أدب وفنون

الثورة السورية وتطور “العقل العلوي” السلطوي

العقل العَلوي السلطوي هو تعبير أكثر دقة -باعتقادي- من مصطلح العَلوية السياسية، فالعَلويون في السلطة اليوم لم يُمارسوا السياسة في سورية يومًا واحدًا، وإنما مارسوا السلطة منذ خمسين عامًا، وتختلف الآراء حول تاريخ بداية تشكّل هذا العقل لدى الطائفة، وحول الأشخاص الذين يمثلون هذا العقل، فهناك من يؤكد وجود “مجلس أعلى” للطائفة، يُمثل عقلها كالفريق فلاديمير فيودروف الملحق العسكري الروسي في سورية، وبالرغم من عدم وجود أدلة على وجود هذا المجلس، وإنكار أبناء الطائفة -مؤيدهم ومعارضهم- لوجوده، إلا أنه يمكن الاستدلال على وجود مرجعية طائفية للضباط العلويين، من خلال بعض المذكرات لمعاصري تلك المرحلة، مثل سامي الجندي الذي يقول إن صلاح جديد وحافظ الأسد كانا يدفعان الخُمس لمشايخ الطائفة العلوية، على الرغم من كونهما قياديين في حزبٍ علماني تقدمي، أيديولوجيًا. وهناك من يعتبر أن اللجنة العسكرية التي شُكلت في أواخر الخمسينيات كانت هي البداية؛ حيث عكست أول تجمع أقلياتي محض، داخل الجيش وحزب البعث، فأعضاؤها الخمسة المؤسسون كانوا ثلاثة من العلويين (محمد عمران، حافظ الأسد، صلاح جديد)، واثنين من الطائفة الإسماعيلية (عبد الكريم الجندي، أحمد المير)، ومع هذه اللجنة بدأت مرحلة جديدة داخل الحزب والجيش، سعى من خلالها العقلُ العلوي الثلاثي الأبعاد حينذاك، مع باقي الأقليات الإسماعيلية والدرزية، للإطاحة بالضباط السنّة من الجيش، وتم لهم ذلك بعد انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، حين تمّ تسريح أكثر من 500 ضابط سُني، بتهم تراوح بين الانفصالية والرجعية والناصرية، وآخرها الانتماء إلى حركة (جاسم علوان)، حيث كان العقل العلوي، في تلك المرحلة، يُبعد نفسه عن الأعمال القذرة، ويسندها إلى ضباط أقليات أخرى، كحادثةِ “تدمير مئذنة جامع السلطان” في حماة، وقتلِ ما يزيد عن خمسين متظاهرًا في شوارعها، والتي نفذها (حمد عبيد) الضابط الدرزي الموتور، وقد وجَد في مهمة فضّ إضراب أهالي حماة فرصةً للانتقام من أديب الشيشكلي الذي قصف جبل الدروز، وتكليف عبد الكريم الجندي الإسماعيلي برئاسة مكتب الأمن القومي المسؤول عن القمع، وضرب أي معارضة لحكم البعث.

بعد استتباب وضع الجيش تحت القيادة الأقلياتية؛ كان من الطبيعي أن تؤدي شهوة السلطة، لدى ضباط كل أقلية، إلى صدامٍ بينهم، ولأن الضباط الإسماعيليين القادة كانوا الأقل رغبة في السلطة والأكثر قناعة أيديولوجية في الحزب؛ فقد تركز الصراع بين العلويين والدروز وبخاصة بعد انقلاب صلاح جديد، حيث كان الضباط الدروز أقرب إلى القيادة القومية للحزب، وتم حسم الصراع لصالح العلويين، بعد تصفية الجناح الدرزي (الشوفي) في حزب البعث، وتسريح واعتقال أبرز الضباط الدروز في الجيش، كفهد الشاعر، وطلال أبو عسلي، وعبد الرحيم البطحيش، وآخرين، وإعدام (سليم حاطوم) الضابط الذي أسَر صلاح جديد ونور الدين الأتاسي في السويداء، وللمفارقة تم تكليف عبد الكريم الجندي بحصار السويداء وضربها، في حال عدم الإفراج عنهم؛ لتحميل الإسماعيليين مسؤولية الدماء التي كانت ستسفك لو تم الهجوم، ثم بعد ذلك تمت الإطاحة برفاق الدرب الإسماعيليين (أحمد المير، عبد الكريم الجندي)، إذ حُمِّل المير مسؤولية هزيمة الـ 67 وتم تسريحه، أما الجندي المقرب من جناح صلاح جديد، والذي استشعر مبكرًا خطَر حافظ الأسد، ما دفعه لطلب اعتقاله أو تصفيته، ولكن صلاح جديد رفض تاركًا إياه وحيدًا في مواجهة ضغوط حافظ الأسد التي أوصلته إلى الانتحار في مكتبه 1969 بعد أن كتب رسالةً، نشرتها الصحف اللبنانية، يُحذر فيها من حافظ الأسد، ويتهمه فيها بالعمالة لكل القوى الخارجية.

بعد انتصار الطائفة العلوية في صراع السلطة الأقلياتي؛ كان لا بد لهذا الصراع أن يمتد إلى داخل مثلث المؤامرة العلوية، حيث تمكن حافظ الأسد من حسمه لصالحه، بعد الإطاحة برفيقيه، واللافت للنظر خلال تلك الفترة أن هذا الصراع الأقلياتي كان يدور تحت أنظار البعثيين السُنة، من دون أن يحركوا ساكنًا، فهم شقّان: مجموعة من ضعاف الشخصية تُستخدم لملء منصب رئيس الجمهورية، كرؤساء آل الأتاسي وأمين الحافظ وأحمد الخطيب، والشق الآخر كان مجموعات سُنية مناطقية، داخل القيادة القطرية للحزب وفي الجيش، أقواها كانت (كتلة حوران) التي جرى تصفيتها تدريجيًا من العام 67 إلى العام 69 بتسريح أبرز ضباطها مثل موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، وأحمد سويداني.

خلاصة هذا الطور، من أطوار العقل العلوي السلطوي لهؤلاء، هو الإطاحة، بطريقة مهينة، بكل ما هو غير علوي، ويمكن أن يُشكل خطرًا على الهيمنة العلوية داخل الحزب والجيش، أيًا كانت درجة قربه من الثلاثي العلوي، أو مقدار الخدمات التي قدمها لهم ولمشروعهم، فرفاق السلاح زملاء اللجنة العسكرية انتهى بهم الأمر مسرّحين مهانين بعار هزيمة الـ 67 أما الدروز، فكان من نصيبهم تهم “الخيانة والتآمر مع الدوائر الإمبريالية الأنجلو-أميركية”.

في الطور الثاني من العقل العلوي السلطوي الذي مثّله حافظ الأسد، أخذ الحكم طابع ائتلافٍ أقلياتي بقيادة علوية، أما الأكثرية فقد جرى تقسيمها إلى أقليات طبقيًا ومناطقيًا، ولكن تعاطي هذا العقل العلوي السلطوي لم يتغير مع غير العلويين، سواء في فترة حكم حافظ أو في العشر سنوات الأولى من حكم بشار، فمثلًا رفعت الأسد الذي حاول الانقلاب على أخيه، لم يُعدَم أو ينتحر ولم تشوَّه سمعته بشكل رسمي، وغازي كنعان العلوي المتهم بمخطط انقلابي حظِي بجنازة رسمية بعد انتحاره، على عكس شريكه في المخطط عبد الحليم خدام السني الذي تم تحميله كل أخطاء النظام وفساده، وكذلك الأمر بالنسبة إلى محمود الزعبي الذي أقيل من منصبه، وأحيل إلى الرقابة بتهم الفساد، وانتحر.

بعد اندلاع الثورة السورية، يبدو أن هناك طورًا جديدًا من العقل العلوي السلطوي تطوّر، يقوم على التذكير بالتحالف الأقلياتي الذي يُشكل نظامَ الحكم في سورية، وذلك عبر السماح للأقليات -لأول مرة في أطوار العقل العلوي- بأن يكون لها أبطالها في مواجهة مؤامرة الأكثرية التكفيرية، ولإفهام الأكثرية أن دماءهم مفرَّقة على كل الطوائف، وليس العلوية فقط، والأمثلة هنا كثيرة تبدأ، بداوود راجحة وزير الدفاع المسيحي “البطل الشهيد”، وتنتهي بعصام زهر الدين الدرزي الذي أصبح عنوان “الوطنية السورية والبطولة”، بعد أن كان نموذجُ الخائن هو الذي يميّز الضابط الدرزي في العقل السلطوي العلوي، في حين لم نشهد في خضم فيلم البطولة المشتركة الذي يخرجه النظام حتى “كومبارس” سنيًا، على الرغم من وجود العديد من المجرمين السُنة في جيش النظام ومخابراته، فحتى مصطفى طلاس لم يحظ بأي اكتراث رسمي بموته، بعد عُمرٍ أفناه في خدمة هذا العقل العلوي السلطوي.

هنيئًا للأقليات المتحالفة مع النظام هذا التغيير الذي أحدثته الثورة، في تعاطي العقل العلوي السلطوي الحالية معها، ولكن في غمرة فرحها بهذا الدور، يجب ألا تنسى أن قصصَ أبطالها، بالنسبة إلى هذا العقل، تنتهي فقط تراجيديًا، وأن مكان البطل تحت التراب.

مقالات ذات صلة

إغلاق