ترجمات

ترامب وتصفية الحساب في سورية

             

© Getty Images

تعاني سياسة أميركا في سورية، الآن وقد آن أوان الجزء الأصعب في سورية والعراق، من عدم انسجامها مع استراتيجية معالجة نفوذ إيران الإقليمي التي أعلن عنها الرئيس ترامب مؤخرًا؛ فقد تجاهلت الولايات المتحدة، إلى درجة عالية، توسع القوات العسكرية الإيرانية وحلفائها في سورية، في الوقت الذي كانت تركّز فيه على دحر (داعش) خارج الرقة والموصل. ومع تحقيق ذلك الهدف؛ على الإدارة تصحيح التناقض المميت في السياسة الأميركية تجاه إيران.

إن موقف إيران العسكري وراء حدودها هو الأقوى لها على الإطلاق، في الأوقات الحديثة، حيث تعمل قواتها الأرضية التقليدية في سورية، وتتحكم هناك بعشرات الآلاف من المقاتلين في الميليشيات الوكيلة المُستقدمة من العراق وأفغانستان وباكستان و”حزب الله”، كما قامت إيران بتمتين علاقاتها مع موسكو، وها هي تحسّن تقنيات دمج القوة الجوية الروسية في العمليات الأرضية التي تتحكم بها.

لم تتخذ الولايات المتحدة إلا القليل من الأفعال المضادة لإيران وحلفائها في سورية، والتي لم يكن لها أي فاعلية ذات معنى. ردد المسؤولون الأميركيون شعار “على بشار الأسد أن يرحل”، وأمَر الرئيس ترامب بتوجيه ضربة صاروخية على القاعدة الجوية التي أطلق منها الأسد هجمةً بالأسلحة الكيماوية، كما أسقطت القوات الأميركية طائرات سورية وإيرانية تهدد قواتها. لكن لم تؤدي أي من تلك التصريحات أو الأفعال إلى إبطاء آثار التوسع العسكري الإيراني في سورية. بل على العكس، قامت القوات الإيرانية ووكلائها، مدعومة من حلفائها الروس، بالضغط باتجاه الشرق جهة دير الزور، وباتجاه المنطقة المحدودة التي حافظت عليها القوات الأميركية حول التنف. لن تكون تلك القوات الإيرانية كافية لتحرير سهل نهر الفرات الأسفل أو حتى استعادة مدينة دير الزور من سيطرة (داعش)، ولكنها تنوي بخطوتها تلك إخراج الولايات المتحدة، ومنعها من دخول شرق سورية. تكللت خطوتهم حتى الآن بالنجاح نتيجة قيام القوات الأميركية، بشكل عام، بإفساح الطريق عوضًا عن المقاومة.

لا ينسجم الإذعان للسيطرة العسكرية الإيرانية وتوسعها في سورية على الإطلاق، مع الاستراتيجية الإقليمية تجاه إيران المعلن عنها مؤخرًا، كما أنّ فكرةَ التقليل من نشاط إيران الشرير في المنطقة، من دون مواجهة أكثر الأمثلة تعبيرًا عن ذلك النشاط (دعم إيران العسكري والمالي والدبلوماسي والسياسي لعمليات القتل الجماعية واستخدام الأسلحة الكيماوية ومجرم الحرب الأسد)، تتسمُ بمنافاتها للعقل.

لقد أعطت الحاجة إلى قتال (داعش) العذرَ لتجاهل نشاط إيران في سورية، لم تهزم (داعش) في سورية حتى الآن؛ كونها ما تزال تحتفظ بنعيمها الآمن في الشرق، ولكن على طردها من الرقة أن يكون كافيًا لإزالة هذا العذر لتحمّل أبرز تحرك عسكري إيراني، خارج حدود الجمهورية الإسلامية في التاريخ.

على استراتيجية هادفة، لتواجه إيران في سورية، أن تحاول إجبار وتحجيم نشاط إيران من دون أن يرقى ذلك إلى مستوى حرب شاملة، وهو بالضبط الأمر الذي ما يزال يفعله الإيرانيون مع الولايات المتحدة. على أميركا أن توسع وتقوي مواطئ قدمها داخل سورية، بالقرب من المواقع الإيرانية، وأن تقبل مواجهة خطر احتمال تعرضها لهجوم وكلاء إيران، وهو الأمر الذي على قوات الولايات المتحدة أن ترد عليه بشكل حاسم.

عندما تقوم القوات الإيرانية أو السورية أو الروسية بالهجوم على حلفاء أميركا على الأرض في سورية، أو تهديدهم، الأمر الذي قد فعلوه بشكل متكرر؛ فعلى الولايات المتحدة حماية شركائها والانتقام لتلك الهجمات. على الرئيس ترامب أن يوضح بالقول والفعل أنه سيرد على استفزازات إيران في أي مكان من الشرق الأوسط، بأفعال تضعف الجيش الإيراني وتجرده من مواقعه في سورية، وقد تتضمن تلك الأفعال توجيه ضربات عسكرية.

يجب أن يتضمن تصميم الإدارة على تعزيز نظام العقوبات غير النووية على بنود متعلقة بالاستراتيجية السورية، فليس على الولايات المتحدة أن توجه عقوبات قاسية بحق “حزب الله” اللبناني فقط، الأمر الذي يفكر به الكونغرس الآن، وإنما عليها فرض عقوبات ثانوية قاسية على أي كيان –روسي أو إيراني أو أوروبي- يقوم بأعمال تجارية مع حكومة الأسد، كما عليها منع إيصال أي مساعدات لإعادة الإعمار عبر حكومة الأسد، وبشكل خاص إلى الشركات الإيرانية وشركات “حزب الله” التي تسعى إلى تحقيق الربح من السخاء الدولي.

لن يكون هدف تلك الجهود إسقاط الأسد بالدرجة الأولى، المشروع الذي يتطلب استراتيجية معقدة ومتطورة لإنهاء النزاع في سورية بشروط مقبولة، وإنما تقليص الوجود العسكري الإيراني ووكلائه في سورية. سيحذر البعض بأن جهودًا كتلك ستقود إلى حرب مع إيران وروسيا، وبأن على الولايات المتحدة تجنب خطر نزاعات كتلك بأي ثمن كان.

إن التصعيد إلى حربٍ ليس، في الحقيقة، النتيجة التي لا يمكن تجنبها من المقاربة المذكورة أعلاه، حيث ستستمر الحسابات ذاتها التي ردعت الإيرانيين والروس من الذهاب إلى حرب مع الولايات المتحدة في سورية بالوجود، والتي تتجلى في قدرة أميركا على إلحاق ضرر مخيف بالطرفين، في حال تصعيد النزاع.

يشكل الدفاع الجوي الروسي، ونظام الصواريخ المضاد للسفن، تحديًا غير مسبوقًا في سورية بشكل أكيد، وستتطلب هزيمتهما تركيز قوات أميركية في المنطقة على حساب تهديدات عالمية أخرى، وستكلف الولايات المتحدة أرواحًا ومعدات، ولكن الجيش الأميركي قادر على هزيمتهما، وباستطاعته تدمير أي سفينة أو طائرة يمتلكها الروس في الشرق الأوسط، وإهلاك معظم القوات الإيرانية ووكلائها في سورية.

لا تغير حقيقة رغبة الأميركيين المحقّة في تجنب تكاليف صراع كذاك، إن أمكن، من واقع كون فاتورة حرب كتلك ستكون أبهظ بكثير على إيران وروسيا، وأنهما ستخسرانها في نهاية الأمر. هذا هو الحساب والمبدأ الذي يقوم عليه الردع الذي يستطيع أن يسمح لاستراتيجية أميركية ذكية بأنْ تصعّد ضد إيران في سورية مع توقع عقلاني بتجنب حرب شاملة.

الخيار البديل سيكون في إخضاع الأهداف الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، بشكل دائم، لتحالف روسيا وإيران و”حزب الله”، وسيكون ذلك النتيجة التي لا مفر منها لسياسة تسعى إلى تجنب الصراع بأي طريقة، وسيكون ثمن ذلك الخضوعِ مرتفعًا جدًا على المدى الطويل؛ حيث سيزود إيران بقواعد طويلة الأمد في سورية، تسيطر منها على لبنان وتهدد “إسرائيل” والأردن، كما أنها ستقوي من “حزب الله” بشكل هائل، وسيسمح لإيران بتوسيع تهديدها ليشمل حلفاء أميركا إلى درجة أنه سيردع الولايات المتحدة من اتخاذ أي فعلٍ ضد إيران؛ لأنها ببساطة ستقوم بتهديدها بقوتها الساحقة. سيشكل ذلك خطوة كبيرة باتجاه تأسيس نفوذ إيران الإقليمي.

لطالما كان التركيز على إخراج (داعش) من الرقة مبالغًا فيه، حتى إن النجاح في ذلك القتال لم يدمّر خطر (داعش)، وقام بحرف السياسة الأميركية في سورية بطرق عديدة. الآن، وقد حررت الرقة؛ حان وقت إصلاح استراتيجية الولايات المتحدة في سورية، لتنسجم مع الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران بالمجمل، عوضًا عن تقويضها بالكامل.

 

العنوان الأصليTrump faces a reckoning with Syria
الكاتبفريدريك ك. كاغان

Frederick W. Kagan

المصدرThe Hill
الرابطhttp://thehill.com/opinion/national-security/356568-america-faces-a-reckoning-with-syria
المترجمأنس عيسى

 

Author

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق