تحقيقات وتقارير سياسية

(داعش) يتحرك جنوب دمشق.. ثنائية المصالحة أو التهجير مجددًا

ما زال تنظيم (داعش) يفشل في إحداث خرق كبير، أمام تحصينات فصائل المعارضة في المناطق الفاصلة بين مخيم اليرموك وبلدة يلدا، جنوب العاصمة دمشق، للأسبوع الثاني على التوالي، في وقت اعتبر فيه معارضون أن الهجوم الذي ينفذه التنظيم على تلك الجبهة يتمّ بإيعاز إيراني؛ لخلق واقع جديد في المنطقة.

قال الناشط باسل أبو عمر لـ (جيرون): “منذ نحو 10 أيام، يحاول التنظيم السيطرة على المستوصف، ونقطة المشفى الفاصلة بين مخيم اليرموك وبلدة يلدا، إلا أنه -حتى اللحظة- لم يتقدم، بسبب صمود فصائل المعارضة، على الرغم من أنه استخدم، قبل أيام، غاز الكلور؛ ما أدى إلى إصابة عشرة مقاتلين من الثوار، وفق تأكيد مشفى (شهيد المحراب) داخل بلدة (يلدا)”.

هجوم التنظيم باتجاه معاقل المعارضة في بلدات (يلدا، ببيلا، بيت سحم) جاء بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق مبدئي، لضم جنوب دمشق إلى خفض التصعيد، في العاصمة المصرية القاهرة، بين ممثلين عن بعض فصائل المنطقة، ومندوبين عن روسيا الاتحادية؛ ما أعاد إنتاج الأسئلة المتعلقة بمدى التنسيق بين الأول والنظام السوري وحليفته طهران، لخلط الأوراق ودفع الجنوب الدمشقي إلى الرضوخ لشروطهم في التسوية.

في هذا السياق، يرى الناشط محمد الشامي أن “(داعش) تحرك بتنسيقٍ وطلبٍ من النظام السوري، بهدف الضغط على المنطقة، ودفعها إلى الرضوخ لإملاءاته وشروطه الخاصة بالتسوية”، مضيفًا في حديث لـ (جيرون) أن “هجوم (داعش) سيتواصل، وستتوسع المحاور التي يهاجم منها، ما لم تستطع الفصائل والهيئات الثورية إنتاج رؤية موحدة، تتضمن آليات عمل واضحة، كبديل لما يطرحه النظام”.

من جانب آخر، قال العقيد يوسف حمدان، القيادي في (جيش الأبابيل) العامل جنوب دمشق، لـ (جيرون): إن “تحرك (داعش) لم يأتِ فقط بتنسيق مع النظام، بل كان بإيعاز إيراني، لأن قادة التنظيم يأتمرون بأمر طهران أولًا. وإن استمرار هذا الصراع أو نهايته ستحدده المعادلات السياسية والتوافقات، تبعًا للمتغيرات الدولية الإقليمية، بمعنى: قد يتوقف الهجوم بقرار سياسي، كما بدأ بقرار سياسي”.

مراقبون اعتبروا أن مسألة التنسيق، بين (داعش) وحليفته طهران، لا تتوقف في جنوب دمشق عند حدود تحركه الأخير، بل ترتبط أيضًا بوقف كافة المحادثات بشأن إخراجه من المنطقة، وفق صفقة سياسية، وهو ما يعني أن التنظيم “حصان الأسد وإيران الأسودُ لتنفيذ مشاريعهم هناك”.

يرى الشامي أن “وقف المفاوضات، بشأن إخراج (داعش) و(هيئة تحرير الشام) من المنطقة، جاء أساسًا لأن النظام والإيرانيين -وحتى الروس- لا يريدون إخراجهم، قبل تسوية شاملة لأوضاع جنوب دمشق؛ كي يبقوا عامل ضغط، يمكن استغلالهم لخلط الأوراق وخنق الفصائل العسكرية في البلدات الثلاث”.

وأضاف أن “موضوع (داعش) قديم جديد، وقد طلب النظامُ، خلال مفاوضات سابقة، من اللجنة السياسية الموافقةَ على التنسيق لقتال التنظيم و(النصرة)، في الأحياء المجاورة كخطوة أولية، يتبعها تسليم السلاح الثقيل للفصائل، وترتيب بقية ملفات المنطقة، وفق رؤية الأول للتسوية، ولم تقدم اللجنة السياسية حينذاك أي رد واضح، وأعتقد أن هذا سبب إضافي من الأسباب التي دفعت (داعش) للتحرك في هذا التوقيت”.

إلا أن حمدان اعتبر أن هناك العديد من الجهات، داخل المنطقة نفسها، مستفيدة من تحرك (داعش) الأخير، وعلى رأسها “تيار المصالحة”، موضحًا “هذا التيار من أكبر المستفيدين، لأنه لا يريد اتفاق خفض التصعيد، ويسعى لإنهاك واستنزاف الفصائل العسكرية، في معارك طويلة مع (داعش)؛ ليكسب فرصة أكبر في التحكم بمصير المنطقة، وفق أجندته المطابقة لرؤية النظام السوري”.

جنوب دمشق مدخل موسكو للحكم المشترك

على الرغم من أن الاتفاق، على ضمّ مناطق الجنوب الدمشقي إلى خفض التصعيد، هو اتفاق مبدئي، إلا أن الخلافات حوله كبيرة داخل المنطقة، بين مَن رفضَه استنادًا إلى أنه جاء خارج توافقات اللجنة السياسية، وهي الجهة المخولة للتفاوض عن المنطقة، وبين مدافع عنه، لأنه أنهى مشاريع التهجير القسري التي كانت تعصف بالمنطقة.

في هذا الصدد، قال الشامي: إن “الحديثَ عن أنّ مَن يرفض الاتفاق هو تيار المصالحة، غيرُ دقيق، فهناك مكونات ثورية لم تعلن موافقتها عليه، لأنه جاء دون مشاورتهم، وذهب المفاوضون منفردين للتوقيع عليه، وحتى اللحظة لم يفصحوا عن بنوده، ما يجعله غامضًا، أضف إلى ذلك أن الاتفاق لم يأت بجديد لجنوب دمشق سوى إمكانية تعطيل مشروع التهجير القسري، وحتى هذه ما زالت خاضعة لكثير من الاحتمالات”.

من جانبه، قال حمدان: إن من “المبكر الحديث عن حصد تيار المصالحات لثمار الصراعات القائمة حاليًا، وإفشاله للاتفاق لتعود المنطقة إلى المربع الأول: إما النظام أو التهجير، فالاحتمالات مفتوحة، وترتبط بتوازنات المصالح الدولية الإقليمية ذات العلاقة بجنوب دمشق، والتي قد تتغير في أي لحظة بناء على التغيرات في الميدان”.

احتمالات وسيناريوهات المستقبل في جنوب دمشق، بعد اتفاق خفض التصعيد، ترتبط إلى حد بعيد بمدى التوافق داخل المنطقة، على أن يكون الجنوبُ الدمشقي الخاصرةَ الأضعف، وتريد موسكو أن تجعله نموذجًا صريحًا لأهدافها المتمثلة بالمصالحة مع النظام، وفق حكم مشترك داخل كافة المناطق التي دخلت ضمن إطار الاتفاقات.

حول ذلك، قال حمدان: “إن موسكو تسعى لذلك، وستحاول إجبار الفصائل العسكرية على أن تستجدي مساعدة النظام السوري، بسبب ضغط (داعش)، لكن ذلك غير مطروح بين الفصائل الثورية في المنطقة. أما بخصوص مستقبل الجنوب الدمشقي، فأعتقد أنه سيكون هناك حكم مشترك مدني بين النظام والهيئات الثورية، في ما يتعلق بالأمور الخدمية والإدارية، أما الموضوع العسكري، فلن يحدث أي تنسيق مع نظام الأسد، بخصوص حضوره العسكري داخل جنوب دمشق”.

بينما قال الشامي: “لا يمكن أن ننفي طرح أن يكون جنوب دمشق نموذجَ حكمٍ مشترك بين النظام والمعارضة؛ لأن الفصائل غير موحدة، وليس لديها إمكانات كبيرة بفعل الحصار الطويل، إضافةً إلى أن جنوب دمشق متروك لمصيره منذ زمن طويل، سواء من الفصائل العسكرية أو من المعارضة السياسية”. وأضاف: “نبحث عن الخيار الأقل سوءًا، خيار يحفظ للمنطقة طابعها الثوري قدر الإمكان، ولكن في الوقت نفسه، لن نستطيع تجاهل أن النظام سيدخل، وسيكون هناك نموذج للحكم المشترك، كيف، وما هي آلياته.. كل ذلك مرتبط بالتطورات الميدانية، والتغير في موازين القوى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق