ترجمات

فزغلياد: الجيش الصيني سيصبح الأقوى في العالم

 

الصورة: Damir Sagolj/Reuters

لا تشغل المسائل الدولية حيزًا كبيرًا في المناقشات التي تجري في مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني، ولكن في اليوم الأول، تضمن تقرير (سي تسين بين) إعلانين مهمّين: حول الهيمنة العالمية والجيش الصيني. يمكن اعتبار أحد الإعلانيين مثيرًا للغاية؛ إذا قُرئ بروح النص لا بحروفه. وهو يخص بشكلٍ مباشرٍ ما الذي سيكون عليه الجيش الصيني بعد عدة سنوات.

استغرق تقرير الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قرابة ثلاث ساعاتٍ ونصف، وكانت مؤشرات الفترة  2035 و 2050 لبّ ما ورد في التقرير. إنها مراحل الطريق لـ “انبعاث الأمة الصينية العظيمة”.

التاريخ الأول: زمن استكمال التحديث الاشتراكي، والثاني: زمن تحويل الصين إلى “دولةٍ غنية، قوية، ديمقراطية، اشتراكيةٍ محدثة”. أي مع الذكرى المئوية لقيام جمهورية الصين الشعبية؛ يجب أن يتحقق الحلم الصيني، ويجب أن تصبح الصين “عظيمةً من جديد”، إذا تحدثنا بلغة ترامب.

في الوقت نفسه، تعدّ طموحات الصين ليست واقعيةً وحسب، بل بديهية جدًا أيضًا. في معظم تاريخها كانت الصين الدولة الأعظم بكل المعاني، وهذا يبدو رائعًا من وجهة نظرنا الوسط- أوروبية فقط. غير أن التحليل الموضوعي يقول إن الصين عايشت خلال تاريخها الممتد 4 آلاف سنة الكثيرَ من الحضارات المجاورة والبعيدة، ومن ضمنها تلك التي تطلعت إلى العالمية، وحافظت على استقلالها واكتفائها الذاتي.

لم تكن الصين الأكبر بعدد سكانها وحسب، بل إن اقتصادها كان يشكل، قبل قرنين، قرابة ثلث الحجم العالمي. فقط، في القرن الثامن، بدأت البلاد تعاني من المشكلات التي تفاقمت بانفتاح الصين مرغمةً على العالم في القرن التاسع عشر. فالغرب الذي جاء إلى شاطئ الصين مدججًا بالسلاح المتطور، استغل وجود الأزمات الداخلية؛ ففاقمها وأثارها، وبث سموم الأفيون بين السكان، ومن ثم حول البلاد العظيمة إلى نصف مستعمرةٍ له. استمر النكد الصيني قرابة قرنٍ من الزمن، من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، مع العلم أن البلاد عانت، في الـ 40 سنةٍ الأخيرة، حالةً من الانهيار الفعلي. مع قيام جمهورية الصين الشعبية؛ بدأت البلاد بالانبعاث من جديد، ولكنها في منصف الستينيات دخلت من جديد في حالة نكدٍ صغيرة الحجم “الثورة الثقافية”، ومع نهاية السبعينيات دخلت الصين مسارًا ثابتًا على طريق النمو.

خلال الـ 40 عامًا الماضية حققت الصين قفزةً هائلة، ولكنها، من جانبٍ آخر، عادت لتأخذ الموقع الذي تستحق في العالم، باسترجاعها ما فقدت؛ وهكذا أصبحت الصين دولةً عالميةً رئيسية أمام ناظرنا. فهي تمتلك الآن أقوى اقتصادٍ عالمي، وتحقق أعلى معدلات نمو، وفيها أكبر عددٍ من السكان، وأكبر الخطط الطموحة. لا تسعى الصين للسيادة العالمية، لتحل مكان الولايات المتحدة الأميركية بصفة السيد المهيمن. وبكلامٍ أدق: ستحل الصين محلها لا محالة -وقد حلت مكانها بصفتها الأقوى- ولكنها تؤكد باستمرار أنها لن تتحول إلى مهيمنٍ عالمي جديد.

وها هو (سي تسين بين) يعلن في المؤتمر التاسع عشر للحزب أن الصين لن تمارس أبدًا سياسة التوسع، ولن تضحي بمصالح الدول الأُخرى في سبيل مصالحها الذاتية: “مهما كان مستوى التطور الذي ستبلغه الصين؛ فإنها لن تسعى للحصول على وضع المهيمن“.

ولكن، بالطبع، كل هذا هو عبارةٌ عن موسيقى صينية مهدئة للأعصاب، يقول من يعاني من “الصين فوبيا”. وبمجرد أن يصبحوا الأقوى في كل المجالات؛ سيتحولون مباشرةً إلى أميركيين جدد، وسيقومون بإملاء شروطهم، وبالاستيلاء على أراضي الغير وفرض طباعهم وأسلوبهم.

من المفهوم، أن روسيا التي تمتلك خبرةً طويلة للتعامل مع أوروبا والغرب عمومًا، اعتادت قياس الأمور بأسلوبٍ أوروبي، غير أن استراتيجية الصين الجيو-سياسية تختلف كثيرًا عن الاستراتيجية الغربية، بقدر ما تختلف الثقافة الصينية عن الثقافة الأوروبية. فالصينيون لا يفرضون قِيمهم على أحدٍ، ولأنهم يعتبرون كافة الشعوب متساوية -وبعبارةٍ لبقة: يعتبرونها أقل تطورًا من الصين- لا يتطلعون للهيمنة على العالم بالقوة العسكرية والدبلوماسية والعمليات السرية.

يسعى الصينيون للسيطرة على التجارة ومختلف الأعمال في الدول الأُخرى، وهنا يتعلق كل شيءٍ بقوة الشريك-المنافس، وليس بقوة ضغط بكين. فروسيا، على سبيل المثال، ليس لديها ما تخشاه من “النزعة التوسعية الصينية”، إذا قامت في كل عملٍ مشترك مع الصينيين بالدفاع عن مصالحها القومية بحنكةٍ وذكاء. فليس بين بلدينا تناقضاتٍ غير قابلة للحل، بل يوجد بالفعل الكثير من الأعمال الاستراتيجية المشتركة التي تعود بالفائدة المتبادلة.

يدرك الأنكلو ساكسون منذ زمنٍ بعيد أن مسألة ارتقاء الصين أمرٌ موضوعي لا يمكن عكسه، ولكن لديهم معها علاقات أخرى. والمشكلة هنا ليست في الصينيين. فها هم المحللون الأميركيون الأذكياء يتحدثون منذ 40 سنة عن حتمية الصدام بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، في سبيل الصراع على الهيمنة العالمية، وهذه حقيقةٌ مجتزأة.

الصين تتحدى الولايات المتحدة الأميركية بالفعل، ولكنها لا تسعى للهيمنة على العالم، إنما تحاول التصرف بما يوحي بذلك، فقط لأننا نعيش في “عالمٍ تحكمه الرغبة الأميركية”. منذ إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية، تحاول الولايات المتحدة الأميركية كبح الصين، مع أنها كانت مشغولةً أكثر مع الاتحاد السوفيتي، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي نهاية الثمانينيات، وبعد المصالحة مع موسكو؛ عادت “المسألة الصينية” لتحتل الأولوية في واشنطن.

إن إلقاء نظرة بسيطة واحدة على الخارطة الجغرافية يكفي لنفهم كيف تطوق الولايات المتحدة -بالمفهوم العسكري- الصين. وخاصةً من الاتجاه الجنوبي والجنوبي الشرقي، من اليابان وكوريا حتى جنوب بحر الصين. بالنسبة إلى دولةٍ عظيمة، يتعلق اقتصادها بدرجةٍ كبيرة باستيراد مصادر الطاقة، فإن مثل هذا “الحصار” لا يمكن إلا أن يثير القلق، والرغبة في تحطيم المسارات هي أمرٌ سيحصل بلا شك بالتعاون مع روسيا التي يهمها، كما الصين، تغيير النظام العالمي الحالي.

ولكن إذا كانت روسيا تتبع تقليديًا سياسةً خارجية نشطة؛ فإن الصين أيضًا تتبع في العلن تكتيكًا شديد الحذر. ويعود هذا إلى عددٍ من الأسباب، يمكن أن نشير الآن إلى واحدٍ منها، وهو أن الصين لا تريد كشف مخططاتها حتى يحين الوقت الذي يصبح فيه إخفاؤها عديم الجدوى. مثل هذا التكتيك شرطي بدرجةٍ كافية، فالخبراء الجيو-سياسيون الأطلسيون يعون تمامًا حقيقة ما يجري. وهم لا يرون التقارب الروسي الصيني النشط فحسب، بل يرون أيضًا عملية تحديث الجيش الصيني الشاملة. وقد تحدث الرئيس (سي تسين بين) عن هذا الموضوع، في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الـ 18.

“بلغنا لحظةً تاريخية فارقة في تعزيز الدفاع الوطني والقوات المسلحة… علينا أنْ نجسّد على أرض الواقع أفكارَ الحزب المتعلقة بتقوية الجيش؛ للدخول في عصرٍ جديد وجعل الاستراتيجية الجديدة تتلاءم مع الظروف الجديدة: بناء جيشِ قوي حديث، بقواتٍ بحرية وبرية وجوية، وكذلك قوات الدعم الاستراتيجي.. نحن سنجعل هذا الأمر مهمتنا؛ كي نصل إلى عام 2035 وقد أنجزنا تحديث دفاعاتنا الوطنية والقوات المسلحة، وعند منتصف القرن يجب أن يتحول الجيش الشعبي الصيني إلى قواتٍ مسلحة على مستوى عالمي متقدم”.

أثارت هذه الكلمات ضجةً غير كبيرة، فقد ترجمت بعض وسائل الإعلام عبارة “مستوى عالمي متقدم”، على أنها “الأقوى في العالم”. ولو قال (سي) بالفعل إن الجيش الصيني سيكون الأقوى في العالم بحلول عام 2050؛ لأثار ذلك ضجةً كبيرة. ليس لأن مثل هذه الكلمات تثير التعجب أو الاستنكار، وإنما لأن الصينيين لا يقولون أبدًا شيئًا يمكن أن يُستخدم لاتهامهم بالسعي للهيمنة العالمية، وهم لا يريدونها. ولا شك في أن الأميركيين كانوا سيتذرعون بهذه التصريحات ويعلنونها خطرًا على الأميركيين، وعلى المصالح الدولية.

في الوقت نفسه، تؤكد الولايات المتحدة الأميركية باستمرار أنها لن تسمح لأحدٍ أن يصبح أقوى منها. بالطبع، لا توافق روسيا ولا الصين على هذا، ولكنها لا تحتاج إلى خوض جولة سباق تسلحٍ جديدة مع الولايات المتحدة. نحن -روسيا- لدينا الأسلحة الذرية، وقواتنا البرية متطورة ومحدثة، كما يجري العمل على تحديث الأسطول والطيران، وهذا يكفينا في الوقت الراهن. أما بالنسبة إلى الصين التي يلزمها فتح الحدود، وموازنة أمورها في منطقة مصالحها القومية نفسها، فإنها ببساطة لا تستطيع القيام بذلك؛ ما لم تبعد الولايات المتحدة من هناك. ولهذا فإن تسريع البناء العسكري يعدّ بالنسبة إلى بكين الخيار الوحيد الممكن لتحقيق “الحلم الصيني”.

وهكذا، فإن حديث الرئيس (سي تسين بين) عن وصول الجيش الصيني في عام 2050 على “مستوى عالمي متقدم”، كان يقصد في واقع الأمر أن يصبح الجيش الأقوى في العالم. وليس هناك أي شك في أنه سيكون كذلك. فالقدرات الاقتصادية الصينية، والإمكانات المخصصة للجيش، والأهم برنامج إنتاج الأسلحة للعقود المقبلة لا يدع مجالًا للشك. سيكون لدى الصين بحلول عام 2050 أكبر أسطولٍ بحري في العالم (بما في ذلك أكثر من عشر حاملات طائرات)، وأضخم قوات جوية في العالم، وهذا ما يلزم لإخراج الولايات المتحدة الأميركية من منطقة المحيط الهادئ. في الوقت نفسه، ستقوم الولايات المتحدة بتسليم المواقع بنفسها، ليس في هذه المنطقة وحدها (التي تصبح الأكثر أهميةً)، بل على مستوى العالم ككل. لذا، فإن من المحتمل جدًا أن الأمور لن تصل إلى حربٍ صينيةٍ-أميركية.

ولكن احتمال إثارة “حربٍ قبل وقتها”، وفق الأسلوب الذي اتبعته بريطانيا مع ألمانيا عام 1914 (عندما أدركت لندن أن برنامج بناء الأسطول الألماني سيؤدي حتمًا إلى حرمان الإمبراطورية البريطانية من السيطرة على المحيطات العالمية)، لن يفيد الولايات المتحدة الأميركية مع الصين.

إن وقف صعود الجيش الصيني، إلى المركز الأول في العالم، لا يمكن أن يتم إلا بسبب أزمةٍ داخلية واضطراباتٍ في الصين. ولكن الحزب الشيوعي الصيني يقوم بكل ما بوسعه لمنع وقوع هذه المحظورات، بما في ذلك، دراسة التجربة السوفيتية باهتمامٍ شديد، منذ ثورة أكتوبر وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي. وكذلك تدرس تجربة بناء الجيش السوفيتي الأحمر أقوى جيشٍ في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

اسم المقالة الأصليةКитайская армия станет самой сильной в мире
كاتب المقالةبيتر أكوبوف
مكان وتاريخ النشرفزغلياد. 19 تشرين أول 2017
رابط المقالةhttps://vz.ru/politics/2017/10/19/891471.html
ترجمةسمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق