أدب وفنون

في سرديات السوريين.. الجغرافيا تقرأ الكاتب أولًا

استفزَّ الواقع الجديد، الذي دبّجه وصولُ ثورات الربيع العربي إلى سورية، الرغبةَ في إعادة تدوينه داخل سرديّاتٍ أدبية، ظلّت متواضعة في ابتكار فضاءِ حكايةٍ يرفع الواقع إليه، لكنهّا التصقت باستطرادات الأحداث المتلاحقة، وظلّت قاصرةً عن مجاراتها أيضًا، داخل اتساعها الزماني والمكاني. وكأن الكتابة عن بدايات الانتفاضة السورية، وما تلاها من نزاعٍ مسلّح، هي شأنٌ ذو طبيعة جغرافيّة قبل كل شيء، يخصُّ مكان عيش الكاتب، وموقفه الذاتيّ من توصيف الأحداث المتعاقبة على البلاد.

الكتابة من داخل العاصمة دمشق تعني الاتكال على مساحةٍ ضيقةٍ من المفردات والتفاصيل، كتابةٌ على مقاسِ قذيفة هاون، أو فجاجةِ حاجزٍ عسكريّ، سردٌ يترقّب موتًا مائعًا لا تكتمل صورته، حين تزيّنهُ يوميّاتُ الضجر، خلافًا لواقع الكتابة من قلب المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، هناك حيث يصرف الكاتب من ذاته الكثير على إحصاء شحوبِ المجازر الدمويّة، ونشيجِ الاعتقال الذي لا يتوقف، والدمار الذي يقفزُ مثل بهلوانٍ بين مدنٍ وقرى، صارت وليمةً للقصف اليوميّ المزدهر.

كأننا نقف أمام وصفين لواقعٍ حالكٍ، ينجز فروضهُ اليوميّة من الوجود على العتبة الباردة، أو الاسترخاء قربها. سردٌ يجيء من المناطق الآمنة، وآخر يصل من المناطق غير الآمنة. ففي رواية (جنّة البرابرة) لـ خليل صويلح الصادرة عن (دار العين) للنشر عام 2014، تحضر ذاتية الكاتب أكثر من حضور تفاصيل السرد الروائي. روايةٌ خفيفة سارت فوق أرصفةٍ محتجبة عن صريرِ الموت، تقاربُ الواقع القائم منذ سنوات مع حالِ دمشق في القرن الثامن عشر، حين يستعرض الكاتب يوميّات دمشق التي رصدها شهاب الدين بن أحمد البديري الحلاق، المؤرخ الشعبي، في كتابه المعروف (حوادث دمشق اليومية)، كما يستعرض أسماء كتبٍ وكتّاب وفنّانين في مقارباتٍ أخرى لمداهمة الحدث سكونَ الحياة. نقرأ في الصفحة 27: (كان على الحرب أن تقع قبل عقدين على الأقل من اليوم، أقول لنفسي، أقلّه كي لا يتلوث معجمك الآن برائحة البارود، والقتلى، والمخطوفين، والأنفاق، والمعتقلات، وشبهات الهويّة، وحواجز الطرق إلى الضواحي، وريبة أصدقاء الأمس، فالوليمة السوريّة باذخة إلى حدّ يفوق الوصف).

قبل ذلك، نقرأ في الصفحة 22: (أخترع طريقًا لولبيّة، لعبور شارع الصالحية، الشارع المتاخم لشارع بيتي، محاذرًا الاصطدام ببضائع بائعي الأرصفة التي انبثقت فجأة كالفطر، بالتوازي مع انطلاق الاحتجاجات، فغياب شرطة البلدية، أو انشغالها بمهمات أخرى؛ أفسح المجال لهؤلاء الباعة باحتلال الأرصفة).

الراوي في (جنّة البرابرة) هو الكاتب فقط، مثلما عبد الله مكسور هو الراوي الوحيد في سرديّته (أيام في بابا عمرو) الصادرة عن (دار فضاءات) عام 2013، حيث يعود بطل الرواية من خارج البلاد إلى مدينته حماة، فيعتقله حاجزٌ على طريق دمشق– حمص؛ لأنه لا يحمل بطاقته شخصية، كان بحوزته جوازُ سفره فقط. يسردُ لنا في الصفحة 76 نُتفًا من اعتقاله لدى فرع المخابرات الجويّة في حمص: (لقد وضعوني دون إرادةٍ مني ضمن لعبتهم، منذ هذه اللحظة، أنا خارج حروفهم وأبجديّتهم، لقد حضرت بمهمة سرية لإنجاز عدّة أفلام وثائقيّة لنفسي، وليس لأيِّ قناةٍ أو جهةٍ إعلاميّة، فإذا بي أجلسُ بين أبناء شعبي القرفصاء ولم يمضِ عليّ أربع وعشرون ساعة، وقد فقدتُ اثنين من عائلتي الكبيرة في هذا الوطن، ومن هم خارج هذا الباب الأسود الصغير أكثر، وأكثر).

لا يشبه تجوّلُ راوي (جنّة البرابرة) على أضلاع المربع الآمن في دمشق، تجوّلَ راوي (أيام في بابا عمرو) داخل مدينةٍ ثائرة كحمص. نقرأ -أيضًا- في رواية “مكسور”، في الصفحة 88: (أمشي في مدينةٍ يحكمها الموت والعسكر، ولا شيء معي إلا مشاهد الموت والتحقيق التي حملتها من داخل فرع المخابرات الجويّة، لماذا حصلَ كلُّ هذا، لماذا أرى كلَّ الموتِ أمامي فقط، وقد أعطاني وسيم رقم أخيه، لقد أوصاني بذلك قبل أن يموت، همسَ به همسًا، وكأنه يتلو صلاتَه الأخيرة، خشيةَ أن يروه).

ثم يتلاحق امتزاج القصص/ الصور داخل سرد صويلح، تلتفُّ على نفسها، وكأنها تمسكُ تدوينًا مرتّبًا ليوميات الكاتب في دمشق، حيث يكتب في الصفحة 115: (على رصيف مقهى “كولومبوس” في ساحة عرنوس، يستعيد ليل دمشق صخبه، وكأن صوت القذائف المتجهة إلى برزة والقابون ومخيم اليرموك، تعني بلدًا آخر سيهزُّ أحدهم رأسه، ويقول بلا مبالاة: هذا “صاروخ أرض-أرض”، فيما يستلم آخر، بعد دقائق، رسالة على هاتفه النقال بمكان وقوع القذيفة، وعدد الضحايا، ثم يكمل ارتشاف قهوته، بصمت وحياديّة، فالقذيفة تخصّ “الآخر”، ولا تعني من يمضي وقته بمرح في “المنطقة الخضراء”).

في حين يتقدّم سرد “مكسور” بصورةٍ أفقية على حامل الزمان والمكان، فنجد بطله وقد شرع بتسجيل فيلمٍ وثائقي عن حياة الثوار، مستخدمًا كاميرا زوّدوه بها، نطلُّ على ذلك في الصفحة 132: (كان لكلِّ واحدٍ منهم قصة عن شهيدٍ أو جريح أو معتقل، عن مشفى ميداني تم اقتحامه، وعن مدرسة تم تدميرها، وبيوت تمّ تهجير سكانها، وأطفال يُتّموا ونساء رُمّلت. في الحقيقة كان لكلٍّ منهم نوبةُ بوحٍ لم تبدأ بعد، فكانوا يتسابقون دومًا في لحظاتِ الكلام للحديث عن بطولاتٍ خارقة لأشخاصٍ قضوا نحبهم خلال الصراع المسلّح).

تناقشُ تلك السرديات -أيضًا- موقفَ كاتبها من طبيعةِ الصراع الدائرِ في البلاد. تمسُّ اليقين حينًا، أو تجازفُ بالابتعاد عنه حينًا آخر، تنطلق من نسبيّة الجغرافيا وزاوية الرؤية، وتقف محتارةً عند صرامةِ التاريخ، وما يؤسسهُ لعبور اللحظة الراهنة بكلِّ مقتنياتها المادية. فنقرأ في الصفحة 164 من (جنّة البرابرة): (في اليوم الألف، لم تتوقف الحرب، لقد حرثنا تضاريس البلاد جيدًا، من شمالها إلى جنوبها، نهبنا الكنوز القديمة المدفونة تحت التراب، ودفنّا الموتى والأحياء في مقابر وخيامٍ مرتجلة، اختلطت أقمشة الشعارات والأعلام والرايات بأقمشة الأكفان، في أطول لحن جنائزي، واستعملنا بجدارة تفوق الوصف، كافة أصناف الأسلحة، بما فيها السكاكين والسيوف الصدئة لجز الأعناق، مرفقة بصيحات “الله أكبر”).

ونقرأ في الصفحة 184 من (أيّام في بابا عمرو): (الطريقُ الذي مشيته مرّاتٍ ومرّات من قبل، كانت حجارته تحتفظ ببقايا صورٍ لشبّيحة وقاتلين ومرتزقة عابرين ومتظاهرين، غرقوا بين كلمتي “الشعب يريد”، ونازحين لم يحملوا من مزايا النزوح إلا الاسم فقط، بينهم كانت عيناي تجول، لتلتقط صورًا تختزن قصّة ثورة، بينما عقلي الروائي يرسم قصة متخيّلة من نسيج واقعهم الذي صنعته عبارة “الشعب يريد”).

كلُّ ذلك يشرعن البحث عن صنفٍ من القراءة الآمنة! وهل ثمّةَ قراءةٌ آمنة للحدث السوري بالفعل؟! تلك التي لا تستنتج الواقع، بل تذهب إليه مباشرةً، تستعيره، ثم ترتفع به إلى منسوبٍ أعلى من المنسوب الواقعي بقليل.

مقالات ذات صلة

إغلاق