريابكوف هو أنها تأتي في سياق تصريحات الرئيس دونالد ترمب عن ضرورة التعاون مع روسيا في سوريا.
من الخطأ أن يفسر الاختلاف في تقييمات الدبلوماسيين الروس مع العسكريين بأنه اختلاف في الخطوط السياسية للوزارتين، أو أنه تكتيك «الشرطي الجيد والشرطي السيئ». هو ليس كذلك. الخط السياسي للدولة واحد ويرسمه الرئيس فلاديمير بوتين. وليس هناك ما يدهش في أن العسكريين الروس يثمنون انتصار حلفائهم وهناك ما يكفي من الأسباب كي يفتخروا بنجاحاتهم، بحسب ما يبدو لي. وليس هناك ما يدهش في أن الدبلوماسيين الروس يبحثون عن نقاط للتلاقي مع الشركاء الأميركيين في مكافحة الإرهاب؛ إذ إنهم أيضاً ينطلقون من أن عملية مكافحة الإرهاب لا يمكن نجاحها من دون تعاون جميع المشاركين فيها بعضهم مع بعض. عدا ذلك فإن التعاون مع الولايات المتحدة ضروري لروسيا لضمان نجاح إنجاز مشروع مناطق خفض التصعيد في سوريا، والذي تعتبر روسيا وتركيا وإيران دولاً ضامنة له.
لكن وزارة الخارجية الروسية في الوقت نفسه، تنتقد واشنطن في أمور أخرى. تظهر لدى موسكو أسئلة بسبب «خروج عناصر (داعش) بسهولة من المناطق التي يسيطر عليها التحالف الأميركي، وتوجههم لتشكيل مقاومة إضافية ضد الجيش السوري». هذا ما أعلن عنه في 23 أكتوبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. لقد خرجوا من الرقة حين كانت المدينة مطوقة.
رغم أن نتائج عملية تحرير دير الزور أصبحت واضحة، لكن يبقى غير واضح تماماً وضع المناطق التي تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات. حين بدأ الجيش السوري بعبور نهر الفرات بمساعدة التقنيات الروسية، أخذ الأميركيون يؤكدون وجود اتفاق مزعوم بين موسكو وواشنطن يقضي بأن يستولي التحالف – «قوات سوريا الديمقراطية» والتي تشكل الفصائل الكردية عمودها الفقري مع الولايات المتحدة التي تدعمهم – على الضفة الشرقية لنهر الفرات، أما الجيش السوري والقوات الجوفضائية الروسية التي تدعمه تبقى على الضفة الغربية التي تحررها، رغم أنه، وحسب تأكيد الدبلوماسيين الروس، لا وجود لمثل هذا الاتفاق في الواقع.
من المفهوم أن منطقة حقول النفط هي مهمة جداً بالنسبة لدمشق. قبل الحرب كان يستخرج من أحد الحقول الكبيرة (العمر) 11 ألف برميل نفط يومياً. وضع دمشق في تأمين قدرة الدولة على الحياة وإعادة بناء المناطق المدمرة في البلاد سيكون صعباً من دون النفط. ولهذا الهدف عبر الجيش السوري الفرات في هذا المكان بعد تحرير مدينة الميادين الصناعية التي تقع على بعد 46 كلم إلى الجنوب الشرقي من دير الزور. المعلومات حول الوضع في هذه المنطقة متضاربة. على سبيل المثال، إذا استمعنا إلى القنوات التلفزيونية العربية منذ يوم الجمعة سنجد خبراً يقول إن وحدات الجيش السوري تقترب من حقل العمر، والمعارك تجري على مسافة 3 كلم منه. عملياً في الوقت نفسه، فإن قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» أعلنت أنها استعادت حقل العمر من مرتزقة «داعش». أليس من الممكن أن تنتقل هذه المنافسة بين «قوات سوريا الديمقراطية» والجيش السوري إلى مرحلة المواجهات المسلحة؟ مثل هذا الأفق يستدعي قلق جميع الأصدقاء الحقيقيين لسوريا. يجب فعل كل ما أمكن من أجل تفادي ذلك. من الضروري التوصل إلى اتفاق.
تلوح في الأفق نهاية عمليات جميع الأطراف المشاركة في القضاء على «داعش». يمكن وبكل ثقة التوقع بأن الولايات المتحدة وباقي الدول في التحالف وروسيا في المستقبل القريب سيعلنون عن ذلك. مع أنه يبدو في الحقيقة أن عملية القضاء على التنظيم الإرهابي الآخر – «هيئة تحرير الشام» أو ما كان يسمى في السابق «جبهة النصرة» – ستحتاج إلى وقت ليس بالقليل. تزداد على هذه الخلفية أهمية المسائل الإنسانية، بما في ذلك إعادة بناء سوريا. بوتين دعا خلال كلمته في جمعية الاتحاد البرلماني الدولي في 14 أكتوبر، المجتمع الدولي إلى أن «يفكر الآن في إعادة بناء دولة ما بعد الحرب، وفي أي إطار، وبأي حجم ستقدم المساعدة لهذه الدولة وغيرها من دول المنطقة، وكيف يمكن تفعيل التطور الاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول».
لكن الأمر السيئ في هذا الموضوع المهم بالنسبة إلى السوريين هو في حال تغلب الأطماع لدى شركاء روسيا، وحينئذ ستبدأ المنافسة، لا بين المنتصر الأكبر على الإرهابيين، وإنما بين من يستطيع أن يساعد أكثر في إعادة بناء سوريا، ومن يملك موارد أكثر لهذا الغرض، وعندها ستقدم المساعدة للسكان بشكل انتقائي. فإذا قررت الدول الغربية أن تستمر في مواجهة بشار الأسد عبر الأسلحة الإنسانية «عبر العامل الاستعراضي» عن طريق تقديم المساعدة على سبيل المثال إلى الرقة من دون أن تقدمها إلى حلب، فإن هذا الموقف بحد ذاته ليس إنسانياً. تقديم المساعدة في إعادة بناء الدولة لا يجوز تسييسه وتجاهل حاجات الشعب السوري، الذي عليه في الأفق القريب أن يقرر مصير تطور دولته ما بعد الأزمة.
(*) كاتب روسي

مقالات ذات صلة

إغلاق