مقالات الرأي

أصحاب الرايات السوداء.. قواسم مشتركة عديدة

في منتصف عام 2011، وتحديدًا في 31 أيار/ مايو، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر على اندلاع الثورة السورية، أصدر بشار الأسد مرسومًا رئاسيًا، عفا بموجبه عن ثلة من المعتقلين في سجونه؛ فخرج من سجن صيدنايا الشهير في ذلك اليوم، كلٌّ من زهران علوش وحسان عبود وأحمد الشيخ؛ وأصبحوا قادة عسكريين لأكبر تشكيلات “المعارضة” المسلحة.

جميعنا يعلم أن السلفية الجهادية هي المرجعية التي ينتمي إليها “الأصدقاء الثلاثة”، وهي ما نُسبت إليهم من تهمة أودت بهم إلى سجن صيدنايا، وهي -أيضًا- ما حفّزتهم على تشكيل نويّات أجسام مسلحة، في وقت مبكر من عمر الثورة السورية، استحالت جيوشًا كبيرة في وقت لاحق (سرية الإسلام عام 2011/ جيش الإسلام عام 2013)، (كتائب أحرار الشام عام 2011/ حركة أحرار الشام عام 2013)، (كتيبة صقور الشام عام 2011/ ألوية صقور الشام عام 2013). والتي شكلت معًا ما عُرف بـ “الجبهة الإسلامية”، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وأعلنت هدفها النهائي بإقامة الدولة الإسلامية. وليرأس أحمد الشيخ مجلس الشورى فيها، ويتسلّم زهران علوش قيادتها العسكرية، وليُعيّن حسان عبود رئيسًا لهيئتها السياسية.

تبنت فصائل “خريجي صيدنايا” المسلحة الراية الإسلامية، التي ترمز إلى شكل الدولة ومرجعيتها وعقيدتها وآليات الحكم فيها وفق مرجعيتهم، في الوقت الذي تبنت فيه الثورة والجيش الحر علَمَ الاستقلال، والذي يرمز إلى الدولة الوطنية الديمقراطية ونظمها وآلياتها ومرجعياتها.

لقد غرّد أصحاب الرايات السوداء خارج سرب الثورة، بل استثمروها واستُثمروا بها، استثمروها لخدمة مشاريعهم اللاوطنية، واستُثمروا بها بهدف إجهاضها، فخروجهم من سجن صيدنايا ليس عفويًا، والتنبؤ بما سيسلكونه ليس من الذكاء بشيء. فقد كرّس أصحاب الرايات السوداء كل ما عوّل عليه خطاب الأسد وماكينته الإعلامية، وجعلوه واقعًا مُعاشًا، بدءًا برواية “المجموعات المتطرفة المسلحة المدعومة من الخارج”، وانتهاءً بما انتهجته هذه المجموعات من خطاب طائفي وممارسات لا تمت إلى الحرية بصلة. وتعاملوا مع الجغرافية التي تقع تحت سيطرتهم على أنها “إمارات إسلامية” لا صوت يعلو فيها فوق صوتهم، وخلفوا الأسد في مبدأ الاستباحة، فاختطفوا واغتالوا واعتقلوا وقتلوا، وارتهنوا بأجندات مموليهم وخطوطهم الحمراء؛ لينتهي بهم المطاف -بعد استثمارهم- إلى مجرد قوى تحاول استئصال ما تبقى من حراك ثوري، عجز الأسد عن استئصاله، لتكون الصوت الوحيد للمعارضة ولتمثيلها -سياسيًا- في المؤتمرات واللقاءات الخاصة بالوضع السوري. ولتنحسر غايتهم- داخليًا- في الحفاظ على ما بقي لهم من مكاسب مهما كانت الوسيلة. ولا ضير هنا من إشعال جبهة صغيرة هنا أو افتعال اقتتال هناك، لذرّ الرماد في العيون.

امتازت تلك الجماعات في قدرتها الهائلة على استبدال ثوابتها، وتغيير مبادئها، وتحويل هويتها، ما دام هناك إمكانية للحصول على سلطةٍ ما. وقد برّر الكثيرون منهم هذه الخاصية المشتركة فيما بينهم؛ فنعتوها مرةً بـ “المرونة”، ووسموها مرةً بـ “النفعية”، ووصل بهم الحال إلى اعتبارها نضجًا بالتعاطي السياسي، وفهمًا عميقًا لمبدأ الواقعية السياسية. وقد نسي هؤلاء أنه حتى “الميكافيلية” لا تعني التخلي عن الهوية والمبدأ، لا من قريب ولا من بعيد، فمرونة التعاطي مع الواقع -تكتيكيًا واستراتيجيًا- وفق قراءة معمّقة له، مع الاحتفاظ بثوابت تمس الهوية والمبادئ شيء، والتحول إلى “حرباء” شيء آخر. وما التخلي عن الراية السوداء وتبني علم الثورة عوضًا عنها، وإحلال كلمة ثورة بدل مفردة جهاد، وإبدال مصطلح “أهل الشام” واستخدام اسم سورية، وتكفير الديمقراطية تارةً وتبنيها تارة أخرى -على صعيد الخطاب فقط- إلا منطق حربائي، مفاده أنهم مستعدون لتغيير كل شيء في سبيل حصولهم على قليلٍ من السلطة، أو لنيل تطمينات تفيد باستمرار وجودهم. وهنا تتوضح ميزة أخرى، أو قاسم مشترك آخر، ألا وهو الانتهازية.

قواسم أخرى عديدة تجمع أصحاب تلك الرايات؛ “وبفضلها” أصبحت الثورة السورية في خطر وجودي، بعد ما نجح هؤلاء في حرف مسارها وإدخالها في نفقٍ مظلمٍ، فقد أمسوا سلطة أمرٍ واقع؛ ما ضاعف جهد وتضحيات المؤمنين بالثورة، حيث أصبح لعدوّهم الأصيل، والمتمثل بطغمة الأسد، وكلاءُ يقاتلونهم باسم الثورة.

لعل من الواجب الموضوعي إيضاح أن للفصائل المذكورة سالفًا “إخوة في المنهج”، يتماثلون بكل ما قيل بحقهم، ومثالنا الأكثر وضوحًا، ما يتعلق بجبهة النصرة/ هيئة تحرير الشام، والتي تفوقت عليهم جميعًا بقدرتها على تغيير لونها وملمسها، وسهّلت معهم على أعداء الثورة التدخل لصالح الأسد بحجة محاربة الإرهاب، هذا التدخل الذي ساهم بدوره -أيضًا- في ازدياد إجرام الأسد والمتدخلين لصالحه؛ فزاد استهداف المدنيين وتوسعت رقعتا الدمار والحصار من حولهم، دون المساس بـ “حجتهم”. وهي الغاية التي وجدوا وموّلوا من أجلها.

أخيرًا؛ وجب التنويه إلى نقطتين: الأولى أن حق مختلف السوريين ومن شتى الانتماءات الفكرية، في المشاركة بالثورة السورية، لا يعني -بحال من الأحوال- امتطاء الثورة لتحقيق مشاريع فئوية. النقطة الثانية: أن خيار التسلّح هو خيار وارد في الثورات، لكنه يحتاج إلى نضج ظروفه وشروطه؛ ما سيكفل عدم انحراف ذاك السلاح عن بوصلته، كي لا يتحول من أداة ثورية إلى أداة مضادة للثورة.

مقالات ذات صلة

إغلاق