كلمة جيرون

“الرفاق” الروس يُقررون

إذًا… قرر “الرفاق” الروس عقد مؤتمر جامع شامل عمومي مصيري ساحق، في “حميميمهم”، يحمل اسم (مؤتمر شعوب سورية)، يضم ألفًا أو ألفين من السوريين، وربما أكثر، ممن يمثّلون -برأي الرفاق الروس طبعًا- نخبةَ النخب من كل الطيف السوري وألوانه ومشاربه، بمن فيهم أعتى المعارضين وأرخاهم، وجلاوزة النظام وزبانيته، ليتشاوروا كإخوة وأحباب، وينسوا أن بينهم دمَ مليون من القتلى، وضعفهم من الأيتام والأرامل والثكالى، ويبوسوا الشوارب، ويبصموا على حلّ سياسي يُنهي المقتلة السورية، وينشر الفرح والمحبة في كل الأزقة، ويعيد الهدوء والسكينة إلى سورية!

ما كُتب أعلاه، هو كوميديا سوداء، يريد “الرفاق” في المكتب السياسي للكرملين تمريرها ببساطة، على ظهور السوريين، كوميديا تحمل أكثر من خطر، وأكثر من شرّ مستطير، أجندة جديدة “غير نظيفة” يريدون فرضها، لتزيد المعمعة السورية، ويزيد الحريق في القصب.

إذًا… يريد الروس أولًا؛ تمرير مصطلح “شعوب سورية”، وخطورته ليست في اللغة، ولا في المعنى المعجمي للكلمة، بل في نيّتهم تقسيم الشعب الواحد، قبل تقسيم الأرض، وتقسيم الثقافة والتقاليد والتاريخ والأهداف، وليفقد الفرد الواحد من المواطنين في الشعب الواحد إحساسَه بالآخرين، ولتنغلق كل قومية على قوميتها، وكل طائفة على طائفتها، وكل عشيرة على عشيرتها، وكل حارة على حارتها.

يريد أحفاد ستالين ثانيًا؛ إشراك آلاف مؤلفة من البشر، في الوصول إلى قاسم مشترك لمستقبل سورية، السياسي والعسكري والأمني والقانوني والاجتماعي، وهم يُدركون أن إبليس بدهائه لا يقدر على جمع خمسين منهم، على رأي وموقف واحد، ويعرفون خير المعرفة أن أقواهم هم القتلة، لأنهم لا يفقهون سوى لغة الدم والدمار، وهذا لن يُرجّح كفة النظام وجلاوزته فحسب، بل سيجعلها كفّة كاسحة.

يريد “الرفاق” الروس ثالثًا؛ أن يُعوِّموا فكرة المعارضة السورية، ويُغرقوا شخوصًا انتهت صلاحيتهم، ويُظهِروا شخوصًا غيرهم على أنهم أملٌ جديد للموالين والرماديين والمتلونين، لتظهر وجوه جديدة غير معروفة تتبع ضمنيًا للأفرع الأمنية، تُفرَض لاحقًا كمنصات وتيارات جديدة، تتمسك بحقها في أن تكون جزءًا من المعارضة، وأن تكون مقاعدها وأصواتها جزءًا من مقاعد المعارضة وأصواتها.

منذ انطلاق الثورة السورية، يضرب قادة روسيا الشعبَ السوري (وليس الشعوب) تحت الحزام، يُجرّبون سياساتهم ونظرياتهم ومفاهيمهم الموتورة وأسلحتهم الفاسدة، وفي خضم انشغالهم، ينسون أن أسلافهم “الرفاق” السوفييت “سقوا الفولاذ” ليصنعوا منه بنادقَ في سبيل قضية الاشتراكية، وأن السوريين أيضًا قاموا بأكثر من ذلك، فسقوا الفولاذ من دمهم، من أجل قضية الحرية والكرامة، ولن يفيد معهم مؤتمر ساذج باهت خبيث، كالذي سيُقام في “حميميم”.

مقالات ذات صلة

إغلاق