هموم ثقافية

البْليِّط وذاكرة الأسفلت

لم أفكر بفقدان البْليِّط وسقوطه إلى الأبد من ذاكرتي، وذاكرة أبناء جيلي ومن سبقنا، إلا عندما سألني أحد الفتيان عن سبب تسمية تلك المنطقة في قريتي باسم “البْليِّط”. يا له من اسمٍ، ويا له من مكانٍ، ويا لها من ذكريات! ذكريات البْليِّط الذي لا نستطيع نسيانه، على الرغم من الأسفلت الذي حلَّ محل صخره المائل للصفرة. لاحظتُ أننا بتنا لا نحكي عنه، على الرغم من سطوته على نشاطنا الحقلي نهارات الربيع، لأنه برح المكان واستوطن في اللاوعي. كما أننا ننظر إليه فتحسبنا نراه ولا نرى الأسفلت الذي غطَّاه، حين نمر به قاصدين أرض الزيتون، أو حين نقصده فنجلس حول الطريق الذي كانَه يومًا، نحتسي القهوةَ وبعضًا من الشمس التي تفيض حياةً كلَّ ربيعٍ في تلك البقعة.

منطقة البْليِّط التي تشغل سهلًا كبيرًا، قبل تدرُّج الانحدار نحو الوادي، وتبعد مئات الأمتار عن أول منزلٍ في القرية، تصبح في الربيع مزارًا يقصده الكثير من أبنائها. حتى إنك تظن أن بيوت القرية فرِغَت، وزحف جميع سكانها لتلَقّي الشمس الدافئة من تلك المنطقة بالتحديد، من أجل طرد البرد الذي تخزَّن في العظام طيلة الشتاء المفارق. وتخاله أحيانًا معبدًا للشمسِ، فبين لحظةٍ وأخرى هنالك من يغمض عينه وينظر نحو الشمس، كأنه يساعد أشعتها على اختراق أكبر مساحة من جسده، أو كأنه يريد أن يعبَّ أكثر قدر من دفئها أو من ألغازها، أو ربما من أبديتها.

كان ذلك قبل سنوات الحرب، حين سألني قريبي الفتى، عن سبب التسمية، كنا نُمضي وقتنا في صبحٍ ربيعيٍّ مشمسٍ، كالعادة. وبقدر ما تبدو الإجابة سهلةً، بقدر ما تثير فيك ما لا تحصيه من قصصٍ وحوادث عشتها في ذلك المكان. إنه بلاطةٌ من الصخر، وهو بداية الأرض المنبسطة التي تبدأ بعد انحدارٍ في أحد أطراف القرية، وتنتهي بآخرَ، ولا يدري أحد سبب تحوير التسمية التي كان يستحقها (بلاطة) إلى “بليِّط”، وليس للقرية سجلات قديمة تهديك إلى أصل التسمية أو تاريخها. ولم يكن طريقًا يعبرها المارّة قبل أن تغزوه السيارات، بقدر ما كان ساحةً حفرتها قوةٌّ ما في صخرةٍ واحدةٍ كبيرةٍ بطول ملعب كرة سلة، أو أكثر، وكانت تلك القوة من الحذاقةِ بحيث بَسَطَتْهُ مع انحدارٍ بسيط لا تستطيع المياه عبوره إلا جاهدةً. وهو مكوَّنٌ من مستويين، يرتفع المستوى الأول، وهو القسم الأصغر من الصخرة، عن الثاني بمقدارٍ لا يزيد عن ثلاثين سنتيمترًا، ويلتوي مع التواء الطريق، وربما يُداري جزءًا منه تحت التراب الذي يعلو في الأرض المجاورة، وتطلُّ منه بعض الصخور.

ولزيادة الهيبة والسِّحر على المكان، تقبعُ على كتف البْليِّط، من الشمال، هضبةٌ عاليةٌ، تبدو وكأن يدًا حملتها من مكان ما ووضعتها فوق السهلِ. سطحها منبسط، وجروفها شديدة الانحدار، حتى يستحيل تسلُّقها من بعض الجوانب، ويصعب من جوانب أخرى. هضبةٌ كانت مقصدًا لأهل القرية، لا يجلسون قرب جروفها التي لا تثير فيك سوى شهوة الطيران، بل كثيرًا ما كانوا يقضون الوقت واقفين، ساهِمين في الأفق، تحسبهم في وضعِ تأهُّبٍ، وعلى وشكِ الاندفاع من فوق تلك المنحدرات والطيران نحو الأودية العميقة أو نحو البحر. لم يسْلَم أحدٌ من تلك الشهوة، ونادرًا ما وقف أيٌّ من أبناء القرية هناك من دون أن تنتابه شهوة القفز أو التحليق، مأسورًا بمشهد الأفق فوق البحر، وبرغبة الإجابة عن السؤال الدائم عما يوجد خلفه، أو الرغبة في إدراك ما يعرفون بوجوده هناك.

لم يكن أحدٌ يعرف من أين كانت تأتي المياه إلى البْليِّط، فتتجمع في حفرٍ صغيرةٍ، ربما صنعتها يدٌ بشرية في زمن ما، تفيضُ منها بعد امتلائها لتكمل مسيرتها ببطء إلى الطريق الذي ينحدر فالِجًا السهلَ، ومتلوِّيًا نحو الوادي بانحدارٍ شديدٍ. كان البعض يقول إنها تنز من الأراضي المحيطة به والتي تعلوه، فيحفظها الصخر مانعًا تسرُّبها إلى باطن الأرض. وكانت المياه تبقى حتى أواخر الربيع، حين تبدأ شمس الصيف بتجفيفها، وتهديد الأشجار التي تنبت على جنَبتيه. كانت الماشية تسعد حين الوصول إلى تلك الحفر، فتشرب منها، في حين يأنف الرعاةُ من ذلك.

كان يمكن ترك البْليِّط على حاله بلا تعبيدٍ، حيث تستطيع السيارات عبوره بسهولة، من دون التأثير في صخره، أو التأثُّر بها، لكن هنالك من يريد أن يمحي بالأسفلت كل ذاكرةٍ ليحلَّ السواد. هنالك من يريد للذاكرة أن تصبح ذاكرةَ أسفلتٍ، ذاكرة من لونٍ واحدٍ، يسهل التلاعب فيها، بل يسهل محيها وإلغاؤها لتعبئة ما يريد عليها. وبغض النظر عن الحرب التي حلت على البلاد، والتي عادة ما تهدِّم الذاكرة المتكونة منذ مئات السنين وتغتصبها، وهي وظيفتها التي لا تُلامُ عليها، كانت آلة تكوين ذاكرةٍ جمعيِّةٍ تعمل على قدمٍ وساق، وكان لها أدواتها التي لا يكلُّ مشغِّلوها عن ابتداع طرقٍ جديدةٍ تزيد فاعليتها، لإحلال ما تراه، وهو عادة ما يكون غَثًّا، محلَّ الثمين الذي جهدت أجيالٌ على نحته في الصخور وفي تلافيفِ العقولِ، وحمَّلَته على ظهور الجدائل الوراثية المنتقلة من جيلٍ لآخر.

ويلفت النظر أن منطقة البْليِّط -على الرغم من غياب الصخرة، ومن عدم معرفة الجيل الجديد بها- تستمرّ بجذب أبنائها للجلوس في سهول الزيتون، حول الحيِّز الذي كانت تشغله، في بعض نهارات الشتاء التي تمر دافئةً، وطيلة أيام الربيع، ليتوحّدوا مع الشمسِ. يفعلون ذلك وكأنهم يحجون إليه، مدفوعين بمورثاتٍ أتتهم من أهلهم الذين كانوا يحجون إليه بدورهم. وبهم تبدو ذاكرة البْليِّط، وكأنها تنتصر على سواد الأسفلت، وتنتقم بهم منه، هذا الأسفلت الذي أخذت المياه تشوِّه تفاصيله، بعد أن شَوَّه المكان.

مقالات ذات صلة

إغلاق