ترجمات

نيو يورك تايمز: ما الأمة في القرن الحادي والعشرين؟

كريستينا هاجرفورز

أثارت استفتاءاتُ الاستقلال الأخيرة في كلٍّ من كردستان العراق وكتالونيا، والردود القاسية والعنيفة المتوقعة من الحكومات المركزية في كلٍّ من بغداد ومدريد، العديدَ من التساؤلات – أسئلةً من دون أجوبة- عن معنى الأمة في القرن الحادي والعشرين: ما هي الأمة؟ ما هي الدولة القومية؟ أهي البلد ذاته؟ هل الشعب والقبيلة هما المعادل للأمة؟ ماذا تعني السيادة القومية الحقيقية، في اقتصادٍ معَوْلَم؟

تقديري أنَّ معظم الأميركيين لا يفكرون في هذه الأسئلة. إنَّهم يعيشون في “أمة واحدة غير قابلة للتجزئة”، حتى لو كانت بلادهم لا تعيش بهذه الطريقة في هذه الأيام. ولكن “ما هي الأمة؟” إنَّه سؤالٌ قد تمَّ طرحه على عجالةٍ في أجزاءٍ كثيرة من العالم، منذ نهاية الحرب الباردة.

ظهرت 15 دولةً جديدة/ قديمة من الاتحاد السوفيتي وحده، كما أُعيد تعريف مجالاتها الأوروبية. وفي غضون خمس سنواتٍ من سقوط جدار برلين، وافقت ألمانيا الشرقية على أنْ يتم شراؤها فعليًّا من قبل الألمان الغربيين، وخُلق من تشيكوسلوفاكيا دولتين، نتيجة التفاوض، وولد من يوغوسلافيا في نهاية المطاف سبعة بلدانٍ، عبر سفك الدماء.

لم تنجح جميع المجموعات في التحوّل نحو دولة الأمة الخاصة بها، حيث لم يتوقف الأكراد قط -على الرغم من القمع المروّع- عن محاولة إنشاء أمتهم.

لفهم هذا الرغبة الشديدة في إعادة رسم الخريطة، علينا النظر في التاريخ الإمبراطوري الحديث. رُسمت حدود كردستان، ويوغسلافيا عندما كانت الإمبراطوريتان: العثمانية والنمساوية المجرية، تُقسّمان في نهاية الحرب العالمية الأولى، وكانت خطوط الحدود هذه لا علاقة لها بالتطلعات القومية، وإنما بكلِّ ما يتعلق بموافقة الإمبراطوريات المنتصرة: بريطانيا وفرنسا. تمّ الحفاظ على هذه الحدود من قِبل القوى الإمبراطورية التي حلَّتْ محلَّ البريطانيين، والفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية، وهما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

لقد بدأ التحدي الذي يواجه الفكرة الحالية للأمة مع نهاية الشيوعية، وتوسَّع عندما بدأت الدول الغربية بالتصدع، بعد الانهيار المالي عام 2008.

جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكزيست) بناءً على حجةٍ داخلية، حيث كان البريطانيون يدَّعون ملكيتها منذ الانهيار الذي حلّ بما كانت عليه أمتهم، وما يجب أنْ تكون عليه؛ وقد أدى هذا الانهيار إلى زيادة الدعم للحزب القومي الإسكوتلندي الذي فاز بأغلبيةٍ في البرلمان الإسكوتلندي في عام 2011. وفي عام 2014، سُئل الناخبون الإسكوتلنديون في استفتاءٍ: “هل ينبغي أنْ تكون إسكوتلندا بلدًا مستقلًا، نعم أم لا؟” كان الجواب: لا. ولكن هذا لم يكن نهاية القصة، لأنَّ القومية الإنكليزية قد اُستنهضت.

عام 2016، قرّر ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، بعد أنْ فاز في الاستفتاء الإسكوتلندي، أنْ يجرّبَ حظه مرةً أخرى من خلال تقديم تصويت حول استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي: “هل ينبغي أنْ تبقى المملكة المتحدة عضوًا في الاتحاد الأوروبي أم يجب أن تنسحب منه”.

صُنعت الحجة ضد استمرار العضوية في الاتحاد، وفق شروط السيادة القومية، ولم تكنْ حجةً جديدة. عندما بدأ الاتحاد الأوروبي مسيرته البطيئة نحو مستقبل فيدراليّ/ اتحاديّ في أواخر الثمانينيات، عمدت بريطانيا إلى الانضمام إلى هذه العملية. ومن وجهة نظر مارغريت تاتشر، كان الانضمام إلى أوروبا الاتحادية يعني نهاية الاستقلال الوطني لبريطانيا.

بريطانيا، بسبب حجمها وأهميتها داخل الاتحاد الأوروبي، تمكّنت من الانسحاب من الترتيبات التأسيسية لأوروبا الاتحادية: (اتفاق الشنغن) الذي يسمح بحرية تنقل الناس عبر الحدود الوطنية، وكذلك العملة الموحدة: اليورو.

فعلَ الخوف على السيادة في العقول الإنكليزية البراغماتية، ما يفعله عادةً الخوف لمعظم العقول: جعلها غير عقلانية. وخلال الاستفتاء الإسكوتلندي، أوضح الاتحاد الأوروبي للإسكوتلنديين أنَّهم إذا صوّتوا من أجل الاستقلال؛ فلن يتم ضمهم بسرعةٍ إلى الاتحاد، ولا يمكنهم استخدام اليورو كعملة. ما كان يمكن تصوّر تأييد أكبر مما تلقته السيادة البريطانية. لا يهم.

عندما تم فرز الأصوات، اختار 53 في المئة من الناخبين الإنكليز انسحابَ البلاد، بينما صوّت 62 في المئة من الإسكوتلنديين على البقاء. تعبيران متميزان جدًا عن الإرادة القومية، ولكن هناك تعبيرًا واحدًا فقط يجري العمل عليه.

إلى أيّ مدًى كان قرار كتالونيا بإجراء استفتاءٍ على الاستقلال مُدينًا للتصويت الإسكوتلندي؟ هل ارتكب كارلوس بويديمونت، زعيم البرلمان الكتالوني، خطأً في افتراض أنَّ سابقة التصويت السلمي في بريطانيا على الاستقلال الإسكوتلندي تعني أنَّ الكتالونيين يمكن أنْ يكون لهم تصويتهم في جوٍّ محترم مماثل؟

ألم يكن يعلم أنَّ تعهّد الاتحاد الأوروبي باحترام سيادة أعضائه الحاليين يعني أنه لن يتدخل لوقف الحرس المدني، عندما ترسله الحكومة الإسبانية؟

الأزمة الكتالونية تؤدي إلى سؤالٍ نهائيّ حول الأمة: هل يمكن لدول أوروبا الغربية أنْ تحافظ على ثرواتها، ومستويات معيشتها المرتفعة في اقتصادٍ معولم، من دون تجميع أممها ضمن شيءٍ أكبر؟

بداية الجواب على هذا السؤال المعاصر تأتي من الماضي. قبل نحو 500 سنة، وفي وقتٍ آخر من التغير السياسي والاقتصادي المستمر، سُئل أحد النبلاء البولنديين الذي خسر التاريخ اسمه، عن هويته القومية؛ فردَّ: “أنا من الأمة البولندية، وجنسيتي الليتوانية، ومن الشعب الروثيني، ومن الأصل اليهودي”.

يتنبأ الجواب بوجهة نظر ألبرت ريفيرا، الذي يقود حزب يمين الوسط المناهض للاستقلال، في كتالونيا: “كتالونيا وطني، وإسبانيا بلدي، وأوروبا مستقبلنا”.

هل يمكن أنْ تصبح أوروبا أمة؟ إنَّه واحدٌ من أكبر الأسئلة في القرن الحادي والعشرين.

 

اسم المقالة الأصلي What Is a Nation in the 21st Century?
الكاتب مايكل غولدفارب، Michael Goldfarb
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 27/10
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/10/27/opinion/catalonia-european-union-independence.html
عدد الكلمات 797
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق