أبحاث ودراسات

المصالحة بين حماس وفتح، محطة جديدة في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

المحتويات

مقدمة: الصراع العربي- الإسرائيلي، لمحة تاريخية

أولًا: مسيرة أوسلو والسلام المرّ

ثانيًا: مسيرة الانقسام الفلسطيني وتداعياتها

ثالثًا: وثيقة حماس الفكرية والسياسية

رابعًا: المصالحة الفلسطينية بين الدوافع والعقبات

خامسًا: المصالحة الفلسطينية والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة

سادسًا: خاتمة

 

 

مقدمة: الصراع العربي- الإسرائيلي، لمحة تاريخية

يُعدّ الصراع العربي- الإسرائيلي الذي بدأ في أوائل القرن الماضي واحدًا من أعقد الصراعات التي شهدها العالم في التاريخ الحديث والمعاصر. وكان قيام دولة “إسرائيل” في 15 أيار/ مايو 1948، المحطة المفصلية فيه، بتخطيط غربي، بريطاني على وجه الخصوص، وتواطؤ من المجتمع الدولي على قيام هذا الكيان والسماح باقتلاع أهله وتهجيرهم. وكل ما يقال، لتبرير هذا الموقف الغربي، عن كونه تعويضًا عن الظلم الذي لحق باليهود على يد النازية أو بسبب نزعات التطرف الأخرى في أوروبا، إلا أنه لا يُبرر على الإطلاق أن يُدفع الظلم بظلم شعب بأسره واقتلاعه من أرضه من أجل “إراحة ضمير الظالم”، وهو في الحالتين واحد، من العبء الأخلاقي لجرائمه الشنيعة.

لكن حقيقة الموقف الغربي تقبع خلف هذه اللوحة الظاهرية للصراع، والتي تتلخص بمصالح الغرب في هذه المنطقة الحيوية من العالم واستغلال ثرواتها وتأمين طرق مواصلاته عبرها نحو الشرق. بهذا المعنى، تؤدي “إسرائيل” دور الحارس لهذه المصالح من بين أدوارها الأخرى؛ لذا سيبقى الغرب حاميًا لها وضامنًا لأمنها الذي يضعه فوق كل الأولويات. وإذا أمكن تغييب هذه الحقيقة أو التشويش عليها طوال مراحل الصراع، فإن موقف الغرب من ثورات الربيع العربي، وبصورة خاصة في سورية، عرّى هذه الحقيقة، وكشف أنه لا يسمح بأي تغيير في المنطقة إلا في الحيّز الذي لا يحتمل معه تهديد أمن “إسرائيل”. وعليه، وبكثير من الثقة، يمكن عدّ الصراع القائم في فلسطين وجوارها منذ عقود حربًا غربية على المنطقة العربية، وقد ضمن الغرب، وفي المقدمة منه الولايات المتحدة، ميزانًا للقوى يميل لمصلحة “إسرائيل” في مواجهة الدول العربية كافة، عدا عن أن “إسرائيل” استطاعت بإمكاناتها العلمية الخاصة وبتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية الغربية، أن تصبح واحدة من الدول المصنعة للسلاح، بل والمصدّرة له، في حين بقي العرب تحت رحمة مُصدِّري السلاح واشتراطاتهم وقيودهم، ولم يستطيعوا تعديل هذا الميزان بوسائل بديلة.

إن إلقاء لمحة موضوعية على مجريات هذا الصراع المديد، تُبيّن أن العرب، وبمعنى أدق النظم العربية والنخب المسيطرة، ما زالت دون مستوى هذا الصراع، وعانت ولا تزال مشكلة في فهمه والتعامل معه وفقًا لما يقتضيه السياق التاريخي الذي يدور فيه، إذا لم يكن أكثر.

شكّل قيام دولة “إسرائيل” جرحًا غائرًا في الوجدان العربي العام، ولم يستوعب العرب تحت هول الصدمة، أن فوات واقعهم وتخلفه يؤهل لمثل هذه الهزيمة. لقد تلقفت النخب العربية المتربّعة على مقاعد السلطة، أو تلك التي خارجها، هذه الهزيمة، وصنعًت إطارًا لهذا الصراع يحمل من الشعارات أكثر مما يحمل من الوعي والفعل. وعلى سبيل المثال، فإن الشعار الديماغوجي الذي فحواه أن “الصراع العربي- الإسرائيلي هو صراع وجود لا صراع حدود”، دفع باتجاه اختزال الصراع ووسائل الردّ عليه بالبعد العسكري والتسليحي، وقد خاضت الدول العربية منذ نكبة عام 1948 خمس حروب فاشلة حتى الآن على اختلاف شمولها (56 – 67 – 73 – 82). لكن الهزيمة الأكثر مرارة كانت في حزيران/ يونيو 1967، هذه الهزيمة التي عرّت الوضع البنيوي العربي، كما عرّت السلطات الحاكمة التي جعلت من هذا الصراع وسيلة لتثبيت حكمها وقمع شعوبها ومنع تقدّمها تحت مبررات تجعل مقاومة المشروع الصهيوني أولوية تفترض الانتظام العام خلفها، وتسخير كل الإمكانات المتاحة في هذا السبيل.

دفعت حرب الـ 67 الأنظمة المحيطة بفلسطين، أو ما سُمّي بـ “دول الطوق”، إلى التفكير في فتح باب “التسويات السياسية” مباشرة أو مداورة، ويمكن إدراج حرب الـ 73 في هذا السياق. أول هذه التسويات كانت معاهدة كامب ديفيد 79، التي أخرجت مصر كأكبر دولة عربية من دائرة الصراع، وعلى الرغم من أن مصر حصلت على حصة الأسد مما كان يمكن أن يتنازل عنه الإسرائيليون وحُماتهم، واسترجعت أراضيها التي احتُلَّت عام 67، إلا أن هذه الاتفاقية كبّلت مصر وجعلت منها أداةً في تطويع بقية العرب؛ تلاها اتفاقية وادي عربة مع الأردن عام 94 التي لم تكسب منها الأردن سوى إنهاء حالة الحرب، ذلك أن وادي عربة المحتل انتقل إلى صيغة تأجير لمدة مئة عام؛ في حين أن سورية التي وقّعت اتفاق فصل القوات عام 74 وخاضت عدة جولات من المفاوضات في مدريد وفي واشنطن وجنيف، لم ترغب في السير بعيدًا في هذا السياق بدعوى أنه لا يحقق المصالح العربية أو “لغاية في نفس يعقوب”، فسرّها يقبع في وديعة رابين، وبقيت على شعاراتها السابقة، وزادت قبضتها الأمنية داخليًا، وحافظت باستمرار على جبهة الجولان هادئة، واستخدمت لبنان ساحة للمناكفة وتبادل الرسائل العسكرية مع “إسرائيل”.

سياق التسويات العربية مع “إسرائيل” وعقد “اتفاقات سلام معها”، بدّد بشكل فعلي الشعار الذي يقول “فلسطين قضية العرب المركزية”، ودفع (منظمة التحرير الفلسطينية) التي حمّلها العرب عبء المواجهة عندما اعتبروها عام 1974 ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني للتنصّل من مسؤولياتهم، إلى أن تُكيّف نفسها مع الميل العام العربي والدولي لـ “تسوية” هذا الصراع. ومنذ مؤتمر (المجلس الوطني الفلسطيني) في الجزائر عام 1988، راحت منظمة التحرير تلوّح بإمكانية تسوية للصراع على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 وقيام دولة فلسطينية على أراضي الـ 67 في غزة والقطاع. فكان مؤتمر مدريد للسلام 1991، ثم مسار واتفاق أوسلو 1993. وبات الصراع العربي- الإسرائيلي عمليًا صراعًا فلسطينيًا إسرائيليًا.

 

أولًا: مسيرة أوسلو والسلام المرّ

في سياق مباحثات مدريد 1991 التي جرت برعاية الرباعية الدولية لإنضاج تسوية سياسية للصراع العربي- الإسرائيلي على قاعدة الأرض مقابل السلام، تبنّى ياسر عرفات خطّ مفاوضات جانبيًا، وترك مسار مدريد تتداول فيه الوفود الأربعة حتى تبين عقمه، حيث تذرعت “إسرائيل” بأنها لا تتحمل اتفاقات سلام مع أكثر من طرف في آن واحد، وتفرّغت للمسار الفلسطيني، وقد أسفر هذا المسار عن اتفاق أوسلو الذي عُرف باتفاق غزة أريحا أولًا، والذي أقرّ مبدأ حلّ الدولتين، أي أن تقوم دولة فلسطينية قابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو في الضفة والقطاع. وكان واضحًا منذ البداية أن هذا المسار مليء بالألغام، ليس لأن ميزان القوى الواقعي ليس في مصلحة الفلسطينيين، خاصة بعد أن تركتهم الدول العربية، ولا لجملة الثغرات التي احتواها الاتفاق ومنها ترك القضايا الجوهرية كالقدس واللاجئين والمياه لمفاوضات الحل النهائي، بل أساسًا لأن “إسرائيل” ليست جادة كما بينت التجربة في مسألة السلام، وليست مضطرة إليه في ظل الدعم والتغطية الغربية والأميركية لها، ذلك لأن النخب اليمينية العسكرية المتحكمة في المجتمع الإسرائيلي من مصلحتها استمرار حالة الصراع لعسكرة وشد عصب هذا المجتمع، ولأن “إسرائيل” وحماتها يعون أن سلامًا لا تحمله الشعوب ليس بسلام، ولا يعدو أن يكون هدنة بين حربين في ظل ضعف الشرعية التي تتمتع بها الأنظمة العربية المعنية. أما في ما يخصّ أوسلو، فإن غزة كانت عبئًا بشريًا وأمنيًا تخلصت منه “إسرائيل”، وأريحا بقعة منبوذة في الدين اليهودي يُحرّم على أتباعه دخولها، وبقية المسيرة كما هو معروف لم تقدم فيها “إسرائيل” شيئًا، وأفشلت مفاوضات واي ريفر المفصلية وكل ما تلاها من جولات، وما زالت ماضية في بناء المستوطنات التي تقضم بشكل ممنهج أراضي السلطة المفترضة، ولم تُجدِ قرارات مجلس الأمن التي أقرّت عدم شرعية المستوطنات، ولا جهد الرباعية، ولا خطط الرؤساء الأميركيين التي وعدوا فيها بإتمام مسيرة السلام، خاصة في عهديّ كلينتون وجورج بوش الابن، وهكذا يُتوقع أن تمضي الأمور في عهد ترامب. فعلى ماذا راهنت القيادة الفلسطينية في ذلك المسار؟ هل كان نوعًا من اليأس من السير في الطريق السابق بعد أن أُخرجت منظمة التحرير من بيروت؟ أم هو تعويل على تفاعلات الواقع المجتمعي الفلسطيني استنادًا إلى إرث الانتفاضة الأولى العظيم، وعلى عودة (منظمة التحرير الفلسطينية) بعديدها وعتادها من الشتات البعيد إلى الضفة الغربية وغزة، وفرض فلسطين على جغرافيا المنطقة؟ أم كان مجرد مغامرة كلفت ياسر عرفات حياته في النهاية من دون إنجاز ما كان يتوقعه؟ كل هذه الاحتمالات، مفردة أو مجتمعة، ربما كانت وراء القرار الفلسطيني بسلوك هذا المسار.

أما الجانب الإسرائيلي فقد عوّل على فرض أمر واقع، عبر سياساته الاستيطانية، يجعل في نهاية المطاف، وفي ظل مفاوضات لا تنتهي، من حلم الدولة الفلسطينية وهمًا لا يجد أرضًا كي يسقط عليها، كما عوّل على إشغال الفلسطينيين بمشكلاتهم الداخلية.

مرّ قرابة ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو، ولم تستطع السلطة الفلسطينية أن تبني مقومات دولة نتيجة الضغط الإسرائيلي والاجتياحات المتكررة والتحكم في الموارد. لكن الأخطر كان الانقسام الفلسطيني، والعقلية الفصائلية السائدة، حتى عند السلطة التي لم تغادرها، وبقيت تصرّ على أنها سلطة فتح قبل أن تكون سلطة الشعب الفلسطيني الذي قدم ضروبًا عظيمة في النضال السلمي من أجل استعادة حقه في وطن ودولة، هذا النضال الذي أكسبه تعاطف شعوب العالم التي بدأت تدرك بالملموس عنصرية “إسرائيل” وتضليل دعايتها ودعاية داعميها. لكن الوقائع أعند من الإرادات، وتجعل من السلام المنتظر سلامًا بطعم المرارة.

 

ثانيًا: مسيرة الانقسام الفلسطيني وتداعياتها

شهدت مناطق السلطة الفلسطينية عام 2006 انتخابات تشريعية وبلدية، فازت فيهما حماس بأغلبية كبيرة، أمّنت لها رئاسة المجلس التشريعي الفلسطيني والتحكم في قراراته بحكم أغلبيتها، واقتضت أن تُكلّف بتشكيل حكومة فلسطينية. لكن “إسرائيل” اعترضت هذا المسار، وحالت دون ترؤس حماس الحكومة الفلسطينية بدعوى أنها ليست جزءًا من اتفاقات أوسلو، ولا تعترف بها، كما أنها لا تعترف بحق “إسرائيل” في الوجود بناءً على الاعتراف المتبادل الذي نصت عليه أوسلو، في الوقت ذاته الذي هددت فيه الولايات المتحدة بعدم الاعتراف بحكومة ترأسها حماس. من جانبها، السلطة الفلسطينية التي لم تعجبها نتائج الانتخابات، واعتبرتها هزيمة لحركة فتح وسلطتها التاريخية، لكنها لا تستطيع رفض نتائجها لأنها جرت تحت رعايتها وإدارتها، ولا يمكن لها أن تُمرّر تهمة التزوير، ولم تكن منزعجة ضمنًا من الموقف الإسرائيلي، حاولت المداورة على الوضع، والاتفاق مع حماس للخروج من هذا الاستعصاء عبر تشكيل فتح للحكومة؛ لكن هذا أيضًا لم يُرضِ “إسرائيل”، فاعتقلت رئيس المجلس التشريعي وعددًا كبيرًا من قيادات حماس الذين فازوا في الانتخابات. وأخيرًا، بعد أشهر، انقلبت حماس على السلطة وطردتها من غزة، وارتكبت بعض الجرائم البشعة بحق عناصر من فتح عدا عن الاعتقالات الواسعة التي طالت كوادر أساسية فيها.

لقد استأصلت حماس حركة فتح في غزة، وفتحت بذلك جرحًا فلسطينيًا من الصعب أن يطويه النسيان، كما تسببت بعذابات وآلام لسكان غزة يصعب احتمالها، ليس أقلّها حربين مدمرتين شنتهما “إسرائيل” على القطاع المحاصر وخلّفت دمارًا هائلًا في بنيته التحتية، بحجة الصواريخ محلية الصنع التي كانت تطلقها كتائب القسام وبعض الفصائل باتجاه المستوطنات الإسرائيلية القريبة.

حاولت بعض الدول العربية إصلاح ذات البين بين الحركتين، وكان اتفاق مكة 2 شباط/ فبراير 2007 إحدى هذه المحاولات، لكن حماس لم تلتزم بها. وتبع ذلك على مدار سنوات اجتماعات ولقاءات في الدوحة وفي القاهرة كان آخرها اتفاق القاهرة عام 2011 الذي لم يكتب له التنفيذ أيضًا.

حاولت حماس التي تورطت في حكم غزة الخروج من هذا الواقع دون جدوى. فأيديولوجيتها الإسلامية تحدّ من قدرتها على المناورة بالتكيّف مع مسار أوسلو، كي لا تخسر قاعدتها الاجتماعية، ولم تساعدها الدول العربية في هذا الشأن بحكم ارتباطها العضوي بحركة الإخوان المسلمين، لا بل كان حصار مصر وإغلاقها المعبرين المشتركين مع القطاع لا يقل تأثيرًا عن الإغلاق الإسرائيلي، كما غدت المساعدات التي كانت تقدمها إيران سببًا للنفور العربي، وتبريرًا للتشدّد الإسرائيلي.

طرحت حماس للخروج من المأزق مبادرة هدنة طويلة الأمد مع “إسرائيل” تمتد إلى خمسة وعشرين عامًا ولم تلق آذانًا صاغية. كما عوّلت على صندوق إعادة إعمار غزة بعد حرب الـ 2010، إلا أن الدول المانحة، وجلّها عربية، اشترطت عودة السلطة وإشرافها على إعادة الإعمار، لذلك بقي الدمار يجلل غزة، وبقي كثير من سكانها يسكنون الخيام حتى الآن.

ساءت أوضاع غزة كثيرًا بعد انقلاب السيسي في مصر آب/ أغسطس 2013، الذي أنهى حكم الإخوان القصير الأمد لمصر بعد ثورة كانون الأول/ يناير 2011 التي أطاحت بمبارك. فحاصر نظام السيسي غزة، ودمّر الأنفاق التي كانت تعتاش عليها نتيجة ربطه الحركة بالإخوان المسلمين، وتم ذلك بالتزامن مع تشديد الحصار الإسرائيلي، وقطع وقود محطة الكهرباء الوحيدة لأن السلطة أوقفت دفع فاتورة الوقود كما أوقفت فاتورة الكهرباء المستجرة من شركة الكهرباء الإسرائيلية.

جملة من العوامل الداخلية والخارجية، ومنها الحملة التي تشنها بعض الدول العربية على حركة الإخوان المسلمين، خاصة السعودية والإمارات ومصر، وربط حركة حماس بالإخوان، أقلّه من قبل مصر، إضافة إلى الخلاف القطري الخليجي الذي جاء في غير مصلحة حماس، وكان من ضمن مطالب الدول الأربع من قطر تسليم أو تسفير 48 شخصية على علاقة بالإرهاب ومنهم قيادات من حماس تقيم في الدوحة، ومن المؤكد أن الدوحة طلبت من هذه العناصر الاستعداد لمغادرتها في حال تمّت تسوية الأزمة.

هذه العوامل وغيرها جعلت حماس تفكر جديًا في عقم تجربتها في غزة، وأن عليها التفكير في مخارج، وأنها باتت تحتاج إلى مراجعة دقيقة لتجربتها في الحكم الذي لا يتناسب وتلحّفها عباءة المقاومة، فلا يمكن الجمع ما بين الحكم والمقاومة. وقد جاء تسلّم اسماعيل هنية المحسوب على المعتدلين رئاسة المكتب السياسي لحماس بدلًا من خالد مشعل واحدّا من هذه المخارج، إلا أن الأهم تمثل في الوثيقة الفكرية السياسية التي أصدرتها حماس في 1 أيار/ مايو 2017.

 

ثالثًا: وثيقة حماس الفكرية والسياسية

لا تختلف وثيقة حماس الجديدة بشكل جوهري عن وثيقة حماس التأسيسية التي صدرت في 18 كانون أول/ ديسمبر 1987 بعنوان “وثيقة مبادئ وسياسات عامة” إلا في نقطتين رأى فيهما المحللون، ربما بشيء من المبالغة، تغيّرًا في نهج حماس، وتكيّفًا مع مقتضيات المرحلة الراهنة. النقطة الأولى تتعلق بتعريف حماس لنفسها بأنها “حركة المقاومة الوطنية (حماس): وهي حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها”، وتنصّ الثانية على أنه “لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين مهما كانت الأسباب والضغوط ومهما طال الاحتلال، وترفض حماس أي بديل عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا من نهرها إلى بحرها، ومع ذلك وبما لا يعني إطلاقًا الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أي من الحقوق الفلسطينية، فإن حماس تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967 مع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم التي أخرجوا منها هي صيغة توافقية مشتركة”.

في النقطة الأولى، عندما عرّفت حماس نفسها بأنها حركة تحرر وطني فلسطيني، فإنها أخلت علاقتها بالإخوان المسلمين، وهذا كان مطلبًا مصريًا مُلحّا، إذا لم يكن شرطًا مفروضًا، كما أنه سيُحرّرها في علاقتها مع كثير من الدول، كما من سطوة التنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين الذي يواجه تضييقَا متصاعدًا، حيث تلوّح الإدارة الأميركية بوضعه على لائحة المنظمات الإرهابية، وهذا سوف يصيب حماس بمقتل في حال حصوله فيما لو حافظت على علاقتها تلك. أما في النقطة الثانية، فقد أعلنت بصورة واضحة أنها جاهزة للتعامل مع خيار التسوية على أساس الدولتين، وهذه مقدمة هامة لاندراجها في مسار التسويات، ولهذا استلزم منها النص حشوًا في الصياغة لا يفيد تخفيفًا في الصدمة عند قاعدتها الشعبية.

بقية النقاط الأربعين في الوثيقة، جاء أغلبها تكرارًا لموقف حماس الإيديولوجي وموقفها من قرارات الأمم المتحدة وتعريفها لفلسطين التاريخية، ولتأكيد أن اتفاق أوسلو مخالف لقواعد القانون الدولي. كما أنها أشارت إلى منظمة التحرير الفلسطينية وضرورة إصلاحها بناءً على مشروع وطني متفق عليه بين جميع الفصائل الفلسطينية.

 

رابعًا: المصالحة الفلسطينية بين الدوافع والعقبات

أخيرًا وبعد أحد عشر عامًا من القطيعة بين السلطة الفلسطينية في رام الله وسلطة حماس في غزة، أعلن في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي عن مصالحة بين الحركتين (السلطتين)، وعن إحياء اتفاق القاهرة الذي سبق وأن أُبرم عام 2011 دون أن يرى النور، والنية في طيّ صفحة قاتمة، لم تكن مشرّفة في تاريخ النضال التحرري الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، قطيعة كلفت الشعب الفلسطيني آلامًا ومعاناة لا تقل عما خلفته حربان إسرائيليتان على القطاع من ضحايا ودمار وحصار.

اقتضت هذه المصالحة من حماس أن تحلّ اللجنة الإدارية، التي كانت بمنزلة حكومة في غزة، كي تتيح لحكومة السلطة برئاسة رامي الحمد الله مدّ أعمال وزارته إلى غزة، حيث حضر وتسلّم شؤون القطاع الحكومية، في حين تُركت الأمور الإشكالية، وهي كثيرة، لاجتماعات تعقدها الحركتان في القاهرة لاستكمال الاتفاق وتفاصيله، حيث عقدت أولى الجلسات يومي 10 و11 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، على أن تُتابع في أجواء يحرص الطرفان على أن يُسبغا عليها مسحة من التفاؤل.

لم تأت المصالحة، كما بيّنت تجربة السنوات الماضية، نتيجة لقناعة أو حرص الطرفين على ترتيب البيت الفلسطيني أو نزولًا عند رغبة الشعب، بل دفع إليها الاضطرار والحاجة في مرحلة حساسة تتقاذفها رياح وتطورات وتقلّبات في المواقف الدولية في المنطقة، التي تعج بصراعات دموية مفتوحة على ما هو أسوأ. ولعل في مقدمة العوامل التي دفعت حماس إلى قبول هذه المصالحة، التي لطالما عمدت إلى إفشال جهد الدول التي تدخلت من أجلها سابقًا سواءً في مكة أو القاهرة، هو وصول تجربتها في الحكم إلى حائط مسدود، كان سيجعل من عنادها بالتمسّك بها نوعًا من الانتحار الذي لا تريده، فراحت تداور عليه، الأمر الذي يجعل هذه المصالحة عبارة عن عملية تسليم للحكم في غزة أكثر منها فتحًا لأفقٍ جديد في العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية، أو إضافة مفيدة في مسيرة النضال الفلسطيني عند هذا المنعطف. وكل ما سيدور من مفاوضات وتسويات على خلفية هذه المصالحة سيكون تسوية للملفّات والإشكالات التي خلّفتها تجربة حماس، كقضية المعابر وإعادة الإعمار والكهرباء والموظفين، وهذه تخص العمل المدني في العمل الحكومي، في حين أن الإشكالية الأكبر التي قد يتوقف عليها مصير المصالحة تتمثل بقضية سلاح المقاومة ومصير كتائب القسام والأجنحة المسلّحة الأخرى لبقية الفصائل في القطاع.

كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح حول هذا الاتفاق وآفاقه، فليس من السهل على حماس أن تتجاوب مع المرونة التي تتطلّبها المرحلة المقبلة، وتتعلّق بالموقف من اتفاقات أوسلو والحل السياسي والانتخابات المقبلة ودورها في الحكومات المقبلة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهل ستشمل الضفة الغربية أيضًا؟ والأهم من هذا كله هل سيستطيع الفريقان الخروج برؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة القادمة في ظل الحديث عن مبادرات دولية لإعادة تفعيل مسار السلام الذي عطّلته إسرائيل؟

لم تُرحّب “إسرائيل” بالاتفاق، واشترط نتنياهو على حماس الاعتراف بدولة “إسرائيل” وحلّ كتائب القسام. كذلك، لا تبدو السلطة الفلسطينية مستعجلة على رفع الإجراءات العقابية التي سبق وأن فرضتها على القطاع، على الرغم من إلحاح الحاجة عند سكان غزة، بدعوى أنها تحتاج إلى ترتيبات وإلى وقت، الأمر الذي يعني أن الرئيس عباس يريد تطويع حماس قبل إطلاق مفاعيل المصالحة. لكن، وعلى الرغم من أن هناك عقبات موضوعية خلفتها حالة الانقسام، ويحتاج حلها إلى مسؤولية وطنية وتوافر الإمكانات، إلا أن العقبات الحقيقية التي قد يتوقف عليها مصير المصالحة برمتها تتحدد من جهة الفلسطينيين بقضيتين عويصتين ألا وهما: سلاح المقاومة ومصير كتائب القسام وبقية الأجنحة المسلحة الأخرى، ذلك أن كتائب القسام منظمة عسكرية على درجة عالية من التنظيم والخبرات والتعداد، وليس من السهل على حماس التفريط بأهم عنصر قوة في يدها، ليس تجاه الجيش الإسرائيلي بل تجاه السلطة أيضًا، ناهيك عن أن الجناح المتشدد داخل حماس ليس ضعيفًا، وستكون هناك مفاوضات عسيرة وغير مضمونة النتائج في هذا المسار، فقد صرح سامي أبو زهري أحد الناطقين باسم حماس في ترديد لما صرح به بعض مسؤولي حماس أن “سلاح المقاومة ليس قابلًا للنقاش”، في وقت يُردّد بعض مسؤولي السلطة أن لا سلاح على أراضي السلطة إلا سلاحها، ما دفع بعضهم لتخيف الوطء بالتصريح بأن “النقاش حول مصير سلاح المقاومة لم يفتح بعد”، وقد يكون من المبكر التكهن بالصيغة التي ستحل فيها هذه المشكلة، هل تسلّمه حماس؟ أم يجري تجميعه وضبطه بمعرفة السلطة دون مصادرته؟ وعلى فرض أن حماس وافقت على صيغة ما بهذا الشأن، فهل ستوافق عليها بقية الفصائل، خاصة الجهاد الإسلامي التي تتحكم في قرارها إيران؟ كذلك الأمر بالنسبة إلى عناصر الكتائب، هل سيجري استيعابهم ضمن سلك الشرطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية؟ أسئلة قد يكون من المبكر الإجابة عنها.

أما في شأن العلاقة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، فيمكن الانطلاق من أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الشريك الثاني باتفاق أوسلو الذي لا تعترف فيه حماس وتعتبره يتعارض وقواعد القانون الدولي، ووفقًا لهذا الاتفاق جرى الاعتراف المتبادل بالوجود بين طرفيه، في حين أن حماس لا تعترف بالكيان الصهيوني وتعتبره كيانًا إحلاليًا. كما أن اتفاق أوسلو يُقرّ، وهناك قرار دولي لاحق، بحلّ الدولتين، في حين أن حماس لا تعترف بالكيان وتريد تحرير كامل الأرض التاريخية لفلسطين من البحر إلى النهر، إضافة إلى أن برنامج حماس برنامج مقاومة في حين أن برنامج منظمة التحرير التي تشكل حركة فتح هيكلها الأساس يُحيل على التفاوض بشكل رئيس لإنجاز الاتفاقات الموقعة. هذه القضايا الخلافية الأساسية، وغيرها من التفاصيل، أفشلت كل المحاولات السابقة لضم حماس، وتاليًا الجهاد الإسلامي، إلى إطار المنظمة حتى الآن. وعلى الرغم من وثيقة حماس الجديدة التي اعتبرت “منظمة التحرير إطارًا وطنيًا يجب المحافظة عليه مع ضرورة العمل على تطويرها، وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية، كما وضرورة بناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية سليمة وراسخة في مقدمتها الانتخابات الحرة والنزيهة على قاعدة الشراكة الوطنية ووفق برنامج وإستراتيجية واضحة المعالم، تتمسك بالحقوق والمقاومة وتلبي تطلعات الشعب الفلسطيني”، إلا أنه من الصعب على حماس أن تتأقلم مع برنامج منظمة التحرير، بالقدر ذاته الذي يصعب فيه على المنظمة أن تتعايش مع البرنامج الذي تعتمده حماس، مادامت مسيرة أوسلو مستمرة.

 

خامسًا: المصالحة الفلسطينية والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة

مما لا شك فيه أن العوامل الداخلية التي تتفاعل داخل القطاع في ظل سلطة حماس، والتي تختصر كما ذُكر أنفًا بالحاجة والاضطرار، لعبت دورًا في الدفع نحو المصالحة الفلسطينية. لكن العامل الأهم في دفع الطرفين الفلسطينيين لعقد هذه المصالحة يكمن في التطورات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة. فالحرب على الإرهاب التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم الدولة وبقية التنظيمات المتطرفة كالقاعدة والنصرة، تشارف على نهايتها، ما يفترض أن يكون هناك توجه للملمة الصراع المتفجر في كل من العراق وسورية. وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، إلى السعودية في 20 أيار/ مايو 2017، حيث التقى بخمسين رئيس دولة عربية وإسلامية، معلنًا فيها إعادة إحياء أميركا لتحالفاتها التقليدية في المنطقة، كما زار “إسرائيل” والضفة الغربية، وأعلن أن إدارته “يمكنها أن تساعد في إنجاز سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، بذات الوقت الذي تعلن فيه الإدارة الأميركية الجديدة عن تصميمها لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، سواءً على خلفية الاتفاق النووي الإيراني الذي تريد تعديله أو إلغاءه، أو السياسات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في المنطقة بواسطة ميليشياتها الشيعية الفاعلة في أكثر من ساحة متفجرة، الأمر الذي كانت الإدارة الأميركية السابقة تتعامل معه باستخفاف أو غضّ نظر، إن لم يكن أكثر من ذلك. كما يترافق هذا التوجه الأميركي الجديد مع تزايد التوقعات عن نية “إسرائيل” شنّ حرب جديدة على حزب الله في لبنان وسورية، بغاية إبعاد النفوذ الإيراني عن حدودها.

تُدرك حماس أن البيئة الإقليمية والدولية مقدمة على تطورات نوعية، وعلى مرحلة تقاسم نفوذ في بعديه الإقليمي والدولي، مع ما تقتضيه هذه المرحلة من حروب إجرائية أو ضغوط قاسية على هذا الطرف أو ذاك؛ وترك أنها لن تكون بمنجىً منها؛ إضافة إلى كونها تعرضت لضغوط مصرية هائلة بتكليف أميركي لا طاقة لها على تحملها في هذا الظرف، حيث تتحكم مصر بحياة سكان غزة، أقلّه في قضية المعابر.

في هذه الأجواء جرى تسريب وثيقة بعنوان (صفقة العصر)، تتحدث عن مبادرة حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تقدم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإدارة الأميركية الجديدة. وتقوم هذه المبادرة على بندين أساسيين وعدة بنود فرعية. يقترح البند الأول قيام دولة فلسطينية على أراضي الـ 67 مع إمكانية تبادل بعض الأراضي، وذلك في إطار كونفدرالية بين الأردن والضفة من جهة وبين مصر والقطاع من جهة أخرى، على أن تتولى الأردن ضمان أمن الحدود الإسرائيلية مع الضفة، ومصر أمن الحدود الإسرائيلية مع غزة، وتتولى قوات الأمن الفلسطينية مسألة الحفاظ على الأمن في أراضي السلطة في الضفة والقطاع؛ ويبقي البند الثاني مصير القدس معلقًا في المرحلة الراهنة. وتنص البنود الفرعية على إنشاء مطار في قلنديا، وميناء في غزة، ومنطقة حرة ومعبر جديد بين مصر والقطاع، على أن تتولى عناصر دولية الأمن في المطار والميناء والسواحل، وأن تتحول حماس إلى حزب سياسي، مع دمج كتائب القسام في الأجهزة الأمنية الفلسطينية. ويجري حلّ مسألة اللاجئين وحق العودة في نطاق الضفة والقطاع، والحالات الإنسانية في أراضي الـ 48، والباقي يجري التعويض لهم. ويُقال إن السلطة الفلسطينية أعطت موافقتها على هذه المبادرة باعتبارها تتقاطع في كثير من النقاط مع مبادرة السلام العربية، وإن الرئيس الفلسطيني سيقوم بعرضها على بعض الدول العربية في جولة متوقعة له على كل من السعودية والإمارات والكويت والأردن ومصر.

وسواء أكانت هذه الوثيقة صحيحة أو مجرد بالون اختبار، ذلك أن أيًا من الطرفين المعنيين أو الإدارة الأميركية لم يُعلِن عنها، فإنه من المفيد الوقوف عندها واستشراف أنماط التفكير لإنهاء هذا الصراع في تفكير الدول والأطراف المعنية. فهذا الطرح يُحيل على الخيار الأردني الذي تكلم به مناحيم بيغن سابقًا ولم ينجح، أو هو تطوير إسرائيلي لقرار الهدنة عام 1949 الذي ألحق، في إطار كونفدرالي، الضفة بالأردن والقطاع بمصر، مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي فرضها الواقع المعاش.

من الواضح أن الهاجس الأمني لدى “إسرائيل” يشكل روح هذه المبادرة، لكن أليس للأردن بشكل خاص الهاجس ذاته، وبالتالي، كيف سيحله؟ والسؤال الأهم ماذا لو تغيرت الأوضاع في كل من الأردن ومصر؟ وكيف سيكون عليه الموقف عندها؟ وماذا لو طلبت السلطة بعد زمن فك هذه الكونفدرالية؟

وقضية القدس عائق لا يمكن تذليله، لا بالتأجيل ولا بالتحوير، نظرًا إلى رمزيتها. وليس بمقدور أي سلطة فلسطينية أن تتحمل مثل هذه المسؤولية. كذلك الأمر بالنسبة لقضية اللاجئين الذين باتوا يَعدّون أكثر من شعب إسرائيل، فلن يكون حلّها بالأمر الهيّن، ودونه صعوبات ستبقي المشكلة شغالة على الرغم من أنها أسهل نسبيًا من قضية القدس.

الحقيقة التي تعترض قيام سلام في فلسطين، ولا يريد الغرب سماعها أو التعامل معها كما فعل مثلًا في جنوب إفريقيا، تتحدّد بعنصرية “إسرائيل” وبنزوعها التوسّعي وبعدم جاهزية المجتمع الإسرائيلي للسلام؛ إضافة إلى المدى الذي يمكن أن تقبل الشعوب العربية سلامًا في ظلّ المعطيات التاريخية الراهنة التي تمدّ الصراع بديمومته ومشروعيته.

 

سادسًا: خاتمة

لقد أوجع الشقاق بين قطبي الحركة الوطنية الفلسطينية الشعب الفلسطيني، وكلفه غاليًا. ولسوف تحظى هذه المصالحة بمباركة الشعب فيما لو أكملت مسارها، وتوافرت الإرادة لتذليل الصعوبات التي تعترضها. وبمقدار ما هي رغبة فلسطينية، فهي رغبة وقرار دولي وإقليمي أنيط بمصر رعايته. لكن المهم، هل ستفضي هذه المصالحة إلى مشروع سياسي جديد يستطيع تأطير النضال الفلسطيني بعيدًا عن روح الفصائلية والمحاصصة؟ وهل ستسهم في إيجاد حلّ للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يضمن حدًا معقولًا من المصالح الفلسطينية في القضايا الأساسية، في ظلّ ميزان القوى الفعلي الراهن الذي يعمل، بكل المقاييس، لمصلحة إسرائيل؟ الأمر الذي يعني أن على الفلسطينيين، والعرب عمومًا، العودة إلى أوضاعهم الداخلية، ومراجعة مسارهم التاريخي ونقده وتجاوزه وامتلاك الجرأة والمبادرة لإعادة طرح الأسئلة حول آليات الصراع وكيفيات استخدامها على الأرضية التي تقول إنه صراع تاريخي.

مقالات ذات صلة

إغلاق